مبنى “لوريان لوجور” بخاتمة تلفيقية للذاكرة

يوسف بزي|الثلاثاء06/11/2018

Almodon.com

الممر بين بنايتي "البيبسي" و"لوريان لوجور" 1991 (ديمة الجندي)

الممر بين بنايتي “البيبسي” و”لوريان لوجور” 1991 (ديمة الجندي)

 

المحاور القتالية في وسط بيروت مشتعلة بالاشتباكات، على نحو غير اعتيادي، في منتصف عام 1985. يتم استدعاء بعض المقاتلين لتدعيم المواقع.

نتجمّع بالقرب من مدرسة “الأليانس” بوادي أبو جميل. ساعة من شاي وسندويشات وننطلق بأسلحتنا، محملين بالأعتدة والذخائر. ظلام غشيم يخيم على المنطقة، فيما لمعات الرصاص تعبر السماء والتماعات مباغتة للانفجارات البرتقالية تأتي من جهة الميناء.

لم أكن أعرف هذه الجبهة من قبل. شدة الظلام تضاعف جهلي وشعوري بالضياع. نصل إلى المبنى الذي يطلقون عليه إسم المحور: بناية البيبسي. يحذروني بالهمس أن أمشي مجاوراً الجدار: ثمة حفرة تخترق منتصف المبنى ولأكثر من طابق، ووقع فيها عدد من المقاتلين وتحطمت عظامهم.

لحسن الحظ، يعم الهدوء التام هنا. فجأة، توقف إطلاق النار على امتداد خطوط التماس من المتحف إلى الميناء. لا شيء ينبئ بوجود حياة هنا. فقط الظلام والسعال المتقطع وجمرات السجائر وصدى الدعسات على الأرض المتربة.. تدل على حضورنا الحذر داخل الحجرات المعتمة، والممر المفضي إلى المربض القتالي، و”الدشمة” المدعمة بالباطون وأكياس الرمل.

أتمدد على فرشة اسفنجية مضمخة بروائح عرق عشرات المقاتلين الذين سبقوني إلى هنا، في هذا الموقع الخطر، الذي نشترك فيه مع مقاتلي الحزب الشيوعي.

يوقظني أحدهم بعد منتصف الليل: “حان وقت نوبة حراستك”. أمتشق الكلاشينكوف والجعبة، وأتبعه. نخرج عبر ثغرة واسعة بالجدار إلى فسحة صغيرة تفصلنا عن المبنى المجاور، الذي ندلف إليه بحذر شديد وصمت مطبق: هنا الكمين الذي يتم نصبه كل ليلة حتى طلوع الفجر.

الصدفة تجمعني في هذا الكمين مع المقاتل الشيوعي، سعيد جابر، الذي أشتغلت معه عام 1983 في مطعم للمأكولات الإيطالية، هو الشيف وأنا منظف الصحون. نكتم ضحكاتنا بأيدينا.

عند الفجر، قبيل انسحابنا، وعلى سبيل التسلية، نرمي قنابل باتجاه المسجد المقابل. يقول سعيد: “تصوّر، الكتائب يدافعون عن الجامع ونحن إثنان شيعة نود تسويته بالأرض”. نعود إلى بناية البيبسي وننتظر ضوء النهار، لنصعد إلى الطوابق العليا، حيث مربض القنص يشرف على موقع الجيش اللبناني، عند منعطف الطريق المؤدي إلى المرفأ.

****

ما أذكره من الليالي الثلاث التي قضيتها هناك هو البرغش العملاق، الذي لا بد أنه امتص دماء المتحاربين من كلا الطرفين حتى التخمة. برغش شرس ولئيم وسام.

بناية البيبسي

إنه العام 1991، ها أنا وزوجتي وشقيقتها، مزهوين بالسلم والحياة والطرق المفتوحة نحو وسط بيروت المدمرة. نتجول في الخراب العظيم، الخراب المزيّن بالأعشاب المجنونة العشوائية، والشجيرات البرية المتوحشة، التي تطل حتى من الطوابق العليا للمباني المشوّهة والشرفات المقصوفة. وعلى الأرض مياه آسنة ووحول وأتربة وأوساخ قديمة صدئة.

يومها، سأحاول الاهتداء إلى “الموقع” القديم، والتعرّف على بناية “البيبسي”، ومبنى الكمين الليلي، والمسجد المثقوب بشظايا قنابلي. وجدته بسهولة تقريباً. كنت كمن يعاين مكان الجريمة، جريمتي الشخصية كمثل شبان الجيل الذي سبقني وشبان جيلي أيضاً، عندما اندفعنا كعميان أغبياء إلى حفرة الحرب وعتمتها. تلتقط ديمة، شقيقة زوجتي، صورة تذكارية للمكان، ما زلت أحتفظ بها.

جولة 1991 سترسخ في وجداني لا الندم ولا الخجل، بل حبي العميق للمدينة.

***

معلم على عمران ما قبل مجمع سينمات سوليدير، وما قبل حداثة زها حديد (علي علوش)

عام 2013، افتتحت شركة “سوليدير” المجمّع السينمائي . ها هو المكان نفسه، وقد تغير تماماً. ليلة الكمين، إذا، كانت في بناية “لوريان لو جور”، أما بناية “البيبسي” فقد اختفت وتم هدمها، لينشأ على أنقاضها مشروع معماري مبهر من تصميم العراقية الراحلة زها حديد، التي تركت أثراً لا يمحى في تاريخ التصميم الهندسي الحديث. وفي الخلف يبدو مسجد المجيدية متألقاً وقد انعكست عليه الأضواء السينمائية في مشهد بيروتي يألف التناقضات.

أمس عدت إلى بناية “لوريان لو جور” مع معرض الفنان جان بوغوصيان بعنوان “Building With Fire”، لوحات معالجة بالنار، بتكوينات تجريدية لا تبتعد كثيراً عن روح جدران المبنى المتقشرة والمقشوطة. لم يكن هدفي مشاهدة المعرض بل إنعاش ذاكرتي مع البناية والبحث عن آثار رفاقي، خربشاتهم وربما بقايا المعلبات أو نحاسيات الذخائر.. لكن الخراب بات نظيفاً، وشعرت أن الفنان مارس اعتداء على الذاكرة وعلى المكان، حينما كتب برذاذ الطلاء عبارات فرنسية، كمحاكاة غير موفقة لكتابات الجدران التي كانت سائدة عند شبان الحرب. كأنه مارس اعتداء على أركيولوجية البناية كنوع من تخريب إضافي وتزوير للآثار، لروح الزمن.

المعرض جاء كخاتمة تلفيقية لسيرة البناية، التي شاء أصحابها أن يمنعوا “سوليدير” من استملاكها، وأصروا على بقائها (حسناً فعلوا). آل تماري، هم بصدد إعادة الحياة لبنايتهم، عبر ترميمها والحفاظ عليها، كمعلم على عمران ما قبل مجمع سينمات سوليدير، وما قبل حداثة زها حديد.

بدا المعرض، هكذا، كأنه يحاول تنظيف ذاكرتي على معنى المصادرة. يحاول تذويق الحرب على معنى السياحة. يحاول ترتيب الماضي على معنى محوه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*