محمد الماغوط: أنا صعلوك أكبر من كلّ الثورات أترأس تظاهرة كونية ضد قَتَلة الدم والرغيف والحرية

حاوره أسعد الجبوري
08082017

كان الشاعر محمد الماغوط منطلقاً بدراجته النارية على الصراط المستطيل من دون ارتباك، ومن خلفه يهرول ألوف الناس حفاةً، كأنهم في تظاهرة صاخبة تطالب برأس شيطان عظيم. لم تكن ثمة لافتات للاحتجاج. الحناجر البشرية وحدها كانت ملتهبة تصرخ، وهي أشبه بمداخن تلفظ ناراً ودخاناً. لم ندرك لِمَ كان يحدث ذلك الصخب كلُّه. إلا أننا، ما إن أدركناه في وادي التيه بعد مطاردته على بساط الريح، حتى توقف صارخاً بنا: تعالوا انظروا مسرح النار على هذه القطعة من الزمن. أنا هنا منهمك بالصخب العظيم. ففي كل يوم أقود الناس لتحتفل ضد تراثها القديم في العبودية والأسر والضيق والقهر والإرهاب والخنق اللاهوتي. تركناه يتكلم بشغف وهو يبتلع دخان التبغ ابتلاعاً شرهاً، حتى هدأ قلبه من غليانه الناري رويداً رويداً، بعدها ابتسم لنا بمَكر. آنذاك سألناه:

■ ألمْ تقلع عن التدخين بعد؟

– ولا عن الشراب.

■ كأنك مستمر على تدمير حياتك في الدنيا وفي الآخرة؟

– كأنك تؤكد لي أن حرائق الدنيا، كانت بسبب شرر التبغ، وأن السموات هي الأخرى ضحية لما نستهلكه من تلك المواد الساحرة!

■ لا. ليس بهذه الطريقة، لكنك تبالغ باستخدام وسائل التدمير الخاصة بالجسد. هل مَردّ ذلك هي الأمية الصحية أم ثقافة الاستقواء بالعدم ضد التاريخ؟

– كلتاهما معاً. فأمّيتي هي نوع من الكفاح الفطري ضد طغيان الأشياء الثقافية التي تتنافى مع بساطة النفس. أي ضد كل ما يحملنا مشاريع للسيطرة على الإنسان. لذلك أرى الموتَ أرحم من تلك المشاريع. ربما أدونيس وحده يكفي!

■ أدونيس وحده يكفي بماذا؟!

– بالأدونيسيات التي شاب رأسي منها.

■ هل كان شعرهُ عائقاً يحول دون التواصل بينكما؟

– كنا على تناقض دائم ولو بشكل سرّي. هو يحرث بحثاً في العدم اللغوي والجوائز والعلاقات الماورائية من دون تعب، وأنا أحرث في الطين متسليّاً، أتسكع مع الحشرات والزهور والخراف.

■ هل معنى ذلك أن عديلك العائلي أدونيس أفندي في الشعر، بينما أنت صفرٌ في مملكة الصعاليك؟

– قد يكون ذلك صحيحاً، لكنني أشعلُ في النصوص ناراً من دون الاستعانة ببنزين، بينما يستعين أدونيس بكل المواد الحارقة التي تسهل إنارة نصوصه أمام القارئ، بدءاً بكريم الفازلين وانتهاءً بقنابل تصريحاته الفراغية التي تنال من الحوادث والأحداث المستمرة في أمتنا، أمة الأزمات.

■ هل تعتبر نفسك شاعر ثورة؟

– أنا أكبر من كل الثورات. مثلي مثل أي صعلوك يقود تظاهرة كونية ضد قتلة الدم والرغيف والحرية، بينما عيناه تتلألآن كقمرين في وجه متعبٍ هرمٍ يشبه حاوية القمامة.

■ على مقربة من “غرفة بملايين الجدران”؟

– أكيد. فـ”الفرح ليس مهنتي”، كما هو ليس من وظائف الجسم.

■ ألا تعتقد أنك كثيراً ما تقوم بالتضخيم، لتجعل من قصيدتك غراباً يجتمع في حنجرته كل نعيق غربان العالم؟

– قبل قليل كنت عند الشاعر الفرنسي جاك بريفير، وتحدثنا عن دم الشعر، وكيف يجري في القراء. قال لي إن الشعر مثل حرباء، تستبدل ألوان ثيابها للسيطرة على عين القارئ، فيما أنا، أعتقد غير ذلك. أظن أن القارئ حرامي يسطو على الأشياء الخفيفة والأقل خطورة على حياته من الشاعر. لذلك يجب إخافته بالنعيق، باعتباره قوة تدميرية للأعصاب، ويستحقها القارئ الحساس بجدارة.

■ هل مردّ ذلك بدافع تأديبي، باعتبارك من الأشخاص الذين شغلوا رئاسة تحرير مجلة “الشرطة” في دمشق؟ أي مفارقة مدويّة تلك، أن يكون شاعر متمرد مثل الماغوط رئيس تحرير لمجلة مؤسسة بوليس؟!

– كلّ شاعر ملهاةٌ في حدّ ذاته. عملي في تلك المجلة، ربما كان تقوية لجهاز المناعة الشعري من الخوف. بمعنى أدق، كان تدريباً على الاقتراب خطوة من الحرية المسفوح دمها، والتعايش المكثف مع نزلاء السجون والمعتقلات.

■ هل تعلمت ذلك من ايديولوجيا الحزب السوري القومي الاجتماعي، باعتباره من أصحاب المدافئ التي كانت تقي الناس من الزمهرير؟

– لم يكن للإيديولوجيا في رأسي من مكان. جميع غرف مخّي مشغولة بالشعر والنزوح إلى البراري الخرافية وعدم الراحة. كنت متفرغاً إلى جنوني الداخلي وحده.

■ والحب، كيف نقرأ تاريخه عندكَ؟!

– لطالما اعتقدت أن قلوب العاشقين شبيهة بقلوب الثيران أو الفيلة. لكن ذلك الاعتقاد لم يدم طويلاً، فما إن سقطتُ في غرام سنية، حتى شعرتُ بعدم وجود قلب في جسمي، أو شيء من هذا القبيل. كأن كلّ كتلة اللحم تلك، قد تبخرت بفعل فاعل.

■ بفعل الزوجة أم الشاعرة سنية صالح تقصد؟!

– بل بفعل القهر الذي كنا سقطنا في مجراه متدفقين بكل ما كنا نملك من دمع ومياه وصراخ وحنين وقصائد وأرصفة ومزامير.

■ والجمال، ألمْ يكن بطلاً في حياتكَ؟ أم كنت ناشفاً، ومثقلاً بحزن، يكاد هو الآخر أن يكون من الأوهام التي تُسقط الشعراء في فخاخها؟

– الجمالُ بطانيةٌ، لم نكن نملك ثمنها. لذلك كنا عراةً خارج تغطية. كلما شعرنا بالبرد، لجأنا إلى الحزن، لأنه كان أرخص سعراً للتدفئة من المازوت أو النفط الأسود أو الحطب.

■ لكنك شاعر ربح من مسرحه أكثر من كتّاب المسرح ومؤلفيه أنفسهم! فقد كتبتَ للمسرح: ضيعة تشرين، شقائق النعمان، غربة، كاسك يا وطن، خارج السرب، العصفور الأحدب، المهرج…

– ربحت مالاً وفيراً، هذا صحيح. لكنني خسرت قلب فنانة، كانت هي السبب الأول وراء لجوئي إلى التأليف المسرحي ومشاركتي الفنان دريد لحام.

■ من تكون تلك المرأة، ممثلة أم كاتبة؟

– لا أتذكرها. فأنا الآن في ذروة الزهايمر. سبق لي أن دفنتُ جميع الأسماء تحت تراب دمشق ومدينة سلمية، مسقط رأسي.

■ هل تشتهي النزول إلى مدينة سلمية ثانية؟

– أبداً. فلست براغب لاجترار أعشاب الثورات، القديمة منها أو الحديثة. وقتي لا يسمح لي بذلك من ثقل العمل على تطوير بذار الأنين الذي نجري التجارب عليه، بهدف تصديره إلى أكثر مناطق الاشتباكات سخونة على الأرض.

■ هل زمنك الراهن مخصص لكتابة الشعر مثلاً؟

– أبداً. نقاد الآخرة يحرمون عليَّ ذلك الآن. بحجة أنني كنت متمرداً على القوالب والأوزان، ولا بد من أن أنال عقاباً صارماً على ما فعلته ضد أوزان الخليل.

■ لكنك في مكان حرّ…

– النقاد هنا يمتهنون تفتيش التوابيت القادمة من الأرض. وفي أغلب الأحيان، يعبثون بالأرواح تحت ذريعة قوانين الطوارئ من أجل تطهير الأمكنة من الفاسدين ومن الموبقات ومن شعر السِفاح.

■ هل يعتبرون قصيدة النثر من أعمال السِفاح هنا، كما كانت على الأرض؟

– ما إن تجد قصيدة النثر في هذه المنطقة أو فوق ذلك الجسر، حتى تكثر أجراس الإنذار، كأنها من الجرذان القارضة لأشجار الفردوس، التي تتسبب بالهلع والجنون على حد سواء.

■ أليست هي كذلك في رأيكَ الشاعر؟

– هي أكثر من ذلك بكثير. فقصيدة النثر هضبةُ جمر، يجلس عليها الشاعر في أثناء مرور كل عاصفة، مثلما تجلس الطيور على بيضها.

■ هل كتبتَ قصيدة النثر بنفَس نيتشوي؟

– نعم. ولكن بتفريغ النص من الغبار الفلسفي ومشتقاته من العُقد والتعقيدات. فمعظم قصائدي كانت مكتوبة بدافع التسكع في عين الحرية، وليس بهدف التمركز في عقل اللغة.

■ ما المسافة التي تفصل بين قصيدتك والأنفلونزا (الحمّى)؟

– أنا بطل أنفلونزي ينقل العدوى الشعرية إلى القارئ، وليس إلى الشعراء الذين حاولوا تتبع أثري. كل قارئ يمرض عند قراءة نصّ من نصوصي.

■ ومن أين أصبحت حاملاً لفيروس قصيدة النثر، وأنت يتيم، بلا مدارس أو جامعات، وجلّ ثقافتك لم تتجاوز المعدل المتوسط؟

– استبدلتُ المدارس بثقافة الألم. بأنين الرغيف. بتلك الريح التي كانت تقتلعني من مقعدي في المقهى إلى التشرد مع الأحلام والدموع والسياط. نجاح قصيدة النثر في رأيي، لا يريد أكثر من ذلك.

■ أنتَ عشتَ مع الشاعر بدر شاكر السياب في بيروت ردحاً من الزمن. هل كان بدر قريباً إلى شعرك، أم كان متَستَفَزاً؟

– نحن في ذلك الزمان أشبه بظاهرتين شعريتين، واجهتا حرباً ضروساً من كل الجبهات. مع ذلك، كنا نزداد ضراوة في الكتابة، مستنهضين الأسلاف من قبورهم، ليصبحوا شرطة آداب بالضد مما كنا نكتبه. السياب الغارق في قصيدة الشعر الحر، وأنا الملتهب أجنحة في قصيدة النثر. فيما كان الآخرون مثل المداخن المختنقة. أو مثل دجاج المداجن التي تحاول الهرب من تلك الأقفاص العتيقة.

■ ما برنامجك لهذه الليلة؟

– إعادة كتابة هذه القصيدة القديمة: أيتها الجسورُ المحطّمة في قلبي/ أيتها الوحولُ الصافيةُ كعيون الأطفال/ كنا ثلاثة/ نخترق المدينةَ كالسرطان/ نجلسُ بين الحقول، ونسعلُ أمام البواخر/ لا وطنَ لنا ولا سياط/ نبحث عن جريمةٍ وامرأة تحت نور النجوم/ وأقدامُنا تخبُّ في الرمال/ تفتح مجاريرَ من الدم/ نحن الشبيبة الساقطة/ والرماح المكسورة خارج الوطن/ من يعطينا شعبا أبكم نضربه على قفاه كالبهائم؟/ لنسمعَ تمزُّق القمصان الجميلة/ وسقسقةَ الهشيم فوق البحر/ لنسمعَ هذا الدويّ الهائل/ لستِّ أقدام جريحة على الرصيف/ حيث مئةُ عام تربض على شواربنا المدمَّاة/ مئة عام والمطر الحزين يحشرج بين أقدامنا/…/ بلا سيوفٍ ولا أمهات/ وقفنا تحت نور الكهرباء/ نتثاءب ونبكي/ ونقذف لفائفنا الطويلة باتجاه النجوم/ نتحدث عن الحزن والشهوة/ وخطواتِ الأسرى في عنقِ فيروز/ وغيوم الوطن الجاحظة/ تلتفت إلينا من الأعالي وتمضي…/ يا ربّ/ أيها القمرُ المنهوك القوى/ أيها الإلهُ المسافرُ كنهدٍ قديم/ يقولون إنك في كل مكان/ على عتبة المبغى، وفي صراخِ الخيول/ بين الأنهار الجميلة/ وتحت ورقِ الصفصاف الحزين/ كن معنا في هذه العيون المهشمة/ والأصابع الجرباء/ أعطنا امرأة شهية في ضوء القمر/ لنبكي.

■ هل تحسّ بأن في سوريا شعراءً ملهمين ويتركون أثراً؟ يخلقون جواً؟

– في سوريا شعرٌ ناقص فقط. الشعراءُ هناك أكياس يتم تعبئتها على غرار تعبئة علب الكرتون بمسحوق “تايد” أو ببيض البرغش أو بمنتجات مطابع العرب الخاصة بنشر الأنقاض العريقة.

■ هل المعضلة في النشر أم في اضطهاد الشعرية؟

– ليس الأمر كذلك. لقد برهن أجيالٌ من الشعراء هناك، على أن المخيلة مرض يشبه الكوليرا، لذلك طالبوا بالابتعاد عنها، تجنباً للموت وتلافياً للابتعاد أو فك الارتباط بالحزب القائد.

■ ما الفكرة التي خرجتَ بها عن الحياة الأولى؟

– أن لا حاجة للمرء، بأن يولد على الأرض. يأكل من زبالتها الخبز المر. وينام في سجونها مع السياط والصراصير والكوابيس والرصاص، حتى إذا ذاب جلده على عظمه مثل مادة الكاكاو، استغفر ربه على خزائن ذنوبه ونام مرتعداً من جهنم التي صوّرتها له الديانات.

كان على الله أن يخلقنا في حضنه، أو بالقرب من عرشه، لا أن يتركنا بحراسة سواه من القتلة والجلاّدين وباعة ميزان العدل والفتاوى في أسواق البورصة. علينا أن نولد هنا، ونمضي طفولتنا وشيخوختنا في الحياة الإلهية الثانية، من دون سجل مدني وشهود ومخبرين وشرطة وشياطين ومختارين وعمليات قيصرية.

■ كأنك لا تملك قوة للمواجهة، مثلما أصبحت الآن كيس ذنوب، ولا تريد غير التبرير طلباً للغفران؟

– قوتي تتدفق في قصائدي الأولى وحسب. وذلك هو إيماني الأعظم.

■ لكن قصيدة النثر شهدت تحولات وانقلابات، ولم تعد تتمركز في الأسلوب القديم. بمعنى إن الماغوط وأنسي الحاج وسركون بولص وآخرين باتوا من الشعراء الكلاسيكيين.

– ربما أصابكم نوعٌ من الزهايمر الحداثوي كما أظن، ولذلك تتعاطون معنا على أساس أننا جثث في مقابر الكلمات. لا يمكنني التعليق أكثر من هذا.

■ وهل الشعر غير هذا الطوفان الذي يضع الأنهرَ في جيوبه، ولا يلتفت لما في الباطن من غرقى أو من كائنات؟!

– ربما. لكن محمد الماغوط لم يخسر شيئاً من إرهاصاته ولا من أملاكه، لا في الحرية ولا في الشعر ولا في مورثات تلك الكآبة التي تجعل العالم الأول مزاراً للبكاء.

■ لماذا لا تنزل مع الناس للتظاهر من أجل ربيع الثورة في سوريا؟

– أنا أملك رغبةً عارمة لذلك. أريد أن أنزل إلى الشوارع وأوزع على الناس ورداً وبيرة وخبزاً لا رصاصاً. لكنني خائفٌ من أصحاب اللحى. فأغلب هؤلاء تتار، لم يأكلوا الثورة وحسب، بل أكلوا القمح والكهرباء ونايلون جوارب العذراوات وديوك الحرية والأسمنت والعاقول والسردين والورق والأرصفة والقصائد والثياب والخرائط وفول بوز الجدي وفلافل العامة.

■ سمعنا أنك نقلتَ معك قبرك إلى هنا. هل كان ذلك صحيحاً؟

– جسدي قبري على الدوام. لذا فأنا محمول به وهو محمول بي هنا وهناك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*