ما غنمته اسرائيل في الكارثة السورية… وما يقلقها


وسام سعادة
Feb 12, 2018
القدس العربي

«ديالكتيك»: حرب حزيران 1967 التي احتلت فيها اسرائيل أضعافا مضاعفة من الأراضي العربية نسبة إلى المساحة المحددة بالخط الأخضر، هي الحرب التي أطلقت العد العكسي لانسحاب أكبر دولة عربية، مصر، من الصراع العربي الاسرائيلي، بعد ذلك بعشر سنوات. في المقابل، أطلقت الهزيمة العربية الكبرى في حرب الأيام الستة بدء العد العكسي لدخول إيران، بقوة، على خط هذا الصراع. اولا، بتعمق تحالف نظام الشاه معها، في مرحلة اقفلت فيها قناة السويس، وصار الاعتماد على شحن النفط من ايلات إلى عسقلان. وثانيا، مع الاطاحة بنظام الشاه، وانتقال إيران إلى الموقع النقيض. تحالفه مع اسرائيل لعب دورا غير قليل في التعجيل بسقوطه، ومع قيام النظام الثوري الاسلامي في الفترة نفسها التي كانت فيها مصر تنسحب من معادلة الصراع، مع استرداد ترابي كامل انما محدود السيادة لارض سيناء، انتقلت إيران بين ليلة وضحاها من التحالف مع اسرائيل إلى لوم الانظمة العربية على نكوصها وارتدادها عن هذا الصراع.

حرب 67 اسست اذا على المدى الزمني الاوسط، اي بالنسبة للجيل التالي لها، لانسحاب مصر من الصراع، ودخول إيران اليه من بابه الواسع. عربيا، لم تطرح اي حكومة في البلدان المحاذية لفلسطين في اي يوم، ضمن الخطاب الرسمي لها، رمي اسرائيل في البحر، هذا في عز الصراع معها، ورغم عدم الاعتراف بوجودها. أما إيران فانتقلت مباشرة بعد الثورة إلى تبني خطاب رمي اسرائيل في البحر، وربط ذلك بالمشروع المهدوي الخلاصي الآتي. ولما اقترن هذا مع انسحاب اكبر دولة عربية من الصراع، ثم مع دخول «بروسيا العرب»، العراق، في الحرب ضد إيران، صار الخطاب المبني على الوعد بدمار اسرائيل في بحر القرن الحادي والعشرين، اكثر تجذرا، ومبنيا على التنديد بخيانة العرب لقضية فلسطين، وبفضل الإيرانيين عليهم بأنهم التقطوا الراية اليتيمية، ودفعوا بها إلى الامام، من خلال رعاية الحركات المسلحة الاسلامية التي تقاتل اسرائيل، سواء منها تلك المطبقة للنموذج الحرسي تماما، والتي تدين بنظرية ولاية الفقيه، شأن حزب الله، او تلك الآتية من الاسلام السياسي «الاخواني»، مثل حماس.
لعقود طويلة ظل النظام السوري، حليفا لإيران الاسلامية، انما الحليف اللدود في الملف اللبناني، والذي يتبنى، رغم تسيد الضباط العلويين فيه، ايديولوجيا بعثية نيو-أموية عندها مشكلة مزمنة مع الحضارة الإيرانية. كما بقي انخراط سوريا في عملية السلام، منذ مؤتمر مدريد، عنصر تباين جدي مع الجانب الإيراني. لكنه عنصر كان سيظهر لو ان الأمريكيين والاسرائيليين كان لديهم الاستعداد لتطبيق مبدأ الارض مقابل السلام في الجولان، وهكذا، وجه المرشد علي خامنئي مثلا انتقادات لاذعة لسوريا وقت مفاوضات شيبرزتاون بين ايهود باراك وفاروق الشرع. لكن، وبما ان المسار السوري من عملية السلام جرى الحجر عليه منذ اتفاق اوسلو – الامر الذي فخخ اوسلو ايضا، فلم يكن مقدورا لعنصر التباين هذا ان يتجاوز التوترات الجانبية.
تراجع حظ هذا التباين اكثر مع الثورة، ثم الحرب، ثم الكارثة السورية الكبرى، الناشئة في الاساس عن توازن كارثي بين عناصر الابقاء على النظام وعناصر الاطاحة به، وعن تحلل نفس هذه العناصر، ومن خلالها تحلل البنى الاهلية للمجتمع السوري في اللحظة نفسها الذي تعاظم حديث المبالغة عن ازدهار هذه البنى، وعن ادارة كارثية للملف السوري بين الدول الاقوى في العالم. فكل ما رأته اسرائيل من الموضوع السوري بعد 2011 هو ان احدا لن يطالبها بعد هذا الدمار باعادة هضبة الجولان المحتلة. لم تهتم اسرائيل جديا الا بهذا. سيان عندها بقي النظام ام سقط، تبنت سوريا اسلاما متشددا ام معتدلا. المهم عندها ان مكسبا استراتيجيا لاح لها منذ 2011، وهو ان هضبة الجولان التي كانت خارج التغطية التفاوضية قبل ذلك بسنوات غير قليلة، صارت الآن «خارج البحث» تماما، واكثر بكثير ليس فقط من الضفة الغربية، بل حتى من القدس. هناك اليوم رأي عالمي مندد باحتلال اسرائيل للضفة، ولمجتمع المستوطنين في الضفة، ولاحتلال اسرائيل للقدس الشرقية واعلانها القدس عاصمة لها من جانب واحد، لكن لا شيء من هذا فيما يتعلق بالجولان.
شكل «غياب الجولان كمسألة» واحدا من عناصر النقص الفادحة جدا في خطاب الثورة السورية، كما شكلت «المناورات الاسترجاعية» للجولان جانبا مستهلكا من العدة الدعائية والخطابية للنظام وحلفائه… وحتى في جولة المواجهة الحربية الاخيرة، التي لن تكون الاخيرة، والتي ليست الحرب لكنها تراكم للحرب الاسرائيلية الإيرانية الشاملة، في فترة لا يمكن تقدير اوانها، فان مسألة الجولان لم تخرج من المعهود هذا. مع انه، من الناحية الاسرائيلية، تحصين وضعية الجولان كمسألة خارج البحث تماما، هو عنصر اساسي في كل ما تقدم عليه الدولة العبرية او تخطط له حيال سوريا.. ولبنان. موضوع النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان مرتبط بمثل هذا: من الناحية الاسرائيلية هذا النفوذ يمكنه ان يعيد تحريك مسألة الجولان بشكل او بآخر، او انه يمكن ان يخدم، او يمكن لمواجهته ان تخدم، لتعبيد الطريق نحو مواجهات من شأنها ان تكرّس، وفقا للتقدير الاسرائيلي، واقع الأسرلة النهائية للهضبة السورية المحتلة. نفس الشيء بالنسبة للتعاطي الاسرائيلي مع العمليات الروسية، الحربية والسياسية، في سوريا، وهنا يمكن الالتفات لما كتبه شمي شاليف في هآرتس بالامس، معددا في عداد اخطاء بنيامين نتنياهو انه منى النفس طويلا بأن الجولات والصولات الجوية فوق سوريا، محمية بالموقف الروسي.
مشهد تحطم طائرة اف 16 الاسرائيلية هو مشهد خسارة كاملة لجولة من حرب متقطعة تراكم لحرب شاملة. لا تختصر الحرب في جولة، لكن الجولة تختصر إلى حد بعيد في هذا المشهد، الذي لا يبدده كل ما تبعه من اغارات اسرائيلية بعده. بالتوازي، فانه، اذا كانت الدولة العبرية تنظر على الصعيد الجيوستراتيجي الاقليمي الشامل لتمدد النفوذ الإيراني بقلق بالغ، تصاعد في السنوات الاخيرة، فانها تنظر إلى «الراحة المتصاعدة» لها بعد الربيع العربي، وخصوصا فيما يتعلق باخراج الجولان من دائرة البحث (ناهيك عن تعليق الجبهة اللبنانية منذ 2006، ووضع اكثر صعوبة بالنسبة لحماس في غزة) كمعطى معاصر لنفس فترة التمدد الإيراني. ولهذا مفارقته ايضا: فالرأي العام الاسرائيلي لن يقتنع بسهولة بحرب لمستلزمات جيوستراتيجية، في المرحلة التي لا يبدو فيها من خطر داهم مباشرة يتهدده. هذا الرأي العام يمكن ان يستشعر خطرا كهذا حيال عملية انتحارية اكثر بكثير من استشعاره لذلك حيال مشهد سقوط طائرة في سلاح جوه. بالطبع، ما تستشعره المؤسسة الحاكمة في اسرائيل، والقيادات العسكرية، يفترض انه معاكس لهذا.

٭ كاتب لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*