مرسيل خليفة بعيني شربل روحانا

 

كانَ يُمكِنُني أن أكتبَ عن صولات مرسيل خليفة وجولاته في كل بقاع الأرض والتي عايشتُ قسمًا مهمًّا منها، هذا الفنان الذي شَغل المكان والزمان حاصدا الجوائز العديدة وكل آيات التكريم.كان يُمكنني ولكنني فضّلتُ الدخولَ بحميمية إلى كل زاوية من زوايا القلب حيث الذكريات البسيطة التي تُصيبنا قبل تعقيدات الحياة وفذلكات العقل وبلاغة اللغة. مرسيل الذي ما زال يقدّم لنا مثالا يُحتذى به في مُواصلة السير دون تَململ رَغم كل التعب وبذلك يحفّزنا- ربما دون أن يعلم- على كل انطلاقة مبدعة! لذلك كتبتُ هذه السطور.

أوّل الأشياء بدأت هناك في عمشيت وما زالت هنا صامدة رَغم السنين ألتجئ إليها كلّما زادَ الواقعُ واقعيّة وما أقسى واقعَنا!

هناك في عمشيت حيث الذكريات بقيت طازجة لا تشيخ أبدا ونحن نستطيع أن نُغيّرَ وأن نُنكرَ كل شيء إلاّ الذكريات!

سأبدأ من بيت خالتي ماتيلدا في عمشيت وكنت يومَها مع امّي وهي تزور أختها ” إم مرسيل” في آخر محطّاتها مع المرض العُضال وأنا لم أتَجاوَز السابعة من عمري.

الكلّ كان مشغولا بخالتي، ولم ألمح مرسيل في البيت في ذلك الوقت، ولطالما كنت أحلُم بلمس آلة العود، فوجدت الظرفَ مناسبا للدخول إلى غرفة نوم مرسيل حيث كان يضع العود على السرير. حاولت احتضان العود، فلم أفلح! جرّبت مرة ثانية..لم أوفّق ايضا فالعود كان كالمارد بالنسبة إلي! وكان الوقت يداهمني..فاستسلمت واضعا الآلة مجدّدا على السرير ولكنني تركت وجه العود باتجاهي كي يتسنّى لي الضرب على الأوتار بكل اصابعي… وعلى ما يبدو بأنّ الأصوات التي صدرت من العود كانت أصواتا غريبة عجيبة ممّا استدعى حضور مرسيل على وجه السرعة إلى الغرفة. اختفى قلبي من مكانه ونظرت في عيني مرسيل مرتعبا من ردّة فعله فما كان منه إلا أن ابتسم لي ابتسامة ما زلت أذكرها حتى هذه اللحظة قائلا لي: ” ما تخاف” وأخذ العود بهدوء (يمكن تا يتطمّن إنّو العود ما صرلو شي) وبدأ يعزف أيضا أنغاما غريبة عجيبة ولكن على طريقة مرسيل العجائبية الغرائبية التي كانت كافية لوحدها أن تكون أوّل سبب كي أختار العود رفيقا لي مدى العمر.

توفّيت خالتي ماتيلدا بعد فترة وجيزة، فرأينا موكب الجنازة في طريقه إلى المدفن بينما كنّا عائدين من المدرسة. كيف لي أن أنسى وأنا طفل، صراخ ونحيب مرسيل على وقع تراتيل الرهبان الكثر بلباسهم الأسود ومئات الناس التي كانت تسير خلف النعش. رأيت كلّ هذا المشهد الحزين فيما بعد مصوّرا بأغنية ” أحنّ إلى خبز أمّي”. هذا الحزن الذي أنضجته الحياة بسرعة الألم عند مرسيل، ومن نضج حزنُه يستطيع أن يستوعبَ ويشعرَ بعمق مع أحزان وأفراح الآخرين على السواء.

تأخدني الذاكرة أيضا إلى سبعينيات القرن الماضي وقبل الحرب الأهلية بقليل ، يوم أسّس مرسيل جوقةً غنائية موسيقية في نادي عمشيت وبدأ الصبايا والشباب بالإنتساب إلى هذه الجوقة. ولأنّني كنت صغيرا جدا للإنضمام إلى هذه الفرقة، كان لا بدّ لي من استعمال “الواسطة” . ومَن أفضل مِن أمي هيفا خالة مرسيل للقيام بهذه المهمّة؟ وافق مرسيل وربما على مضض دخولي للجوقة فدخلت في الكورال وبدأت المشاركة في التمارين… ولكن! جاءت الحرب عام 1975 فترك مرسيل عمشيت وتوقّفت نشاطات الفرقة كما توقّف كل شيء تقريبا ! عشت كسائر الأطفال منتظرا نهاية حرب تلو الأخرى متعايشاً مع فكرة انكسار أحلام الطفولة والشعور بخوف استمرّ طويلا من الأحزاب المسيطرة آنذاك وقد حمّلتُها سبب انسلاخ مرسيل واخي بطرس وآخرين من الشباب اليساريين من عمشيت والمنطقة إلى المجهول. ورغم أن هذا الإنسلاخ كانت نتائجه إيجابية على الأغنية الملتزمة في لبنان والوطن العربي ولكنّه سبّب حينها وجعا لنا على المستويين العائلي والإجتماعي.

ما ذنبنا إن كُنا قد عِشنا في بيوت فقيرة حيث لا مجال للتملّك فما كنّا نظنّه لنا وحدنا كان أيضا لإخوتنا فأصبحنا إشتراكيين ليس من خلال الكتب وليس في سبيل التحدّي أو التميّز عن الآخرين، بل لأننا كنّا نعيش الحياة الإشتراكية والمسيحية عفويّا ويوميّا مع أهلنا المتواضعين. والمتواضع هو حكما إنسان محب وعادل وهكذا تعلّمنا التضامن مع الإنسان الضعيف والقضايا الإنسانية كبيرة كانت او صغيرة.

في الحرب، كنّا نغنّي أغانيك مرسيل مع أخيك أنطوان وجوقة المحبة في عمشيت. وتلك الأغاني كانت وسيلة للتعبير عن شوقنا لك ولإخوتنا ولكل ما فقدناه بغيابكم القسري عنا. غنّيناك كثيرا تعبيرا عن رفض للواقع المعاش آنذاك، فغنّينا من عمشيت في زمن الممنوعات “هوذا صوتي من الأرض السمراء آت” فتعلّمنا أن الأغنية تقاوم أيضا كي تنشر الفرح على الأقل! هذا الفرح الذي تليق به أعظم الثورات لأنه أصبح عملة نادرة خصوصا في هذا الوطن.

في تسعينيات القرن الماضي، تحقّقت أمنيتي وصرت عازفا ومغنيا وعاشقا في فرقة الميادين وصديقا وليس فقط قريبا لمرسيل. كيف لا وأنا انتقلت من عمشيت إلى وسط شبابي يغلي غليانا حيث رأيت أمام عيني أروع التجارب الفنية والإنسانية فتفتّحت بداخلي النزعة الثورية الرومنسية معبِّرا عن نفسي بكل تناقضاتها!

مع مرسيل والميادين تعلّمت الطيران والتفتيش عن أفق أوسع من الواقع الفنّي والإجتماعي الموجود. ولأنّ هذا الفنّان يدفعك ويحفّزك إلى تخطّ دائم للذات، كان عليّ اتخاذ قرار صعب في حياتي المهنية وهو الطيران بجناحَي بعد أن كنت متكلا على جناحيك يا مرسيل حيث كنت تأخذني وتأخذنا جميعا في الميادين إلى مساحات شاسعة من الفرح والموسيقى والضحك والحب والسفر والعشق. كنت تأخذنا بكل بساطة إلى الحياة وأنت بارع في ذلك منذ عرفتك وأنا طفل كيف كنت تشجعني على حبِ إحداهنّ في كورال نادي عمشيت وإن صادفتني على الطريق كنت لا تتردّد في أن تقلّني بسياّرتك وتدور بي في القرية كي تسمِعَني الموسيقى وكأنّنا صديقان! ولا أنسى يوم سمعتك أنا وأختي روز تغنّي أغنية جديدة من ألحانك في منزلك العمشيتي وعنوانها “سألناكن ووعدتونا” فطلبنا منك أن تعلّمنا إياها وأنت لبّيت الطلب مبتسما! ولدي العديد من الأخبار المماثلة التي تُظهر مدى قدرتِك على الإحاطة بمن حولك وشحذ الهمم إلى أقصى الحدود…ولكن بما أنّك أنت الذي قلت لي ذات يوم ” يفضّل الناس عموما الإنضواء تحت جَناح أحدهم لأنّ الإستقلالية لها أربابها” وأنا أفهم اليوم تماما ماذا كنت تريد أن تقول بعدما جرّبتُ بدوري وبكلّ كياني مرارة الإستقلالية تفتيشا عن الذات التائهة المرهقة المشوشة في بلد تائه مرهق ومشوّش.

أسأل نفسي دائما “لولا وجود مرسيل خليفة في حياتي الفنية أين كان يمكن أن أكون الآن فنيّا؟” والجواب ليس بهذه السهولة ولكن يمكنني القول بأنني في الماضي القريب كنت أنزعج عندما كان يشبِّهني أحد بك في ما يخصّ التلحين أو طريقة العزف والغناء…أمّا اليوم أرى بأن ثروتك الفنية كبيرة وكبيرة جدا وأنا واحد من ورثتك الكثر.

في البال أكثر من أغنية…

في البال أكثر بكثير ممّا كتبته عنك يا مرسيل…

في البال حاضر ثقيل لأننا نحن أدواته…

في البال حنين دائم إلى ماض عِشته معك ومع فرقة الميادين أصبح الآن مرتفعا عن حياتنا اليومية وتفاصيلها…

في البال توق إلى ما تبقّى لنا من مستقبل لم نلطّخ فيه بعدُ أيادينا ولو أتيح لي بأن أتمنّى ما شئت، أقول يا ليتني أعود طفلا وأغنّي معك في كورال نادي عمشيت ولم تبدأ الحرب أبدا وأبدأ حياتي هناك من جديد.

مرسيل الحبيب ، رغم كلّ هذا الضجيج وإيقاع الحياة الصاخب يطمئنني أنك موجود دائما داخل كل شيئ جميل في ذاكرتنا الجماعية، مثل عطر لا أستطيع أن أشرحه أو مثل نسيم عليل. وأنهي كما يحلو لك أن توقّع:

إلى مرسيل ويولا مع كل الحب.

إقرأ المزيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*