مرايا كركوك… بين التتريك والتكريد والتعريب والتفريس

 

محمد حجيري|الأحد15/10/2017

يعلل الأكراد مطالبهم بضم كركوك بالهوية التاريخية المثبتة للمدينة
 
قال الباحثان وليم أندرسن وجاريت ستانسفيلد في كتابهما “أزمة كركوك: السياسة الإثنية في النزاع والحلول التوافقية”: “كركوك مدينة طرفية، وجدت عند تخوم الإمبراطوريات التي نشأت على أرض الرافدين، لكن سجلها التاريخي يبين بوضوح أنّها نشأت كمدينة كوزموبوليتية بحلول العصر الوسيط أي منذ القرن الخامس الميلادي، وكان سكانها يبدون متصالحين رغم تعقيداتها الاجتماعية والإثنية والدينية”. وعام 2006 كتب الباحث الألماني فولكر بيرتيس في موقع القنطرة “رغم النزاعات القائمة منذ سقوط نظام صدام حسين بين الأكراد والتركمان والعرب حول السيطرة على مدينة كركوك، فمن الممكن أن تصبح هذه المدينة رمز العراق الجديد”. وكركوك “تعدّدها العربيّ – الكرديّ – التركمانيّ – الأشوريّ، وفي زمن أسبق الأرمنيّ – اليهوديّ أيضاً، هو النعمة التي تحوّلت ولا تزال تتحوّل إلى نقمة. بالمعنى نفسه: كونها المركز النفطيّ الأهمّ في العراق مصدر نعمة آخر يغدو مصدر نقمة آخر” بحسب الكاتب حازم صاغية. وبين هذه الصور الثلاث، تتأرجح هذه المدينة العراقية، التي أصبحت موئلا للتنازع ومحاولات النفوذ والهيمنة، هي اليوم من جديد محط أنظار العالم مع بدء الحشود العسكرية العراقية على تخومها، وهي قبل زمن قصير كانت محط اهتمام الرأي العام بعد غزوها من الدواعش ثم طردهم منها.

باتت كركوك اليوم ككرة في ملعب مختلف الأطراف الخارجية والداخلية، تختصر الصراع على العراق كله، فالعرب تمثلهم بغداد وربما بعضهم يعيشون الحيرة بسبب تحالفات حيدر العبادي وحشده الشعبي أو تصريحات نوري المالكي، الذي يعتبر العربان اعداءً وخاصة السنة، والأكراد يمثلهم إقليم كردستان، أما تركيا فتمثل التركمان. لكن قلق بغداد(ومعها حليفتها طهران) من فقدان كركوك لصالح الأكراد خاصة بعد الاستفتاء على استقلال اقليم كردستان، يمكن تبريره بالخشية من خسارة احتياطيات نفطية مهمة، وتقوية اقليم اكردستان الذي يبحث عن مصادر نفوذ وتمويل، وبالتالي تفكيك العراق وخروج الاكراد من السرب الإيراني. وبالنسبة إلى تركيا فإن هذا السيناريو لا يمثل تهديداً للأقلية التركمانية في كركوك فحسب، بل خطوة إضافية نحو دولة كردية مستقلة في شمال العراق(والنافل ان التركمان كانوا أصحاب النفوذ في هذه المدينة طوال عقود). ويعلل الأكراد مطالبهم بضم كركوك إلى إقليم كردستان بالهوية التاريخية المثبتة للمدينة، الى درجة أن الزعيم الكردي مسعود البرزاني اعتبر كركوك “كردية أرضاً وشعباً وتاريخاً”، وهو في موقفه هذا كأنه “البعثي الكردي” أو الوجه الآخر لصدام حسين. حتى في السياق الأثري والتاريخي يحصل التناتش حول ذاكرة كركوك، بين الاكراد والاشوريين والنساطرة وجماعات واثنيات كثيرة، ومن الصعب أن يُحدَّد على وجه الدقة مَنْ هم الذين أوجدوا المستوطنة التي ظلت تتطور لتصير مدينة كركوك المعاصرة، فالسرديات كثيرة في هذه المجال، وكل تحفة أثرية تُبنى عليها مملكة وامبرطورية.

وكركوك في حاضرها وماضيها، هي بين السحر والمآسي، بين الجماعات والكوزموبوليتية، بين الجاليات والقوميات، بين الاثنيات والاديان، بين العاملين في النفط والحركة الشعرية التجديدية. هي أوجه ووجوه، كان التركمان أيام الحكم العثماني يتمتعون بمكانة خاصة في المجتمع، فهم من نفس المجموعة الإثنية الحاكمة. ومع مرور الأيام نشأ بين التركمان تمايز طبقي، إذ ظهرت عوائل أرستقراطية ثريِّة صارت تهيمن على اقتصاديات المدينة. احتلّها البريطانيّون في 1918 ثمّ انسحبوا منها ثمّ عادوا إليها، وبدأت بوادر أحوال جديدة مع بدء ترسيخ النظام الملكي. بعد أن “تفجر” فيها أول بئر نفط سنة 1927 على مشارف المدينة في منطقة تسمى باب كركر، صارت المدينة مركزاً لجلب الأيدي العاملة، لاسيما من الأكراد والعشائر العربية المحيطة بها. تحولت كركوك النفطية إلى أحدى “مدن الملح” بالاستعارة من رواية عبد الرحمن منيف.

في الخمسينيات من القرن الماضي. وفي هذه المرحلة وحسب قول المؤرخ حنا بطاطو، سيطر الاكراد وبمساعدة الحزب الشيوعي على المحرّك السياسي للمدينة. وبدأ ظهور البيوت الكردية في الجنوب الشرقي للمدينة وبعض الاحياء الاخرى. في 1959، في الاحتفال بالذكرى السنويّة الأولى لانقلاب 14 تمّوز (يوليو)، أنزل الشيوعيّون الأكراد، المؤيّدون لـ”الثورة”، مذبحة بالتركمان المتحفّظين عليها: عشرات القتلى والجرحى والبيوت المحروقة والمنهوبة. يقول حنا بطاطو: “لا شيء آذى الشيوعيين بقدر ما فعلت أحداث كركوك الدموية في 14 ـ 16 تموز (يوليو). وفي بداية الستينات بدأت الحركة الكردية المسلحة في شمال العراق ودخلت الى كركوك في هذه المرحلة اعداد كبيرة من الاكراد حيث توسعت بعض احيائهم وشيدوا احياء جديدة. في المقابل بدأ تعريب المدينة في العقود الاولى من العهد الملكي عندما اتخذت حكومة ياسين ألهاشمي قرارات باسكان عرب بدل التركمان، وازداد التعريب بعد توالي تسلُم القوميين العرب الحكم في العهد الجمهوري. بالمحصلة عندما كانت النفوذ العثماني في شمال العراق كانت كركوك تحت وطأة “التتريك”، وعندما بدأ النفوذ الملكي ثم الجمهوري بدأت موجة “التعريب”، ومع انهيار وتصدع “الصدامية السياسية” وبروز السياسية الكردية بدعم دولي في شمالي العراق، بدأت موجة “التكريد” وهناك الآن شبح التشييع والتفريس مع تنامي النفوذ الإيراني…

وعدا عن كون كركوك مدينة النفط وصراع الجماعات، وتُعتبر “نسخة من القدس داخل بلاد ما بين النهرين” بتوصيف دير شبيغل، فهي ارتبطت بحركة شعرية،  روافدها مجموعة من الشعراء الستينيين المنحدرين من تلك المدينة الكوزموبوليتية، عرفت بجماعة كركوك، “أغنت القصيدة الحديثة بجرعة جديدة من

الجرأة  والاختلاف، كانت بحاجة إليها في وقت هيمنت ظلال قصيدة ما عُرف بجيل الروَّاد على مجمل الشعر العراقي” بحسب الشاعر العراقي محمد ملظوم. وضمت هذه الجماعة نخبة من ممثلي الحركة الثقافية العراقية شعرا ونقدا وقصة وفنا تشكيليا وترجمة ومقالة. ويكاد مؤرخو هذه الجماعة، ومنهم من عمل معها، يتفقون على أن الآباء المؤسسين الأوائل لهذه الجماعة هم جليل القيسي (من أب عربي وأم كردية توفي في تركيا)، وفاضل العزاوي (شاعر يعيش في المنفى الألماني وهو صاحب رواية “آخر الملائكة” وهي “رواية ساخرة، مخاتلة، رؤيوية، تقدم صورة ملونة مدهشة لمدينة كركوك التي تضم خليطا من العرب والتركمان والأكراد والآشوريين والكلدان واليهود)، ومؤيد الراوي (توفي في المنفى الالماني)، سركون بولص(أشوري توفي في المنفى الاميركي)، وجان دمو(توفي في المنفى الاسترالي)، ويوسف الحيدري، وصلاح فائق (من أب تركماني وام كردية يعيش في الفلبين)، وانور الغساني(توفي في المنفى الكوستاريكي)، والأب يوسف سعيد(قال عنه الأديب ميخائيل نعيمة “لم أجد في حياتي كاهناً بهذه الروعة الشعرية العميقة في الحياة”، وهو توفي في المنفى السويدي)، وفاروق مصطفى. وكان القاسم المشترك الأعظم الذي جمع هؤلاء الشعراء تحت مظلة أدبية واحدة هو روحهم التجديدية، وتبرمهم من الأوضاع العامة التي كانت تسود العراق آنذاك، ونزوعهم الى التمرد ومعاناتهم من الإحباط. ويعلق فاروق مصطفى وهو من أرخ لهم في كتابه “جماعة كركوك: الاستذكارات الناقصة”، على سبب تسميتهم بجماعة كركوك بالقول “إن جماعة كركوك لا تعني ان رابطة او جمعية جمعت أصحاب تلك الأسماء، إلا أن شيئا من هذا لم يحصل وشيوع مصطلح جماعة كركوك يعود الى أمرين رئيسيين: اولهما انهم ينتسبون الى مدينة كركوك وثمة وشائج ود وصحبة طيبة تجمعهم. وثانيهما يرجع الى محاولتهم تجديد الأدب العراقي وتحديثه وقد اثبت بعضهم الجدارة فـي هذا المضمار”.

ويعتبر سركون بولص: “ان اهتمام شعراء كركوك بقصيدة النثر تشخص هذه المدينة الى السبب الديمغرافي في انتشار قصيدة النثر فيها دون غيرها من مدن العراق، فكركوك مدينة عريقة غريبة التركيب، من حيث الأجواء الاجتماعية، ومن حيث الأقوام التي تسكن فيها، ومن حيث إن المدينة منبع إنساني متنوع اللون والشكل”. ويقول الأب يوسف سعيد الذي جعل من كنيسته مكانًا لاجتماع الجماعة والنقاش حول الأدب: “أغرب ظاهرة في هؤلاء (جماعة كركوك) أنهم كرّسوا حياتهم تمامًا للثقافة والشعر، يعيشون بزهد، بلا طموحات مادية أو وظيفية، وبقوا هكذا حتى الآن. ما يدهش هو أن هؤلاء جميعًا، حين التقيت بهم، كانوا في قلب الثقافة العالمية، يبحثون عن الجديد. واحدهم يحمل اكتشافه إلى الآخرين دون أن يفصلهم أي انتماء ديني أو قومي أو سياسي”. الأرجح ان الصورة المثالية التي يرسمها الأب يوسف سعيد انتهت، واليوم يبدو أن صدام ذهب وحلت محله جيوش من “الصداميين”. وبالمحصلة احتضرت كوزموبوليتية كركوك تحت وطأة الصراعات والهويات القاتلة، وعلى أبواب الصراع الجديد لا نعرف إلى أين ستصل المدينة!!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*