مشاهدات فنّان وأستاذ جامعي في سان بطرسبرج

محمّد شرف
النهار
23102017

 أيها الركاب المحترمون، في حال رؤيتكم أغراضاً أو وجوهاً مشبوهة الرجاء إبلاغ السائق أو مساعده”. تتكرر الجملة عند كل محطة من محطات الأوتوبيس، بعدما اختفت عبارة “أيها الرفاق” منذ ردح من الزمن. لم يعد الركاب “رفاقاً” بالقوّة، كما لم يعد الأوتوبيس من الطراز القديم، بل صار محمّلاً شاشات إلكترونية وأجهزة تُلصق بها بطاقتك فتبان صلاحيتها، أو عدمها. لكن الأوتوبيس، الذي كان يجتاز جادة نيفسكي، وهي الأشهر في مدينة #سان_بطرسبرج، توقّف فجأة، وطال وقوفه في المكان ذاته من دون أن يتزحزح قيد أنملة.

لم يتململ الركاب بسرعة، بعدما استمر وقوف الحافلة في مكانها، فهذا الشعب المعروف بطيبته، الذي كان ذات يوم سوفياتياً، اعتاد الصبر ومارسه، نتيجة المحن الكثيرة التي أطبقت عليه في الماضي. لغرابة الأمر، بدأ التململ يظهر في صفوف الركّاب المسنّين، وهم، عادة، من خيرة الصابرين، فالجيل الشاب من الركّاب كان مشغولاً بهواتفه النقّالة: سلاح الجيل الجديد وذخيرته التي لا تنضب.

بقيت الحافلات جامدة على الجادة الشهيرة، وأطلق بعض الركاب تخمينات حول طبيعة هذا التوقف، الذي قد يشير إلى حدوث أمر جدّي، إلى أن اضطر السائق، بعد طلبات متكررة، إلى فتح الأبواب، ما يُعتبر خرقاً للقانون، فالأوتوبيس لا يتوقّف إلاّ في المحطّات المخصصة لذلك. ظننا أن الأزمة تسبب بها حادث مروري “مروّع”، وهي العبارة الشهيرة التي تصف حوادث السير الغبيّة في وطننا السائب، لكن السبب الحقيقي لم يخطر في بالي ولم يكن متوقّعاً، بالنسبة إليَّ على الأقل، فقد كانت قافلة من الدراجات الناريّة، المتنوّعة الأشكال والأحجام والطرز، يبلغ عددها المئات وربما تعدّت الألف بكثير، تودّع فصل الصيف. صيف المدينة الشمالية لا يشبه صيفنا، وقد يكون من غير المناسب إطلاق هذه الصفة عليه، فالخليقة هنا لم تر الشمس إلاّ نادراً، ويتماثل حضورها النادر مع ندرة الغيم في سماء بعلبك، التي لم تعرف السحب خلال خمسة أشهر هذا العام. عبثاً يبتاع الميسورون المتنمرون، في هذه المدينة، نظارات شمسية باهظة الثمن، إذ أن زجاجها الأسود، مضافاً إلى جو المدينة الرمادي، من شأنه أن يجعل حامل النظارات كفيفاً، أو يكاد. اجتازت الدراجات النارية الجادة الرئيسية بإشراف الشرطة وقوى الأمن، التي أفرغت لها الطريق وأوقفت كل معالم السير من أجل ضمان سلامة الجميع. كان هذا المشهد أول لقاء لي مع مظهر من مظاهر التغيير، على رمزيته، الذي عصف بالمدينة وبذهنية سكانها وتصرفاتهم وأنواع سلوكهم.

المدينة المتغيّرة                                    

قد يكون من النافل القول إن أشياء كثيرة تغيّرت في سان بطرسبرج، وفي المدن الروسيّة الكبيرة الأخرى الواقعة على مساحة البلد الفسيح، هذا، إذا ما إسثنينا بعض القرى الصغيرة، التي لا تزال تنعم بطمأنينة البساطة القديمة، وبسكونها المريح. هذا الحكم لا يُعدّ اكتشافاً شخصيّاً، فقد ذكره الكثيرون، وأشاروا إلى إمتداداته، وكنت أحضّر نفسي لتلقّي آثار هذا التغيير الذي ذكرته أفواه كثيرة، كان كل منها يشير إلى الأمر من زاوية ثقافته واهتماماته.

جادة نيفسكي لا تزال على حالها، ما من إضافات على أبنية يمنع القانون المسّ بأشكالها الخارجية، الذي ترسخ على أساسها وجه المدينة المعماري، الجامع ما بين القليل من الباروك والكثير من الأسلوب الكلاسيكي، في حين لا تتمظهر الهندسة الروسية التقليدية إلاّ من خلال كنائس بهيّة ملوّنة، تضفي بعض الحياة على المظهر العام، القائم على مشتقّات الرمادي، المطعّمة، أحياناً، بألوان شبه فاقعة، يذوي بريقها مع مرور الزمن. لكن دواخل الطبقات الأرضيّة من تلك المباني، المحاذية للرصيف العريض، تبدّلت بالكامل. من الصعب تعداد المطاعم والمقاهي التي احتلّت هذه الطبقات، وشغلت مفاصلها. مطاعم من كل الأشكال والأحجام والألوان ومذاقات الطعام من بلدان العالم كافة. كان البحث عن مقهى أو مطعم مناسب، في الزمن الغابر الذي عايشناه، مهمة جليلة تتطلّب وقتاً وصبراً، ولا تتكلل غالباً بالنجاح لكثرة المريدين وقلة الأمكنة، ما كان يدفعنا إلى ارتياد الفنادق التي تستقبل، عادة، السيّاح الأجانب.

المهمة الآن لا تزال على صعوبتها، ولكن على نحو معكوس، إذ صار الإختيار صعباً نظراً لوفرة العرض، وللجهل بالأسعار، علماً أنها مطبوعة على الـ”مينو”، الذي تقدّمه لك صبية حسناء تجيد التحدّث بالإنكليزية، علماً أننا نتقن الروسية جيداً، ما كان يُثير إستغراب البعض وإعجابهم. لكن، أن تدخل مطعماً ومن ثم تغادره لكون أسعاره لا تتناسب مع إمكاناتك، فهذه لعمري “جرصة”. كانت المئة دولار، المرسلة بصعوبة وتأنٍّ من الأهل خلال فترة الدراسة، تكفي لشهرين، وهي الآن تكفي بالكاد ليومين، في حال تجنّب المرء التبذير واستبعد الفذلكة في صرف النقود. لم نرتد مطعماً من مطاعم السوشي المتوافرة هنا، لكوننا لا نهوى الإكزوتيك القادم من الشرق الأقصى، ولم نقصده يوماً في عاصمتنا اللبنانية، وتعجّبنا من وجود مطاعم يابانية في بلد لا يهوى سكانه السمك النيئ، اللهم إذا لم يكن سمكاً مجففاً، أو حتى نيئاً، ومنقوعاً بالسوائل لفترة طويلة ومطعّما بالبصل، وذلك تحت مسمّى “أرنغ” بالفرنسيّة، ما يشكّل مازة مثالية لكأس فودكا، أو لزجاجة بكاملها. يبدو أن إتباع مجريات الموضة لم يقتصر على ارتداء الملابس الـ”سينييه”، أو سراويل الجينز الممزّقة، بل وصل إلى الطعام، وهو، في الأحوال كلّها، يقتصر على فئة معيّنة تسمح مداخيلها بارتداء ما يحلو لها، أو تناول كل ما يطيب لها، ولو كان شكله، أو مذاقه، بعيدين من الطابع المحلّي. وإذا كان تناول بعض الأطعمة يبدو مخالفاً لتقاليد المطعم الروسي، فإن ارتداء سراويل الجينز الممزّقة يبدو مخالفاً لطبيعة المناخ البارد، وخصوصاً إذا كانت الثقوب المقصودة في البنطال كبيرة الحجم، وتسمح بتسرّب الصقيع إلى الجسد. لكن الموضة تتطلّب تضحيات، كما الفن، الذي التصقت به المقولة الروسيّة المعروفة: “الفن يتطلّب تضحيات”، ولو أن المفهوم المتعلّق بالفن مختلف في جوهره وتفرعاته.

عن أحوال والناس وهمومهم                             

كما في كل بلد يسلك طريق الرأسمالية، المختلف من مكان إلى آخر، انفتاحاً كاملاً على السوق، أو تقييداً نسبياً للمبادرة الفردية، ظهرت في روسيا طبقات إجتماعية متفاوتة في مستواها الإجتماعي والمادي، وهذا، أيضاً، لا يُعدّ اكتشافا، بل نتيجة لمعاينة شخصيّة. السيارات الحديثة الفارهة التي تجتاز الطرق جميعها من صناعة غير روسية. لم نر خلال تجوالنا في المدينة سوى سيارتين يتيمتين من ماركة “لادا”، إضافة إلى سيارة أخرى لحظناها واقفة قرب رصيف منذ أمد غير معروف، واستدللنا على ذلك من خلال رؤية إطاراتها التي نفد منها الهواء وصارت شبه ملتصقة بالأرض. يبدو أن سيارات الـ”فولغا” والـ”لادا”، التي كان اقتناؤها صعباً سابقاً، ويتطلب من المرء إنتظار دوره، بعد التحقق من كيفية حصوله على ثمنها، صارت مكروهة حالياً. أمور كثيرة تحدث هنا بناء على قاعدة الفعل وردّ الفعل: ما كان مرغوباً بقوّة في الماضي من صناعة محلّية جرى استبداله بما هو مصنوع في الغرب، مع انقلاب في الآية. إذ كانت النقود، خلال الزمن السوفياتي، متوافرة ولو في شكل نسبي لدى الجميع تقريباً، بينما كان العرض قليلاً، هذا، في حين صار العرض، الآن، كبيراً، بينما لا تسمح موارد الكثيرين بالتمتع بوفرة البضاعة المعروضة وتنوّعها. دخلنا إلى مخزن “يليسفسكي” المعروف والأنيق، الواقع في منتصف نيفسكي بروسبكت، ذي الهندسة “المودرن” العائدة إلى بداية القرن الماضي، فإذ به أشبه بمتحف منه بمكان لبيع المواد الغذائية. لم تصدّق أعيننا سعر إحدى علب الكافيار: 53 ألف روبل، أي ما يساوي 1000 دولار تقريباً.

وإذا كان البعض، عدا كبار الأغنياء الذين لا يعوزهم شيء، يعيش ضمن ظروف حياتية مقبولة، فقد ظهرت طبقة المهمّشين كنتيجة حتمية لطبيعة النظام الإقتصادي الحالي. كلمة “بومش” بالروسية تساوي كلمة “كلوشار” بالفرنسية، وحاملو هذه الصفة، في اللغتين، لا يتمتعون بسوى سوء أحوالهم، الذي قد يكون ناتجاً من عدم قدرتهم على مجاراة النمط الإقتصادي السائد، أو، أحياناً، من قرار ذاتي قائم على العبثية واللامبالاة، ومدعوماً بإدمان الكحول، من دون استبعاد تعاطي المخدرات، في بعض الأحيان. يمكن رصد البومش، فرادى أو جماعات، عند مداخل محطّات المترو، المكان المفضّل لديهم في كل مكان من العالم، كما لاحظنا في أكثر من بلد، وعلى أرصفة الشوارع الرئيسية أكثر من سواها. علاوة على ذلك، ظهرت طبقة من الفقراء المعدمين، وجلّهم من كبار السن، لا شأن لهم بالكحول أو المخدرات، كما لا شأن لهم بالعيش الرغيد، ولا ندري كيف يتدبرون أمورهم في ظل ارتفاع الأسعار، التي كانت شبه رمزية في الزمن الإشتراكي الآفل. يجلس الفقراء عند زوايا الشوارع أو قرب مداخل المحلاّت التجارية من دون أن يستعطوا المارة في شكل مباشر. ناولت إحداهنّ، التي بلغت من العمر عتياً، مبلغاً من المال لم تعتد على تلقيه غالباً، شكرتني بصدق وبابتسامة أزاحت، للحظة، عن كاهلي الشعور بالذنب الذي راودني حين اضطررت إلى تجاهل سواها، إذ من المستحيل أن تتصدّق على الجميع من دون استثناء.

في الشوارع، وقرب محطات المترو نفسها، ترفل الصبايا أنيقات بقاماتهن الممشوقة وثيابهن الأنيقة، ويدخنّ في الشارع أثناء سيرهن كما في العاصمة الفرنسية باريس، بعدما أصبح التدخين ممنوعاً في الأماكن العامة، في بلاد كثيرة، تطبيقاً لمبدأ الحرب المعلنة، بلا هوادة، على المدخنين، ولم يبق لهؤلاء سوى الشارع مرتعاً لمن شاء أن يملأ رئتيه بالنيكوتين. كان البنطال الأزرق الأميركي المنشأ، المدعو جينزاً، في عصرنا الطالبي، باعثاً للمباهاة، وعامل جذب للفتيات البسيطات، ضمن لعبة إغواء مشبوهة مارسها طلاّب أجانب متنمرون. صار هذا السروال- الرمز، في أشكاله المكتملة قماشاً أو الممزّقة عنوة، من عاديات الأمور في هذا البلد، وكتطبيق لرد الفعل المذكور آنفاً، المعقود على بقايا عقدة النقص القديمة، يرتديه الكثيرون. في هذا الزمن لن تدهش فتاة بملابسك القادمة من خلف الحدود، أو بسجائر أميركيّة. ربما عليك أن تكون مليونيراً، على الأقل، وأن تبدو عليك مظاهر الثراء الفاحش، كي تمارس حيلة الإغواء الأثيرة، التي لا تنطلي، في طبيعة الحال، على أي فتاة. إذ عليك، في بعض الأوضاع، أن تكون متحدّثاً لبقاً، كما في كل مكان من الأرض، وأن تكون مخادعاً في بعض الأحيان، وأن تتمتع بالوسامة في المواقع كلّها، ما يوفّر عليك بعض الوقت الذي قد تهدره كي تبرهن للأنثى أنك إنسان يتمتع بالذكاء والفطنة، في حال لم تساهم فيزياء التكوين في جعلك وسيماً. هذه الأمور كلّها تستوجب أيضاً، في حال تعدّي سن الشباب المقترن بالحماسة، أن تكون في مزاج ملائم، وأن يكون الهدف النسائي جديراً بالمحاولة، وهذه الشروط لم تجتمع لدينا خلال زيارتنا للمدينة. صار لدينا من الكسل اللعين، ربما، قدراً كافياً للإبتعاد عن تجارب قد لا تُفضي إلى شيء.

الأصدقاء وأكاديمية الذكريات                            

إذا كان ما يميّز الشعب الروسي عن سواه من الشعوب، فهو إخلاصه لمفهوم الصداقة، وعدم اعتبارها أمراً مرحلياً ينتهي مع إنتهاء ظروف قيامه، بل تبقى الصداقة قائمة ولا تضعف أواصرها بفعل الجهد المشترك من الطرفين، علماً أن “الطرف الروسي” هو الأكثر مثابرة وعناداً في هذا المجال. الصداقات المرحلية، المنتهية الصلاحية بعد فترة ما، خبرناها في وطننا لبنان، بعد عودتنا من غياب طويل. الناس الذين التقيناهم منذ عقد أو أكثر، في بلدنا، لم نعد نرى وجوههم إلاّ بالمصادفة، ونكتفي بإلقاء التحية عليهم، أو الوقوف معهم، لياقة، للسؤال عن الأحوال، لدقائق لا أكثر. الصديق الروسي هو صديق “أبدي”، تلتقيه بعد عشرات السنوات فيُخيّل إليك أنكما افترقتما يوم البارحة.

الأصدقاء القدامى- الحاليون أحوالهم متفاوتة. من استطاع منهم التسلل إلى “ثقافة السوق”، في البلد المتغيّر، تبدّلت أحواله نحو الأفضل، من الناحية الماديّة في طبيعة الحال. أما من لم يمتلك القدرة على مجاراة نمط الحياة الجديد فسيسير على خطى المبدأ الوارد سلفاً: “الفن يتطلّب تضحيات”، على أساس أن الأصدقاء كلّهم فنانون أو مصممون، ومن كانوا منهم بعيدين عن هذا المجال فأحوالهم ليست، أيضاً، على المستوى نفسه. بقي البعض “شباباً”، في حين أضاع العديدون الروح الشبابية، وصار البحث عنها صعباً. سألت صديقة قديمة مطلّقة، وهي في نهاية أربعيناتها، عن أحوال العاطفة، أجابت أن الرجال يفضّلون الفتيات الشابات. تبيّن لي أن من تخطين السن “القاتل” وقعت طائفة منهنّ في فخ الوحدة والإكتئاب، الذي تغذّيه هموم الحياة المختلفة. هكذا آلت الحال بإيلينا الجميلة، الممتلكة حساسية مفرطة، غير فيزيائية، وهي التي انتهى بها الأمر رحيلاً إلى العالم الآخر، بعدما أتت على جسدها أنواع الكحول، مضافة إلى أسباب أخرى، ما أدّى بها إلى مرض لم تخرج من براثنه سالمة. قلت للأصدقاء، بعد سماعي تفاصيل الحادثة، إنه نوع من الإنتحار التدريجي المقنّع. شاءت إيلينا، كما تصوّرنا، أن تسير على خطى إميل سيوران، كاتب اليأس والآمال المفقودة، في مؤلّفه “المشكلة في أن تولد”، علماً أنها لم تقرأ الكتاب، على ما نعتقد. لم اوص أحداً بقراءة سيوران، وشئت أن أنصحهم بالإبتعاد، أيضاً، عن تشارلز بوكوفسكي، كي لا تتسرّب إلى أنوفهم رائحة الكحول الصادرة عن صفحات كتاباته، إذ يكفي أن احتساء الكحول هو تقليد روسي بامتياز، وقد يؤدّي، في حال إتبّاعه بجموح، إلى نتائج كارثية، علماً أنني لست من المتحفظين تجاه هذا التقليد، في حدوده المعقولة.

غريغوري، الصديق المقرّب، لم يسلم أيضاً من عقارب الزمن ذات السمّ المميت، ولم يستطع أحد أن يخبرني بدقّة عن سبب رحيله المبكر. لم يرحل غريغوري بمفرده، صحبه إلى العالم الآخر أناس آخرون عرفتهم عن بعد، كانت أنواع مختلفة من الأمراض فتكت بهم. لكن الأمر لا يُقاس إذا ما استعرضنا لائحة الأساتذة المتوفين في الأكاديمية التي درست فيها، وعشت بين جدرانها عقداً من الزمن، مع الإشارة إلى أن مسألة الموت، هنا، مرتبطة بالتقدّم في السن. كان الدخول إلى الأكاديمية، بعد غياب طويل، يبعث ارتجافة في القلب، ولم يعد هذا الدخول يسيراً في معناه الوظيفي، إذ لم يعد يُسمح لأي كان بالولوج إليها، بعدما وقعت #روسيا، كما سواها من البلاد الغربية، بين مخالب الإرهاب، وصارت كثيرة الحذر والحيطة. عليك أن تُبرز بطاقتك الجامعية الممغنطة، وتمررها على الآلة، أو أن تكون معروفاً من رجال الأمن المولجين حماية المدخل. تخطّيتُ هذه المعوقات من خلال التعريف بنفسي بلياقة، في حين كان يتطلّب الأمر استدعاء أحد الأساتذة للتعريف بي. من ضمن دزينة من الأساتذة ممن توالوا على تعليمنا وتدريبنا، خلال سنوات الدراسة المديدة، بقي ثلاثة منهم فقط على قيد الحياة. القسم لا يزال في مكانه، لكنه أصبح ممتلئاً بالحواسيب، وصار صديقي، ممن جمعتنا معاً أيام الدراسة خلال الأعوام نفسها، رئيساً لهذا القسم.

أخرج لي الأساتذة رسماً كنا نفدّناه معاً جميعاً منذ زمن بعيد، ولا يزال محفوظاً في القسم، ويتضمن بورتريهات الأساتذة بقامات كاملة، وبأسلوب أقرب إلى الكاريكاتور، وأنا من ضمن القافلة لكوني أول أستاذ أجنبي مارس التدريس في القسم. وجدتني، في الرسم، محاطاً بالراحلين من الجهتين وبيدي لافتة مكتوب عليها: إلى باريس. تمنيت، لدى معاينة الرسم بعينين تغالبان الدموع، لو بقيت في تلك البلاد كي أودّع الأساتذة، واحداً تلو الآخر، قبل سيره إلى المصير المحتوم أو بعده.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*