اخبار عاجلة

محمد رسول آف: كفى، تعبت!

كارلوفي فاري  هوفيك حبشياز
20072017
النهار

محمد رسول آف هو النجم الصاعد في #السينما الإيرانية التي تتنازع عليها المهرجانات الدولية. قبل أيام، حلّ ضيفاً على الدورة الثانية والخمسين لمهرجان كارلوفي فاري حيث شارك فيلمه “رجل نزيه” المتوج حديثاً في#كانّ، خارج المسابقة الرسمية. في المنتجع التشيكي الأنيق الذي يتحول محجاً لمتابعي السينما وعشّاقها طوال تسعة أيام، يبدو المخرج الأربعيني هادئ البال، مطمئناً إلى الدرب المحفوف بالأخطار الذي سلكه، كأن حملاً ثقيلاً هوى عن ظهره بعد تقديم جديده عن الفساد في بلاده، وهو الحمل الذي يثقل كاهل كلّ سينمائي يأتي من منطقة مأزومة. الا ان الغوص معه في شؤون السينما الايرانية انطلاقاً من موقعه كفنان غير مرغوب به في #إيران، يكشف الوجه غير الظاهر للقلق الذي يعيشه.

في بداية لقائي به، عبّر رسول آف عن سعادته بنيله الجائزة الكبرى لقسم “نظرة ما” في كانّ، أيار الماضي. “لِمَ لا”، علّق على سؤالي بشيء من البديهية، قبل ان يقر بأنه لم يشاهد أياً من الأفلام الأخرى التي تسابق معها. “حتى انني لم أعرف حينها أي جائزة ربحت. كنت مرهقاً. أحببت رد فعل الجمهور. عندما رأيتُ رد فعلهم، شعرتُ بالإطمئنان. توقعتُ سماع خبر جيد”.

 رسول آف في كارلوفي فاري.

السينما الإيرانية نجمة المهرجانات الدولية منذ نحو عقدين، مذ فاز#عباس_كيارستمي بـ”سعفة” كانّ عن “طعم الكرز”. هل الحال مشابهة داخل ايران، بمعنى ان الأفلام التي تلف العالم هل تأخد حقها في الصالات وهل تُعطى الفرص لتصل إلى الجمهور؟ سؤال متشعّب أطرحه على رسول آف، رغم معرفتي المسبقة باستحالة الإحاطة ولو ببعض جوانب هذه المسألة في جلسة سريعة. “لدى السينما الإيرانية جناحان. هناك المتن، أي السينما الترفيهية، وهناك السينما الفنية المستقلة. طبعاً، انتشار الأخيرة أقل. ليست لديَّ احصاءات دقيقة، أعتقد ان هناك نحو مئة فيلم تُنتج سنوياً في الإطار الرسمي. بعضها ينجح تجارياً وبعضها الآخر يبقى نجاحها في اطار محدود. في إيران، هناك تمويل ضخم يذهب للترفيه والسينما “الوطنية”. الأفلام التي تجذب الانتباه في المهرجانات لا تلقى المصير عينه في إيران. هناك دائماً استثناءات. أصغر فرهادي من هؤلاء. هو يلقى رواجاً خارج إيران وداخلها. أمثاله الذين ينجحون في الانتقال بين العالمي والمحلي قلائل جداً”.

آخر مرة التقيتُ فيها رسول آف، في شتاء العام 2012، خلال وجوده في تسالونيك. آنذاك كان ممنوعاً من ممارسة العمل، بل كان مطلوباً للعدالة، بعد القرار الصادر في حقه والقاضي بسجنه ومنعه من مغادرة البلاد، شأنه شأن زميله جعفر بناهي الذي لم يعد على اتصال به بشكل يومي: “أتواصل معه كلما تسنت الفرصة، لا أكثر. وضعه حرج جداً. يدعمني وأدعمه، ولكن ليس أكثر من ذلك”.

في الحقيقة، علاقة السينمائيين بالسلطات الإيرانية فيها قدرٌ من اللبس وعدم الوضوح، الأمر الذي اشرنا اليه مراراً. ولكن، هل لا يزال فعلاً ممنوعاً من التصوير، وفي حال كان كذلك، كيف استطاع اتمام فيلمين منذ العام 2012؟ “إلى الآن، لا أزال محظوراً”، يصر رسول آف بلا أي تردد. “ولكن، لا أنتظر اذناً من أحد كي أصوّر. طبعاً، في البداية أتبع السبل التقليدية عبر طلب اذن تصوير، ولكن حتى لو رُفض طلبي، لا يمنعني هذا عن التصوير”.

خلال المقابلة مع “النهار”.

منذ ان تسلم جائزته في كانّ، لم يرجع رسول آف إلى بلاده. يجهل طبيعة الردود على فوز كهذا من على أرفع منبر سينمائي. يروي لي أنه مقيم جزئياً في ألمانيا. فبعد خروجه من السجن، قرر أن يستقر هو وعائلته خارج إيران، الا انه يزورها دورياً، موزعاً نفسه بين البلدين. بعد الجائزة، وصله بأن السلطات ممتعضة لأن الفيلم لا يرحمها. “سأعود إلى إيران بعد نحو عشرة أيام، وسأكتشف ماذا ينتظرني. النظام الإيراني لا يحب ان يرى تأثيره السيئ ولا يحبذ النظر في واقع الأمور. بعض النقد مقبول، ولكن له سقف معين، فيجب الا يطال السيستم. لا أريد أن أستعمل كلمة ديكتاتورية، لأن إيران ليست ديكتاتورية. لدينا انتخابات، لكنها غير حقيقية. يقولون اننا نمتلك نظاماً ديموقراطياً يعتمد على مشاركة الناس، لكن تأثيره محدود. مع ذلك، لسنا في نظام ديكتاتوري. لهذا السبب أفضّل تسمية “السلطة المطلقة”. في نظام كهذا، يتم تسييس كلّ شيء، بحيث يصبح من الصعب التعمق في النقد. في أي مكان تحفر، ستجد السلطة! كلّ الطرق تؤدي إليها. (…) الفساد ازداد في إيران كثيراً، خصوصاً بعد فوز أحمدي نجاد، في عهده مجتمع جديد نشأ. هناك مجموعة من الناس تسلّقت إلى السلطة”.

النزعة النقدية حاضرة بقوة في أفلام رسول آف. إظهار العلاقة بين القوي والضعيف من الأساسيات في نصوصه. الا ان اللغة السينمائية هي الشيء الذي يحظى بالقدر الأكبر من الإهتمام. كيف يقول الأشياء وليس فقط ما يقوله. “مع كلّ فيلم تعلمتُ شيئاً جديداً. لا أحب ان أكرر نفسي. لا تناسبني فكرة فيلم بلا إنتاج، يصنعه مخرجه بأي ثمن. في “رجلٌ نزيه” كانت تهمّني التجربة السينمائية والعلاقة بين الصوت والصورة، وهكذا كان اهتمامي في أفلامي الأربعة الأخيرة. آخذ شيئاً من الصوت لأضعه في الصورة، والعكس. الرقابة هي التي علمتني هذا النوع من الإبتكار. العمل تحت الضغط شكّل اسلوبي. كلّ ما عشته في حياتي عشته تحت الرقابة”.

قد ينجز السينمائي فيلماً أو اثنين في ظلّ الرقابة المتشددة، ولكن الا يحتاج الفنّ إلى مناخ حرّ ليستمر؟ قد تفيد الرقابة لابتكار اسلوبية قائمة على اللف حول الموضوع لبعض الوقت، ولكن على المدى الطويل الا يصبح وجوده عبئاً؟ “أحياناً، أحس فعلاً بأنني منهك. هذا الوضع يشعرني بأنني طعنتُ في السن. بصراحة، في بعض الأحيان أقول في نفسي: “كفى!”. مرات، تحصل أشياء تمنعني من الذهاب إلى التصوير. هذا كله يتعبني. ثم، أنهض من السرير، وكلّني استعداد للنضال. أؤمن بأن العدّاء يبلغ نقطة الوصول اذا آمن بالركض. ليس لي هدف معين يجعلني أركض، أركض حباً بالركض. عندما أشعر بتعب شديد، ارتاح ثم ابدأ الركض من جديد”.

ماذا عن احتمال التصوير خارج إيران؟ قبل أربع سنوات، توصّل رسول آف إلى اتفاق مع منتج أوروبي لإنجار فيلم في أوروبا، لكنه تراجع بعدما شعر بعدم الجهوزية لخوض تجربة كهذه. في المقابل، أُفسح له المجال لإنجاز فيلمين في انتظار اتمام المشروع. يشرح رسول آف الأسباب التي حالت دون تحقيقه الفيلم: “القصة كتبتها بنفسي، ولكن لا أزال أؤمن بأن الوقت مبكر لي لأفلمتها. أحتاج إلى ان أتقدم في السن. المشكلة الثانية هي انني لم أجد الممثل المناسب للدور. الحكاية عن شقيقين يعيشان الثورة الإيرانية، يلتحق أحدهما بالنظام وينضم الآخر إلى المعارضة. عندما تبدأ القصة، يكون قد مرّ أكثر من 30 سنة على ابتعاد أحدهما عن الآخر. أخبارهما انقطعت. واحد يعيش في كندا والآخر في إيران. الذي في كندا لا يستطيع العودة إلى ايران لأنه يواجه عقوبة الإعدام. يقرران اللقاء في منتصف الطريق بين إيران وكندا”.

أخبرني رسول آف خلال اللقاء ان “رجل نزيه” لم يوزَّع بعد في الصالات الإيرانية. وهذا سبب سيسافر من أجله إلى إيران. فهو يريد الاجتماع بالمعنيين واقناعهم بضرورة عرض فيلمه في بلده. “خلال مهرجان فجر، صارحتُ القائمين عليه بأنني مستعد لحذف بعض المشاهد من الفيلم كي يُسمح بعرضه، لكنهم رفضوا وقالوا لي “اذهب إلى الجحيم”. بعد كانّ، إتصلوا بي، فهذه المرة أنا الذي قلتُ لهم “اذهبوا إلى الجحيم”، ورفضتُ عرضهم”.

عادةً، السلطات الإيرانية تتلقف نجاحات يحققها سينمائيون إيرانيون في الخارج، وتحاول توظيفها لمصلحتها. أصغر فرهادي أكبر مثال: “أعتقد انه لا توجد أي مشكلة مع فرهادي. اسلوبه السينمائي لا يزعجهم. بطريقة ما، هو يتدبر أمره. أنا اصطدمت بالسلطات من الفيلم الثاني. أفضّل أن أنجز ما أحب بالطريقة التي تحلو لي. أظن ان أفلامي ستشَاهد في الأخير. لا أنجزها فقط للإيرانيين. أود مخاطبة جمهور من العالم كله. لا أميل إلى صناعة سينما بشعور وطني. والسبب الذي يجعلني أصور أفلاماً حصرياً في إيران هو معرفتي بواقع الأشياء فيها. أستطيع ان أصور فيلماً هنا (تشيكيا)، ولكن سيكون عن المطاعم الجيدة، الشيء الوحيد الذي أعرفه”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*