مشغرة في كندا

لوسي بارسخيان|السبت19/08/2017

Almodon.com

السر في ما توفره المحمصة من رائحة لبنان وطعمه (لوسي بارسخيان)
لا يشعر كثيرون ممن اختاروا كندا وجهة للهجرة منذ اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، بغربتهم عن الوطن. إذ نقل معظمهم عاداتهم وتقاليدهم إلى أماكن سكنهم. وهناك عاشوا بغربة عن محيطهم. فبقي المواطن الكندي في وطنه “أجنبياً” بالنسبة إليهم، وعاشوا هم في وصل مباشر مع وطنهم.

محمصة عجوري في منطقة غاتينو في كيبيك قد تبدو أبرز مثال على ذلك. اللغة العربية التي أصبحت أخيراً منبوذة في معظم بلاد الغرب، تنال “صك البراءة” مع اقترانها بالأرزة اللبنانية واسم عجوري، الذي صارت محمصته واحدة من الأكثر ازدهاراً من حيث استقطابها الزبائن اللبنانيين، العرب وحتى الكنديين.

قد يبدو السر في ما توفره المحمصة من رائحة لبنان وطعمه. كـ”اللبنة البيتية” والجبنة، والبيض البلدي، الحبوب والشاي والمخللات المستوردة جميعها من لبنان، بالإضافة إلى البقلاوة، الكعك بسمسم والطحينة، وحتى بسكوتة الدبكة التي بطلت موضتها في لبنان.


لكن مؤسس المحمصة في كندا عيسى عجوري يقول لـ”المدن” إنه حتى الخيار الذي يبيعه له طعم لبنان. فالبذرة المستوردة من هناك تزرع في بيوت بلاستيكية ليكون متوفراً على مدار السنة للبنانيين الذي يفضلونه على الخيار الكندي، ويكملون به صحن الفتوش مع النعنع والبصل والخس. والأهم البقلة التي تعرّف إليها الكنديون عبر محمصة عجوري.

أما أساس نجاح المحمصة، كما يراه عيسى، فهو البزورات والقهوة العربية، التي تسمى لبنانية، “التي يشتاق إليها المغتربون كثيراً في هذا البلد”. هكذا، نقل عيسى طعم هذه البزورات والقهوة من مكان ازدهارها في بلدته مشغرة في البقاع الغربي، بتشجيع من عائلته التي انتقلت كلها معه إلى هناك في أواخر ثمانينات القرن الماضي. ويروي عيسى أنه حتى قبل استكمال ديكور محاله، ازدهرت المحمصة بفضل أعداد مغتربي مشغرة في غاتيون. وقد استقطب هؤلاء لبنانيين آخرين وكنديين، شكلوا مع الوقت 20% من زبائن المحمصة، بعدما تعرفوا إليها “من خلال صحافية لبنانية، قصدتني يوماً وأبدت اعجابها بما أوفره، وقررت أن تقدم لي دعاية مجانية عبر الاذاعة”.

لكن الشق التجاري ليس كل شيء. ففي محيط محمصته، وفر عيسى لنفسه الأجواء اللبنانية، عبر الخضار اللبنانية، من كوسى وبقلة وبقدونس ونعنع وبصل، التي تنقله مع عرائش العنب إلى “جو الضيعة”. ليكتمل المشهد مع تخمير العنب لصنع العرق البيتي، غير المعروف في قائمة مشروبات الكنديين، وقن الدجاج الذي يوفر له ولعائلته البيض البلدي، مجتمعين معاً حول منقل الشوي (الفحم)، الأكثر استخداماً في لبنان، بالإضافة إلى فرن الصاج طبعاً.

يقول عيسى إن “جو الغربة صعب جداً. لذا، أردت من خلال خلق هذه الأجواء أن أنقل الطبيعة نفسها والأجواء التي كنا نقدرها كثيراً في لبنان، لأشعر مع عائلتي أننا مازلنا في ضيعتنا مشغرة”.

ومع خلق هذه الأجواء قطع عيسى الحبل الذي يربطه بمشغرة كلياً، مصمماً أن لا يعود إلى هناك إلا إذا كانت عودته نهائية. فلم يزر “البلد” منذ 30 سنة تقريباً، كما يقول، ولا تعرف أولاده إليه، هم الذين استلموا معه ادارة المحمصة بعدما كبروا “في الغربة”. ففي مقابل الحرب التي هجرت اللبنانيين من بلدهم، كما يقول عيسى، “أمنت لنا كندا الحرية المطلقة. الحق في التعليم المجاني والطبابة، والاستقرار والأمان واحترام الإنسان والبيئة. وكلها أمور تغيب عن أخبار لبنان التي نتابعها لحظة بلحظة”.

مع ذلك، يقر عيسى أنه إذا عاد إلى مشغرة، ولو لزيارة قصيرة، لن يكون قادراً على العودة إلى كندا مجدداً. فهو يشبه نفسه، كما يفعل المغتربون، بـ”شجرة” اقتلعت من جذورها وزرعت في كندا، فصار انتزاعها من مكانها الجديد لإعادتها إلى أرضها الاولى صعباً. و”أنا لم أعد قادراً على تحمل هذا الوجع مجدداً”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*