محمد القصبجي.. “رق الحبيب” والكرسي الشاغر

محمود الزيباوي|السبت28/04/2018

Almodon.com


القصبجي مع نجاة 1955

محمد القصبجي.. "رق الحبيب" والكرسي الشاغر
على العود مع أم كلثوم
    وُلد محمد القصبجي في في القاهرة في 15 نيسان/ابريل 1892، ورحل عن هذه الدنيا بصمت في 25 آذار/مارس 1966. رثت الصحافة صاحب “رق الرحيب” بعد رحيله، واستعادت مسيرته، وتساءلت عن الأسباب التي دفعته إلى اعتزال التلحين في السنوات الأخيرة من عمره. تكرر هذا السؤال في السنوات التالية، وبقي مطروحاً إلى يومنا هذا.


    قيل عن القصبجي في عام 1926: “هو من الملحنين المعروفين في مصر، وشهرته محصورة في الدوائر الفنية، وله ألحان غاية في المتانة والابداع، وهو مقل لا يلحّن كثيرا”. في هذه الفترة، وضع القصبجي سلسلة من الألحان الناجحة لأم كلثوم وأضحى “ملحنها الجديد” كما كتبت مجلة “المسرح”. في هذه الأغاني، تعاون الملحن الشاب مع الشاعر أحمد رامي بشكل أساسي، ونقل مسلسل “أم كلثوم” في العام 1999 مراحل هذا المشوار، مسلّطا الضوء على هذا “الحب الروحي الخالد” الذي جمع الشاعر والملحّن بالمطربة الناشئة التي صعدت بسرعة سلّم الشهرة، ونافست السلطانة منيرة المهدية، المطربة التي أعطاها القصبجي الكثير من ألحانه قبل أن يبدأ مشواره مع أم كلثوم.

    • القصبجي في شبابه

    مجنون ثومة
    في الواقع، تتحدّث صحافة العشرينات عن وَلَه رامي بأم كلثوم، لكنها لا تشير إطلاقا إلى علاقة عاطفية تربط القصبجي بها. في 24 أيار/مايو 1926، تحدّثت مجلّة “المسرح” عن “مجنون ثومة”، وقالت: “هذا الشخص هو شاعر الشباب، صديقنا أحمد أفندي رامي. وأحمد رامي شخص غريب في بابه، يغار من الهواء، ومن الثياب التي تلبسها أم كلثوم وتتغطى بها في نومها. وهو يحبها حبا واسع النطاق، حبا تجمعه كلمة حب، ولا يسعه فضاء مصر، وان وسعه قلب رامي”. أضافت المجلة في موقع آخر: “يعمل رامي في دار الكتب الملكية، ويشتغل الآن بطبع ديوانه، وكله غزل وتشبب بأم كلثوم. وربما ظهر هذا الديوان مصدّرا بإهدائه إلى أم كلثوم أو إلى شخص معنوي أو رمز يفسّر لغز أم كلثوم. وعندي أن أفضل تسمية لرامي يقال له مجنون ثومة، رغم أن الحال مختلف بينه وبين مجنون ليلى الذي أنكر طه حسين وجوده، فقد كان يحب ليلى وتحبه. أما في حالة مجنون ثومة فالحب غير متبادل، وقد يجيء غداً من يقرأ ديوان رامي، فينكر وجود شخص اسمه مجنون ثومة. ورامي نفسه يعرف أن الحب غير متبادل، ولكنه هو يحبها، لذلك يعلّل نفسه ويخدعها عن الواقع. وفي وصف هذه الحالة وضع رامي الدور المشهور الذي تغنيه أم كلثوم وفيه: خايف يكون حبك في شفقة عليّ/ وانت اللي في الدنيا لي ضي عنيّ. والدور كله استعطاف وأمل في أن يكون الحب موجودا ولو من باب الرحمة والعطف، وأم كلثوم تغني هذا الدور بمرارة، ولكنها تبتسم. مسكين رامي، أنني أخشى عليك”.

    واصلت مجلة “المسرح” هذا الحديث، وكتبت في مطلع شهر آب/أغسطس: “مسكين رامي. قلنا مراراً إن شاعر الشباب صديقنا أحمد أفندي رامي ينتحل لنفسه حب السيدة أم كلثوم وقلنا إنها لا تحبه مطلقا ولا تأنس إليه”. في المقابل، نقلت المجلة وقائع المرحلة التي توثّقت فيها الشراكة الفنية بين القصبجي وأم كلثوم. لمعت ثومة في هذه الفترة مع الملحن صبري النجريدي الشهير بـ”الدكتور صبري”، “وهو ملحن معروف، وأكثر الملحنين اجتهادا في هذا الوقت وأشدهم الى الابتكار. وصبري كما قلنا مراراً هو الذي أنشأ مجد أم كلثوم الفني ورفعها إلى هذا المستوى”. لأسباب مجهولة، توقّف التعامل بين أم كلثوم والدكتور صبري، وبات كل منهما يتفادى أي لقاء بالآخر. صوّر المسلسل، النجريدي، ضحية ضائعة في هيام المطربة التي “أنشا مجدها الفني ورفعها إلى هذا المستوى”، لكننا لا نقع في صحافة العشرينات على أي خبر يتحدّث هذا الضياع.  توقّف التعاون بين أم كلثوم والنجريدي، وتوطّد بينها وبين القصبجي، ثم تحوّل إلى شراكة فنية متينة أثمرت عشرات الأعمال البديعة. بات القصبجي ملحن أم كلثوم، وشغل منصب عازف العود في التخت المرافق لها، ورافقها في رحلاتها الفنية الأولى خارج مصر في مطلع الثلاثينات. استمر هذا التعاون المثمر في السنوات الأولى من الأربعينات، وبلغ القمة مع أغنية “رق الحبيب” العام 1944. لمع اسم الملحن، لكن شهرته ظلت “محصورة في الدوائر الفنية” كما في أول عهده، وذلك بسبب انطوائه وانكفائه عن الظهور والحديث إلى وسائل الإعلام كما يبدو.

    • بين أحمد رامي وأم كلثوم

    النسيان
    طوال هذه السنوات، عمل القصبجي في الميدان الإذاعي، كما عمل في الميدان السينمائي، ووضع ألحاناً بديعة لعدد كبير من كبار المطربين والمطربين، غير ان هذه المسيرة توقفت تدريجيا في مطلع الخمسينات، وانتهت باعتكافه عن التلحين والاكتفاء بالمشاركة في العزف على العود في فرقة أم كلثوم الموسيقية. هكذا دخل القصبجي في النسيان في مطلع الستينات، وبات ملحنا من الماضي. في نيسان/ابريل 1964، شارك الكاتب مصطفى محمود في برنامج “سهرة الأصدقاء” التلفزيوني، وأبدى اعجابه بأغنية “طالت ليالي البعاد” التي نسبها إلى رياض السنباطي، فاتصلت ام كلثوم بمحمد القصبجي في منزله، واعتذرت منه عن الخطأ الذي وقع فيه مصطفى محمود. نقلت مجلة “الكواكب” هذا الخبر، وقالت إن ملحن “طالت ليالي البعاد” هو في الواقع محمد القصبجي الذي “لحن لأم كلثوم 120 أغنية”. أعاد هذا الخطأ إلى الذاكرة محمد القصبجي في الأسابيع التالية. في 8 أيلول/سبتمبر، كتبت المجلة: “عازف العود الأوّل في العالم العربي الفنان محمد القصبجي يقاسي محنة غريبة في هذه الأيام. أصبح منقطعا عن العالم. فهو لا يستطيع أن يغادر منزله، ولا يستطيع أي فنان أو فنانة أن يصل إليه. المجاري طفحت منذ أسبوع في منزله في 6 حارة الطوبجي المتفرع من شارع عب العزيز. تحولت المنطقة إلى بحيرة. انتشر البعوض. الفنان الكبير استغاث بالمحافظة، ولا مجيب. استدعى الطبيب لعلاجه، فحضر الطبيب، ولكن تعذر عليه اجتياز البحيرة، فعاد إلى العيادة واعتذر له”.

    الموت
    بعد ثلاثة أسابيع، استضافت “الكواكب” القصبجي في دردشة سريعة ضمن زاوية “كلمة ورد غطاها” الأسبوعية، وسألته: “من زمان لم نسمع أغنيات من تلحينك؟”. فردّ وقال: “والله الذنب مش ذنبي. لا أحد يكلفني بالتلحين. أنا دائما عايش مع ألحان جديدة، مع نفسي وأفكاري”. واصل الملحن المعتكف الكلام، وقال انه يريد أن يستمر ناجحاً في عمله، وانه لم يفشل أبدا، لكن الجمهور بدأ ينساه. في الختام، قال القصبجي: “اريد أن أموت وأنا على المسرح”، وعبّر عن رغبته في تأليف “عمل موسيقي يحدث ضجة”، وأشار إلى ان هذا العمل سيكون “كونشيرتو للعود”.

    لفتت هذه الدردشة انتباه الناقد الموسيقي كامل النجمي، فكتب تحت عنوان “مسألة فنية” تعليقاً حمل رسالة ضمنية إلى أم كلثوم، وقال فيه: “سُئل الملحن الكبير محمد القصبجي عن سبب مقاطعته التلحين منذ بضعة عشر عاما، فأجاب بأنه لا ذنب له في ذلك، فإن أحداً لم يكلّفه بالتلحين خلال فترة طويلة، حتّى كاد الجمهور ينساه كملحن صنع لأم كلثوم أجمل الأغاني وأكثرها نجاحا في العشرينات والثلاثينات. لقد كان القصبجي أحد المجدّدين الأوائل في الغناء العربي، وما زالت أغنية “ان كنت اسامح” التي لحنها لأم كلثوم قبل ثلاثين عاما تمثّل تطوّرا واضحا في الأغنية العربية الفردية. ولا يمكن ان نحصي الألحان التي تبلغ حد الابداع والروعة، والتي حملت دائما اسم القصبجي خلال جيل بأكمله، وآخرها أغنية “رق الحبيب”، وقد انقضى عليها الآن ثمانية عشر عاما تقريبا. والقصبجي هو الذي عرف قبل غيره أسرار صوت أم كلثوم، ووضع الأسس الصحيحة للتلحين لهذا الصوت العبقري. فماذا جرى لموهبة القصبجي بعد تدفّقها وازدهارها زمنا طويلا؟ أتراها جفّت وشاخت وأصبحت عاجزة عن الاستمرار؟ أم أنها وُئدت وهي حية قوية قادرة على الابداع؟ لا أحد يستطيع أن يئد موهبة فنان، لأن الموهبة الفنية أقوى من كل شيء، ولكن يبدو ان القصبجي لم يستطع ملاحقة التجديد والابتكار، ففاته القطار وتخلّفت ألحانه عما هو مطلوب فيها من التجديد الدائم والإبداع المستمر. ولعلّ التشجيع يعالج هذه العقدة التي تتحكّم الآن في نفسية القصبجي. ولعلّ القادرين على التشجيع لا يبخلون به على هذا الفنان الأصيل”..

    توفي القصبجي قبل أن يلحّن من جديد لأم كلثوم، وقبل أن ينجز “كونشيرتو العود” الذي أمل في تأليفه، ورثاه حسين عثمان في “الكواكب”، وقال في هذه المناسبة: “عكف المرحوم محمد القصبجي في السنوات الأخيرة من حياته على تسجيل مذكراته الفنية، وبلغ من حرصه على أن تجيء هذه المذكرات صورة صادقة للحقيقة انه كان يبحث عن زملائه القدامى من الموسيقيين الذين عاصروا مولده كفنان، ليتأكّد معهم من بعض الحقائق والتواريخ الفنية. وكان يجمع هذه المواد استعدادا لطبعها في مذكرات. وقد قال لنا إنه سيتقدّم بمشروع طبع هذه المذكرات إلى المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب. والمطلوب الآن من ورثة القصبجي ومن زملائه الموسيقيين والمهتمين بتاريخ الموسيقى أن يبحثوا بين أوراق القصبجي التي خلفها عن أصول هذه المذكرات ليطبعوها في كتابتخليدا لذكراه واحياء لتاريخنا الموسيقي”.

    • مع ثومة 1952

    مذكرات
    ظلّت كرسي القصبجي في فرقة أم كلثوم شاغرة حتى خريف 1969. في تشرين الثاني/نوفمبر، كتبت “الكواكب”: “مكان القصبجي يملأه عبد الفتاح صبري”، وتحدثت إلى عازف العود الجديد في فرقة أم كلثوم. استعاد عبد الفتاح صبري ذكرياته مع القصبجي، ونقل عنه قوله: “كل ما أخشاه أن أموت، ويخلو كرسيي، ولا تعود نغمات تتردد مع صوت الستّ”. بدوره، استعاد حسين عثمان بعضا من الذكريات التي رواها له القصبجي، وكتب في في نهاية تموز/يوليو: “اختلفت الآراء حول ثروة القصبجي. قيل إنه كان هواة الادخار وكنز الذهب، ولكن الحقيقة تكشّفت بعد موته، فقد عاش مستورا، ومات مستورا، ولم يخلف شيئا وراءه غير مذكراته التي كتبها ولا يُدري أحد عنها شيئا حتى الآن. وقد كان من المنتظر أن يهتم المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بالبحث عن أصول هذه المذكرات ليطبعها وينشرها على الناس، فهي صورة صادقة لتاريخ الفن والموسيقى في بلادنا منذ أكر من خمسين عاما”.

    اضف رد

    لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

    *