ما مدى مسؤولية لبنان عن تنامي الحزب؟


روزانا بومنصف
النهار
15052018

عام 1991، بعد بدء لبنان مسار تنفيذ اتفاق الطائف في حكومة الرئيس عمر كرامي التي تألفت في عهد الرئيس الياس الهراوي، كان من أبرز ما أثير آنذاك موضوع تسليم الميليشيات اسلحتها الى الدولة اللبنانية. يومها واجهت “القوات اللبنانية” برئاسة الدكتور سمير جعجع تحديا على خلفية المطالبة بأن يشمل تسليم جميع الميليشيات اسلحتها الى الدولة من دون استثناء، لئلا يحصل تمييز بين الافرقاء اللبنانيين ويؤدي ذلك الى خلل في الميزان الداخلي. يومها عارض الوزير روجيه ديب الذي مثل احد ابرز الافرقاء المسيحيين ان تسلم “القوات” اسلحتها في مقابل بقاء سلاح “حزب الله”. وحين طرح الموضوع على رئيس الجمهورية آنذاك الياس الهراوي رد عليه بان الحل لهذا الموضوع ليس في يده بل لدى السوريين، وان زيارة لسوريا يقوم بها ديب للقاء بعض المسؤولين هناك قد تنفع من اجل البحث في الموضوع. وتوجه ديب يومها مع رئيس حزب الكتائب جورج سعاده للقاء اللواء حكمت الشهابي، الذي بحسب المعطيات التي توافرت آنذاك اصر على ان هناك فارقا مهما بين تسليم الميليشيات اللبنانية اسلحتها وسلاح “حزب الله”، مع ضرورة عدم الربط بين الاثنين لان سلاح الحزب كما قال الشهابي لا علاقة للاحزاب او الميليشيات اللبنانية به، بل هو مرتبط بالصراع مع اسرائيل ليس الا. وافادت المعطيات يومها انه ازاء سؤال الوفد الذي ضم ديب وسعاده عن الضمانات التي تؤكد ان سلاح الحزب هو فقط لمواجهة اسرائيل ولا علاقة للبنان به، قال الشهابي ان سوريا هي الضمان لذلك. وازاء اصرارهما على الرغبة في ان تكون الدولة اللبنانية هي الضمان، تساءل الشهابي أليس هناك ثقة بالسوريين الى هذه الجهة؟ مصرا على ان الدولة اللبنانية لا يمكن ان تعطي الضمان. كان المسيحيون آنذاك في وضع صعب بعد حربين مدمرتين في المنطقة الشرقية، لكن هذا لم يحل دون توجههم الى كل من العرب والدول الغربية على حد سواء من اجل استطلاعها ازاء التمييز في تسليم السلاح بين الاحزاب والميليشيات اللبنانية. وتفيد المعطيات المتوافرة عن تلك الفترة ان الاتصال بالمسؤولين في المملكة العربية السعودية افضى الى خلاصة مماثلة لتلك التي قدمها اللواء حكمت الشهابي حول الهدف من سلاح “حزب الله” وارتباطاته، باعتباره موجها ضد اسرائيل فحسب، كما ان الاتصال بالمسؤولين الفرنسيين لم يخرج عن المقاربة نفسها في التمييز بين المسألة الاقليمية التي لا علاقة للبنان بها، والمسألة الداخلية. حتى ان ثمة من يروي ان السفير ريان كروكر قال ان الامر هو بمثابة دائرة متكاملة، اذ يسلم بعض الافرقاء سلاحهم اليوم في حين يسلم “حزب الله” سلاحه غدا.

هذه الاستعادة ترتبط في الواقع بالمدى الذي يذهب اليه محللون وكتاب وحتى سياسيون، في نعي لبنان، على قاعدة انه غدا تحت سيطرة الحزب بنتيجة الانتخابات النيابية، وتاليا تسليم اللبنانيين أمرهم الى الحزب من دون ان يبدوا اي اعتراض او مقاومة. وعلى افتراض ان هذا الامر صحيح، علما أنه ليس كذلك، من دون إنكار امتلاك الحزب الثلث المعطل في مجلس النواب مع حلفائه، فإن لبنان واللبنانيين لا يتحملون فعلا مسؤولية كلية في ما وصل اليه الحزب من سيطرة او قوة. اذ ان لبنان الذي كان تحت الوصاية السورية حتى تاريخ اغتيال الرئيس رفيق الحريري عمل على تأمين كل المقومات الداعمة للحزب من دون تمكين الدولة اللبنانية من امتلاك اي قرار في شأنه. وينبغي الاقرار بأنه خلال هذه الفترة الطويلة من الوصاية السورية كانت الدول العربية مقتنعة بالمنطق السوري ومسلمة بالوضع في لبنان من دون اي اعتراض يذكر، حتى بالنسبة الى تقوية “حزب الله”. ولا يمكن القول ان الاضطراب الذي عرفه لبنان منذ 2005 وحتى بضعة اعوام خلت، بما فيها الاغتيالات وتعطيل الحكومة ومجلس النواب حتى نهاية 2016، كان يمكن الحديث عن وجود سلطة لها القدرة على السيطرة على الحزب او على قرار الدولة، لاعتبارات لا يمكن العودة اليها ولا تزال قائمة، بحيث ان تحميل اللبنانيين عموما او افرقاء لبنانيين محددين مسؤولية ما وصل اليه الحزب مجحف وغير صحيح، خصوصا ان الدول العربية كانت الى حد كبير مسؤولة عن ترك الوصاية السورية راعية لتصاعد الحزب ونفوذه، وتاليا نفوذ ايران في لبنان، والذي ما كان ليكون بهذا المقدار ربما لولا انهيار النظام السوري ومسارعة النظام الايراني و”حزب الله” الى انقاذه. لكن لبنان كان متروكا ايضا في هذه الفترة الى حد كبير، وساهمت التطورات الاقليمية في انعكاسات كبيرة على واقعه. ولعل النقطة المتصلة بمدى مسؤولية الافرقاء اللبنانيين عن تنامي الحزب وعدم مواجهته هي نقطة خلاف رئيسية تفجرت في شكل خاص في الاشهر الاخيرة، خصوصا انها ترافقت مع أبرز الاسباب التي ترددت عن اعلان الرئيس سعد الحريري استقالته، فيما يعتبر سياسيون كثر ان المنطق الذي كان ابرزه الحريري في هذا السياق موضوعي وواقعي، على خلفية ان مسؤولية لبنان محدودة في هذا الاطار قياسا الى الدول التي سمحت بتنامي هذا الواقع او تغاضت عنه، وكانت مسؤولة اكثر بكثير من مسؤولية اللبنانيين، فيما الطلب علنا او ضمنا من اللبنانيين مواجهة هذا الواقع بما يؤدي على الارجح الى حرب اهلية، غير واقعي. كما انه ينبغي عدم تبسيط الوضع في لبنان واختصاره بفوز الحزب وسيطرته عليه لان المعادلة الداخلية اكثر تعقيدا وكذلك التأثيرات الاقليمية.

rosana.boumonsef@annahar.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*