“بيروت إن باترنز” أو «أنماط بيروت» هو عنوان المعرض الفردي الثاني لديالا خضري (1979) في غاليري “أرت أوف  56 ” (الجمّيزة ــ بيروت)، بعد معرضها الأول “تايلور مايد” عام 2015. تتبنى الفنانة اللبنانية علاقة الجيل الجديد مع مدينة في طور مراحل متقدّمة من تحوّلها العمراني. ما يجعل منه، أي هذا الجيل، «سائحاً في بلاده» وفق نصّ المعرض، في بحثه عن الإرث العمراني في بيروت الحالية المفتقرة إلى هويّة واضحة. وفي بحثها ومساءلتها لمعنى البيت والسكن وطبيعة العلاقة بين الفضاءات الداخليّة والخارجيّة، تنحاز خضري إلى الماضي في لوحات تكاد أن تكون تقليداً لتلك الأنماط الجماليّة في العمارة.

لهذا، قد يكون مبررّاً أن تستعير لوحاتها داخل الغاليري، بعض خصال الصور الفوتوغرافيّة: الزوايا التي اختارتها للبيوت والمشاهد تقوم على منظار بصري من الأعلى أو الأسفل. مشاهد بعض اللوحات هي ومضات متوقّفة بما لا لقدرة لعين بشرية على القيام به. اعتمدت خضري أيضاً على واقعيّة حَرْفيّة في نقل أدق تفاصيل الأمكنة والبيوت وعناصرها. برسمها لتلك الممارسات المعمارية المنقرضة تقريباً كالبلاط، والدرابزين الحديدي، والشبابيك الخشبية، والأدراج، والكراسي والمقاعد المصنوعة من القشّ، تحتفي خضري بالشغل المتمهّل والمضني على تصاميم البيوت وتفاصيلها، في فترات سابقة من تاريخ عمارة لبنان، وتحديداً في نهاية القرن التاسع عشر والنصف الأوّل من القرن العشرين. في إحدى غرف الغاليري، عُلّقت أعمال مرسومة بالأكريليك على ألواح خشبية مدوّرة. اقتطعت خضري مشاهد من الفضاءات الداخلية وتفاصيلها، ينبثق منها أحياناً الضوء والظلال. ديالا الآتية من خلفية في فن الزخرفة، تتقن جيداً نقل التفاصيل والنقوش والخطوط المجرّدة لتلك البيوت، ما يحصر أهمّية هذا العمل في جانبه التوثيقي. مهارتها التقنية التي تقارب الكمال في رسم الواقع لم تخلّص اللوحات من طابعها الشكلاني، إذ تظهر أحياناً كدراسات للتصاميم الداخليّة والخارجية، ملتصقة بمرجعها الواقعي الذي يغلق أيّ مساحة للخيال أو الإيحاء. رغم امتلاء اللوحات بالعناصر والأشكال المختلفة، إلا أن الفنانة لم تتجاوز حدود التأليف المشهدي وتراتبيّته ونظافته. تفتح لنا خضري رؤية واحدة إلى بيروت، مصوّبة غالباً إلى تلك الحقبة العمرانية. في لوحات أخرى، تشرّع مشهدها على فضاء مديني خارجي، يمنح مساحاتها الهندسية الداخليّة طابع الأفول. ترسم بقعاً قائمة على التنافر، تتجاور فيها الأبراج الحديثة وتلك البيوت القديمة الواطئة والقرميدية المهدّدة بالهدم. قد تظهر بعض البؤر الخضراء بحياء، لتشير إلى التبدّل السريع الهمجي في المدينة. تلتقط ذلك التماس الذي يمكن لأي مار في بيروت أن يلاحظه في مناطق سبيرز، والقنطاري، والجمّيزة وعين المريسة، وزقاق البلاط… تلجأ الفنانة إلى الأكريليك، لكنها تنوّع في الموادّ المستخدمة كالألواح الخشبية والكانفاس والقماش والورق المقوّى بكلّ الأحجام، حتى على الصناديق الخشبيّة. بصرف النظر عن الطرح الفني، ترسم خضري ما يشبه الأيقونات لبعض العمارات الأليفة القليلة المتبقّية. من إحدى الزوايا وراء قضبان متقاطعة، تستفيض في نقل تفاصيل الهيكل الخارجي لمنزل مؤلّف من طبقتين: درجات تربط طبقاته، نباتات مركونة على الشرفة، سجاد ملقى على الدرابزين، وأباجورات خضراء، وكرة. رغم أن هذه الفسحات قد تمنح المتفرّج انطباعاً بالمكان الأمثل والأكثر ألفة لمفهوم المنزل، إلا أنها باتت نادرة في المدينة. مع ذلك، تبقى خضري متمسّكة بهذا الطابع لبيروت، وهو الذي اختارت تظهيره بصريّاً. هناك لوحات لبعض الأبنية المعروفة واللافتة مثل المبنى ذي الشبابيك المدوّرة والستائر الملوّنة في منطقة الرملة البيضاء. هنا ترصد خضري علاقة الجيل الجديد، مع هذه الأبنية. تدخل الحضور البشري إلى لوحاتها ضمن مشهديّات تظهّر هذا التواصل بشكل مباشر. هنا فتاة بجاكيت جينز تقف قبالة المبنى، فيما تجتزئ المشهد أحياناً بالتركيز على أقدام وأرجل لنساء يافعات تتلاقى ثقافاتهن وأساليبهن الحديثة بأنماط هذه البيوت. وإذ تركّز على العمارات والأبنية، تبتعد خضري عن الحرب، التي لطالما كانت المدخل إلى الاشتغال على الفضاء المديني في الفن اللبناني مثل رسمات «الهوليداي إن» و«برج المرّ»، والدمار والنصب الاسمنتية التي تنبت على حواف الطرق. لكن الحرب تلوح في موقف خضري من العبثيّة في العمران نتيجة مشاريع الإعمار والاقتصاد التي تلت سنوات الاقتتال.

* Beirut in Patterns لديالا خضري: حتى الغد ــ غاليري Art on 56th (الجميزة ــ بيروت). للاستعلام: 01/570331