ما يُشْغِل في ظاهرة غسان تويني

 

(عن الانترنت).

28 شباط 2017
النهار

لم أكتب عن غسان تويني بعد وفاته. هذه هي المرة الأولى. كانت تلك مسألةَ عجْزٍ لا مسألةَ تمنّّعٍ. صحيح أني لا أتقن الرثاء ولكن أستطيع الزعم أن هذا العجز كان ناتجا عن الحيرة من غنى المادة الغسانية.

قارئا كُتُبَه، أربعةً منها، ومنها “سر المهنة وأسرار أخرى” الكتاب المشوِّق الذي يجب أن يقرأه كل صحافي بل كل طالب راغب بممارسة الصحافة. كما كتاب “قرن للاشيء” الذي وضعه مع جان لاكوتور وجيرار خوري. وليس من تعبير أكثر براعة وقسوة من هذا العنوان لوصف شرقٍ أوسطَ متراجع على مدى مائة عام حتى الانهيار.
حين تكون في محيط غسان تويني، تتطاير الكتبُ فوق رأسك وبين يديك ليلَ نهار. كتبُهُ، وكتُبُ الآخرين. هذا جزء من سيميائه، لغةِ إشارته الصامتة والناطقة. مرةً وكان الوضع السياسي متأزما في بيروت، أعطاني في مكتبه صفحة مصورة من كتاب تاريخ قديم يتحدّث عن أسطورة شائعة تصف بشكل دراماتيكي كيف أحرقت إحدى المدنِ اللبنانية نفْسَها ولم تستسلم أمام غزو شهير قبل ميلاد المسيح. فور قراءتي للورقة نظرتُ إليه ولم يتلفّظ كلانا بكلمة لأن الإيحاء الراهن كان واضحا في الأسطورة. لم يكن الغزو فقط موضع التساؤل بل الانتحار أيضا. أكاد أقول كانت الإشارة جزءا من كتابته بل جزءا من مشافهته الغزيرة.
إحدى المهمات الدائمة لرجل الدولة ورجل السياسة والمحلل السياسي والأكاديمي هي، كما تعلمون، رصد القوى الصاعدة في المجتمع. الصحافي، مؤسسةً أو فرداً، هو من هؤلاء. فالتجارب الصحافية الناجحة ترتكز جميعها على اختلاف أنواعها إلى استشراف ما يمكن أن نسمِّيَهُ بالاستعارة القوى القارئةَ الصاعدة. أحيانا القراء المحتملون أو المتَصيَّدون هم جزء من جمهور القوى السياسية الصاعدة وأحيانا العكس حين يكون خزان القراء كامنا بين الجماهير والنخب المحبَطة.
في الحالتين كان غسان تويني في تاريخ الصحافة اللبنانية صيادا كبيرا في “صيد الثعالب” الرائع، صيدِ القراء الأذكياء، تلك النخب التي تصنع بتلقيها سمعة الصحيفة، أيِّ صحيفة، ومرتبتَها. ما أعرفه أنه مات وفي نفسه حسرةٌ من عدم قدرة الصحافة على استقطاب جسم كافٍ كبير من الشباب كقراء. كان بهذا المعنى في عقده الأخير الصياد العريق الذي يعرف أن الطريدة قريبة منه ولا يراها وقد عوّدها في السابق أن تأتي هي إليه باحثةً عنه.
قيل ويقال الكثير وبحق عن غسان تويني: الزعيم المسيحي، الشخصية اللبنانية البارزة، ناشر ورئيس إحدى أبرز صحف الشرق الأوسط إن لم تكن الأبرز عربياً في الستينات وبداية السبعينات مقابل “الأهرام” كصحيفة دولة، المثقف، الليبرالي، الأكاديمي، وغير ذلك. ولكن كل هذه القامةِ بل القامات في رجل واحد كانت تحوله إلى شخص قلق يوم الإثنين، موعد نشرِ افتتاحيته، قلقٍ من احتمال عدم نجاحها أو فشلها على أكثرَ من مستوى: القوة التعبيرية، المواءمة الحدثية، والتأثير العام. تصور أن صحافيا كبيرا بهذا الحجم وهو المقروء الأول في صحيفته وربما في كل الصحافة اللبنانية وله هذا التاريخ الطويل كان غير مطمئن على مقاله ذلك اليوم حتى يثبت العكس.
هذا أهم ما تأثّرتُ به من غسان تويني من زاوية تجربتي المتواضعة في “النهار”. أنتَ في مقالك الأخير مهما علا شأنك أمام امتحان النجاح أو السقوط في نظر نفسك وفي نظر القراء طبعا. كان الفنان في غسان تويني هو القلِق.
( بالمناسبة كان عندما لا يعجبه مقال لي يخاطبني إذا التقينا: لم أفهم عليك اليوم. كان هذا تهذيبا كبيرا منه حيالي لكني كنتُ أفهم الرسالة).
قلتُ له مرة كنا نسمّيك: اليمين الذكي. فيجيب بسرعة مازحاً: ليس هناك يمين وذكي!
طبعاً لا يحتاج غسان تويني لمن يقول له نعم هناك يمين وذكي، يمين غبي، يسار غبي ويسار ذكي، لأنه كان أحد أبرز المثقفين والسياسيين اللبنانيين الموصولين بتقاليد التجارب الأوروبية والغربية والعارفين بتاريخها السياسي وبتمايزاتها. الديموقراطية الليبرالية التي كان أمثاله قادرين على استحصال اعتراف من قبل جزء واسع من النخب اللبنانية بأنه وقلة من الرموز الأقرب إليها في لبنان رغم تعقيدات وضرورات النظام الطائفي الصعبة والحقيقية. كان ذلك قبل أن يولد المصطلح النقدي الأميركي في تسعينات القرن المنصرم والذي سيستوقف غسان تويني كي يستخدمه في نقده لحياتنا السياسية: الديموقراطية غير الليبرالية.
لقد أنهت ظروف ما بعد الحرب الأهلية ذلك المعيار البنّاء والحداثي في السياسة اللبنانية، لا أقصد الفرق بين يمين ويسار بل ألغت نتائجُ الحرب اليمينَ اليسار نفسَيْهِما بالمعنى الانقسامي الأيديولوجي لتحل مكانهما انغلاقية طائفية ومذهبية تدير معظمها قوى زبائنية وأحيانا متفلتة في المحاصصات الاقتصادية. كم أتذكّر على مقاعد الجامعة وأنا بالكاد أملك سعر عدد “النهار” وعلبة السجائر وفنجان القهوة في كافيتيريا الجامعة، كيف فوجئتُ بخبر افتتاح المؤتمر السنوي للحزب الشيوعي اللبناني، وكان لم ينعقد منذ سنوات طويلة ولا زال الشيوعيون يصرّون على تسميته المؤتمرَ السنوي، كيف أن خبر افتتاحه كان يحتل مكانا بارزا على صدر الصفحة الأولى في “النهار”. لم أكن شيوعيا في يوم من الأيام، لكنْ كان ذلك الإبراز من صحيفة اليمين الذكي، درساً مزدوجاً من الاعتراف بالآخر الأيديولوجي وفي الوقت نفسه كان استشرافَ ناشرٍ ورئيسِ تحريرٍ لمّاح للحظة حيوية وخطرة في لبنان.. كان غسان تويني يومها يعبِّر عن لحظة تسامح وتفهّمٍ قصوى تقوم بها أم الصبي، أي البورجوازية اللبنانية. لو فتَحْتَ على الصفحة الأخيرة من أحد أعداد تلك الفترة كنتَ ستجد على زاويتها السفلى مصادقة شركة دولية للتحقق من الطبع على أن عدد “النهار” ذلك اليوم طُبِع منه مئةٌ وخمسة آلاف نسخة.
فعل غسان تويني ذلك في أحيان عديدة، في إثباته هذه القدرة على المواءمة بين دور “النهار” كصحيفة معارك سياسية ضارية أيا يكن مضمونها وبين رؤيته لكل لبنان. بهذا “ربّى” غسان تويني قراءه مسيحيين ومسلمين وعربا على مدى نصف قرن ضمن هذه المعادلة الصعبة. معادلةٍ كانت تجعل “النهار” صحيفة الحساسية المسيحية في الكيان اللبناني، وصحيفة النظام السياسي وصحيفة المعارضة الشرسة للحكم أحياناً وصحيفة الاعتدال الوطني المسلم والمسيحي دائماً وصحيفة يمين الوسط الأيديولوجي التي يكتب فيها يساريون ولاحقا صحيفة التحالف مع رفيق الحريري وصحيفة المعارضة العنيدة للمرجعية السورية وصحيفة تيار ثقافي سياسي معارض لمشروع رفيق الحريري الاقتصادي في آنٍ معا. من هو هذا اللاعب الاستثنائي الذي يصيغ هذه المعادلة غير غسان تويني؟ اختلّت هذه التوازنات أحياناً لكنْ تحت وطأة أزمة وطنية عاصفة لم يكن ممكنا لـ”النهار” أن تكون خارجها وستدفع فيها دما غاليا جدا.
لكننا، ونحن نكرِّم غسان تويني في زمن أزمة عصيبة تمر بها الصحافة اللبنانية، وجريدة “السفير” إحدى ضحاياها الكبيرة، أستعيد ما قاله رئيس تحرير “النيويورك تايمز” بعد انتخاب دونالد ترامب في نهاية تحليله الطويل لتجربة صحيفته وإنجازاتها وإخفاقاتها خلال الحملة الانتخابية… قال: بالنتيجة لا يمكن أن نستعيد ثقة القراء مرة أخرى إذا لم نتغيّر نحن كصحافيين.
أخيراً ما يُشْغِل في ظاهرة غسان تويني، ما يجب أن يُشْغِل، هو السؤال الكبير الذي تطرحه هذه الظاهرة وأي ظاهرة مميزة: كيف سيكون مركز صناعة النخب اللبنانية في المستقبل؟ نوعية النخب؟ يتصل ذلك مباشرة ليس فقط بمستقبل الصحافة اللبنانية بل بجدوى لبنان بكامله في عالم عربي مهدد وجوديا مجتمعاتٍ ونخباً. لا ينبغي أن يكون الهاجسُ التكرارَ، تكرارَ الظاهرة، بل البحث عن الجديد، البحث عن التجاوز، فالظاهرة الطليعية كظاهرة غسان تويني تحرِّض هي نفسُها على تجاوزها بالمعنى العميق للكلمة. المعنى الذي يحفظ رياديَّتها.
بعد دخولي “النهار” عام 1997 سألته مرّةً وكان أعطاني نسخةً من كتاب ميليشياوي أثار ضجةً في لبنان وكان علامةً على انحطاط نخبة الحرب: أليس الجيل السابق للحرب مسؤولا عن سيطرة هذا النوع من الرعّاع لاحقاً على لبنان؟ وأجابني: هؤلاء فُرِضوا علينا فرضاً في كل الطوائف، مع ذلك وبالنتيجة نحن مسؤولون بصورةٍ من الصور.
والسلام عليكم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*