اخبار عاجلة

“محمد الفاتح” المعاصر في “سيليكون فاليه” وليس في اسطنبول


جهاد الزين

18 آذار 2017
النهار

كنا نعتقد بين عامي 2002 و2013، كثيرون في الحقيقة كانوا يعتقدون في العالم العربي وتركيا وأوروبا، أن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا يتجه نحو أن يصبح حزبا أقرب إلى تيار أحزاب الديموقراطيين المسيحيين الأوروبيين، أي إلى أن يكون حزبا على يمين الوسط، فإذا بالتطورات تجعله أقرب إلى أحزاب اليمين القومي المتطرف الأوروبية ولو من موقع إسلامي وشعارات إسلامية.

أكبر تعبير عن هذيان العظمة لدى رجب طيِّب أردوغان هو ربطه بين تقوية صلاحياته كرئيس وبين “صعود تركيا”. حسب تصريحه لمحطة تلفزيون تركية قبل أيام.
ماذا نفعل كمسلمين بعد تَحَطُّمِ نموذجنا التحديثي الوحيد، النموذج التركي؟
الجيش كان يعود دائما إلى ثكناته وبسرعة بعد كل انقلاب عسكري من الانقلابات الثلاثة التي حصلت في تركيا. من سيعيد اليوم الميليشيات الأردوغانية والحزبية إلى منازلها وجوامعها أو حتى مراكزها بين مراكز البوليس المدني التي باتت نوعاً من جيش يضبط الجيش؟ فقد كان واضحا أن السيطرة على اسطنبول في محاولة انقلاب الصيف الماضي ضد أردوغان تولّتها ميليشيا لحزب العدالة والتنمية مختبئة إما بثوب حشد جماهيري أو لاحقا بثياب البوليس. روى لي صحافي تركي كبير في باريس مطلع هذا العام الجديد أن التصفيات بعد الانقلاب طالت العديد من ضباط القوات المسلحة الأكثر كلفة ونخبوية عسكرية من حيث الإعداد والتدريب وعدد مهم منهم كان يعمل في إطار التنسيق مع الحلف الأطلسي على الأرض التركية. مما يجعل الخسارة التركية على مستوى الثروة البشرية والفنية التي تمثلها تركيا في القطاع العسكري لا تُعَوَّض. هذا مسار انحداري خبرناه جيدا في العالم العربي ونعرف إلى أين أوصلنا عام 1967 وتواريخ غيرها. ناهيك طبعا عن الخسائر البشرية الفادحة لألوف الأكاديميين والقضاة والصحافيين وضباط الشرطة. في تركيا اليوم، غير المعتقلين، فئة اسمها “ممنوع من العمل” بين الصحافيين تشمل عشرات الشبان والأسماء وبينها أسماء كبيرة. وهل بين مؤسسات الإحصاء التركية من يمكنها أن تقدِّم رقما عن حجم هجرة الكفاءات التركية في مختلف الحقول في الأوضاع الراهنة والمتفاقمة؟
اختار مصطفى كمال (أتاتورك لاحقاً)، وهو القائد العسكري الذي ربح المعركة الكبرى الوحيدة التي خسرتها بريطانيا في الحرب العالمية الأولى وهي غاليبولي على مدخل مضائق الدردنيل، اختار لإنقاذ روح ومستقبل تركيا المسلمة، أن “يستسلم” حضاريا أمام الغرب. يومها خياره كان موضع نقاش واسع بل صدمة عميقة في العالم المسلم، ولو كنتُ أعيش في ذلك الزمان لكنت ربما، مع إعجابي به كقائد حركة وطنية أنقذت ما تبقى من الأرض العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، لكنتُ ربما في صفّ معارضيه يومها لأن تجربة التحديث العربية الليبرالية والقومية (في إيران أيضا) لم تكن قد أظهرت فشلها إن لم يكن إفلاسَها بعد وعلى مدى معظم القرن العشرين. ولكنْ اليوم وبعدما بدا في نهايات القرن أن الأتراك قاموا أو يقومون بـ”ثورتهم” الهادئة… التي جعلتهم البلد الأكثر حداثة في العالم المسلم بل النموذج الوحيد المضيء … كيف نعود، تركيا والنموذج التركي، إلى الوراء.
من المفترض، بل من المؤكّد، أن النخب التركية باتت تعرف أن صلاح الدين وبعده محمد الفاتح المعاصِريْن موجودان، أو الأندلس المعاصرة موجودة حضاريا في أماكن مثل “سيليكون فاليه” وأن ما اختاره أتاتورك مبكرا (أو متأخرا) هو الخيار الغربي كما اختار اليابانيون ثم الصينيون ذلك بأشكال ومواقيت مختلفة أي الاستسلام الحضاري. ليس ذلك استسلاما “وطنيا” ولا ارتدادا دينيا كما أثبتت التجربة الغربية ولكنه قبول وتبنّ لمعايير التفوق التي حققها الغرب. بهذا المعنى لم تحصل “نهاية التاريخ” بعد سقوط الاتحاد السوفياتي بل تكرس الجزء السياسي فيها. زمن أتاتورك كان أيضا من وجهة نظره “نهايةَ تاريخٍ” بادئةَ تستلزم انتفاضة ذاتية ثقافية لحماية مجتمع مسلم خارج من حالة مهددة وجوديا. في تركيا الأتاتوركية العلمانية كان المجتمع التركي ينظر إلى الجيش على أنه “جيش محمد” رغم كل النظام السياسي غير الديني كما قال مرة مثقف تركي. إذن تركيا حققت تقدمها عبر هذا الفصل الصارم بين الدين والدولة. الفصل الذي يعتقد أردوغان أنه يمكنه إلغاءه عبر مشروع “خلافة” معاصرة.
يمكن أن يربح رجب طيب أردوغان والأرجح سيستمر في الربح بعدما طوّع وحزبُه المؤسساتِ العامةَ التركيةَ بما أصبح نوعا من “الإرهاب القانوني”. ولكن تركيا على المدى الأبعد هي الخاسرة لأن معركته الآن أصبحت إلغاءً مكشوفا للخيار الثقافي الغربي الذي لا ينفصل عن الخيار العلماني.
ولوْ سلّمت جدلاً بنظرية المؤامرة التي بات يستخدمها الرئيس التركي بكثافة، وهي أن الغرب لا يريد أن تكون تركيا كبلد مسلم دولة قوية، فالخلاف الجوهري معه هنا هو أنه هو ونظامه السياسي الدكتاتوري وسيلتا هذا الإضعاف الاستراتيجي والحضاري لتركيا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*