ما حقيقة كراهية المصريين للممثلين اليهود؟

 

أحمد شوقي علي|الأحد04/03/2018

Almodon.com

بدر لاما
ثمة معلومات كثيرة يحتاجها المراقب لفهم الأطر المنتجة لأي شائعة، مهما بلغ ضآلة حجمها، للوقوف على حقيقة حدوثها من عدمه، وفهم الأسباب التي دعت إلى استمرارية رواجها وتصديقها من قبل المتلقي، فماذا لو تعلق الأمر بقصص أكثر تعقيدًا، كاتهام أحد الفنانين –مثلا- بالعمالة لصالح الاحتلال الإسرائيلي؟

في كتابه الأحدث “الممثلون اليهود في مصر”*، يحاول الناقد أشرف غريب، تفنيد الاتهام الإسرائيلي للنظام والمجتمع المصريين باضطهاد الممثلين من أصحاب الديانة اليهودية، مستعرضًا
تاريخ هؤلاء الفنانين وعلاقاتهم بالوسط الفني والجمهور، وكذلك موقف النظام الناصري من وجودهم بعد العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956.


نجمة ابراهيم

لكن ما يقدمه غريب من حقائق قيمة -جاء بعضهًا حصريًا- عن سير هؤلاء الفنانين، لا يبدو كافيًا لتحقيق تلك الغاية، على العكس من ذلك، فإن المعلومات التي يطرحها المؤلف على القارئ -الذي
يضع في خلفيته الذهنية ما يكشف عنه الكتاب من استيعاب المجتمع المصري للأطياف المتعددة، وعدم اضطهاد النظام للممثلين اليهود تحديدًا، والذين استمر بعضهم في العمل السينمائي حتى أوائل السبعينات دون التعرض لمضايقات- تثير شغفه لمعرفة الأسباب التي دعت إلى اتهام بعض الممثلين المصريين اليهود بالتعاون مع كيان الاحتلال من جهة، وأسباب رواج تلك الاتهامات واستمرار بعضها حتى اللحظة من جهة أخرى، وهو الشغف الذي لا يشبعه إرجاع الكاتب الأمر لعاملي الافتراءات الإسرائيلية المتكررة على هؤلاء الممثلين، والردة الفكرية التي أصابت المجتمع المصري منذ نهاية السبعينات.

حفظ ما أسقطه الزمن 

لكن غاية تفنيد الاتهامات الإسرائيلية، ليست الوحيدة التي يحاول أشرف غريب إدراكها من وراء مؤلفه، إذ يضع على عاتقه تقديم رصد حقيقي للمنجز الفني للممثلين مصريين ومتمصرين ممن اعتنقوا اليهودية “دون إفراط في تقدير حجم هذا الدور كما يفعل مناصرو إسرائيل، أو تفريط فيه كما اعتقد الباقون”، ويرصد البحث الذي قصره المؤلف على من اشتغلوا بالتمثيل فقط، لسيرة حياة 16 فنانًا، أما الذين خلا الكتاب من سيرهم؛ إما لأن بعضهم لم يملك مشوارًا فنيًا حقيقيًا، أو لندرة المعلومات المتاحة عن البعض الآخر، فإن غريب لم يغفل ذكرهم وأحصى أسماءهم جميعًا، وسجل –على الأقل- مآلهم بعد اعتزال التمثيل.

ذلك أن عدد اليهود من الممثلين الذين ظهروا على الساحة المصرية، حتى عقد الأربعينيات “يوازي إن لم يتجاوز عدد الممثلين الأقباط على مدى تاريخ فن التمثيل في مصر”، ولم يكن سهلا حصر هؤلاء الممثلين، ليس لبعد الفترة التي رصدها البحث زمنيًا فقط، وإنما لصعوبة التأكد من عقيدة الفنانين الذين أوهمت أسماؤهم الملتبسة بانتسابهم إلى الديانة اليهودية، ودعت البعض للتعامل معهم بوصفهم من اليهود وهم إما مسيحيون أو مسلمون، ولعل أبرز تلك الالتباسات ما كان من نصيب الفنان الراحل عمر الشريف، والذي أشيع أنه يهودي بسبب اسمه “ميشيل شلهوب”، لكن عمر الشريف نفسه يحسم هذا الأمر “في مذكراته الوحيدة التي يعترف بها ونشرتها بالفرنسية الصحافية “ماري تريز جويشار” سنة 1977 تحت عنوان “الذكر الخالد” وترجمها إلى العربية د.عبد المنعم سعد، حيث أكد “أنه كاثوليكي ماروني وأنه انتقل من المسيحية إلى الإسلام في بداية الخمسينيات وأن هذا أغضب والده كثيرًا وأصابه بمرض السكر”.

ولم ينصرف جهد أشرف غريب البحثي إلى التحقق من ديانة الفنانين موضوع كتابه فقط، إذ أبدى دأبًا ملحوظًا، في تحقيق تواريخ الوقائع التي تناولها في مادته، للوقوف على رصد دقيق لتواريخ ميلاد ووفاة أبطال كتابه، وأبرز الأحداث التي تخللت مسيرتهم الفنية، بل إن ذلك الاهتمام بالرصد يتجاوز –أحيانًا- موضوعه الرئيس، حين يستخدم ما جمعه من مادة لإثبات وقائع تخص فنانين آخرين وأحداث أخرى، كمثل ما جاء في تقصيه لسيرة الممثلة إستر شطاح، والتي خلص منها إلى إثبات تاريخ أكثر دقة لمولد الموسيقار محمد عبد الوهاب، وبحسب سيرة “إستر”، فإنها تعرفت لأول مرة في العام 1917، أثناء اشتغالها بفرقة عبدالرحمن رشدي، على “صبي عمره ستة عشر عاما، كان يخرج ليغني بين فصول الروايات بعد المطربة المعروفة فاطمة قدري، اسمه محمد البغدادي، ولم يكن هذا الصبي سوى الفنان محمد عبدالوهاب الذي كثيرًا ما طلب منها التدخل لدى صاحب الفرقة، كي يظهر قبل فاطمة قدري، الأمر الذي كان يقابل بالرفض من جانب عبد الرحمن رشدي، في كل مرة كانت تتدخل فيها شطاح لصالح المطرب الصبي، وهذه الواقعة العابرة تكشف عن العام الحقيقي لميلاد عبد الوهاب الذي ظل لغزا محيرًا لسنوات طويلة، وهو عام 1901 وليس عام 1913 أو بعده مثلما زعم الموسيقار الكبير”… كذلك يعرض غريب أربعاً من الوثائق المهمة، بشكل حصري، وهي وثيقتا إشهار الإسلام الخاصة بكل من: ليلى مراد، ونجمة إبراهيم، بالإضافة إلى وثيقة تصفية شركة الأفلام المصرية التي امتلكها توغو مزراحي، وكشف الأجور الخاص بأحد عروض فرقة جورج أبيض.

انتماء للوطن

وتعكس سير الفنانين الذين يتعرض لهم الكتاب، اعتدادهم بانتمائهم المصري والعربي، حيث لم يثبت أن سافر غير ثلاثة منهم فقط إلى دولة الاحتلال، فيما قرر الباقون إما التمسك بالإقامة في مصر، أو الهجرة إلى أوروبا، وفضلًا عن أن ذلك يمثل رفضًا لإسرائيل، فإن سير حياتهم تسجل كثير من المواقف النضالية الملموسة، حيث يورد أشرف غريب عن ليلى مراد أنها أدت استعراضًا بعنوان “مأساة فلسطين” أو “أوبرا الأسيرة” ضمن أحداث فيلم “شادية الوادي” (أول عرض أبريل 1947)، تطالب فيه الجيوش العربية بالتوجه لنصرة فلسطين، ليكون “أول عمل فني يضع يده على الجرح الفلسطيني، بل ويتنبأ بما سوف يحدث من دخول القوات العربية –متطوعين ونظاميين- إلى فلسطين قبل حدوث ذلك بعدة أشهر”، وكذلك ذهبت نجوى سالم لمساندة الجنود المصريين الذين يحاربون على الجبهة.

وفي ضوء ذلك العمل النضالي الذي يعكس وطنية هؤلاء الفنانين، يبذل أشرف غريب جهدًا حثيثًا لتفنيد الشائعات التي تطعن في انتماء بعضهم، ومن ذلك –مثلًا- ما أثير حول تحول منير مراد إلى اليهودية مرة أخرى، ومات عليها ودفن في باريس، حيث يبين غريب أنه توفي في بيته بالقاهرة، ويكشف أنه دفن في المقبرة الخاصة بعبدالحليم حافظ، حيث “داهمه الموت فجأة قبل أن تنتهي شقيقته الفنانة ليلى مراد من بناء مقبرة الأسرة في البساتين أيضًا، فقامت باستئذان ورثة العندليب كي يجاور جثمان منير مراد جثمان صديقه في رقدته الأخيرة”، وهو ما ينفي تحوله مرة أخرى إلى اليهودية.

راقية والإطار الناقص

لكن في المقابل هناك شائعات أخرى تعرض إليها غريب دون تفنيد، حيث إنه –مثلا- لا يدين راقية إبراهيم في اتهامها بالعمالة لإسرائيل، وفي الوقت نفسه لا يبرئها، ويستعين في رصده سيرتها الذاتية بمادة صحافية نشرتها الكواكب بتاريخ 13 أغسطس عام 1974، جاء في جانب منه أنها كانت “شديدة الغيرة من الأسماء اللامعة، خاصة من الممثلة فاتن حمامة (…) وشنت عليها حربًا شعواء، وحدث ذات مرة أن رشح يوسف وهبي فاتن حمامة لتقوم بالدور الثاني في فيلم “ملائكة الرحمة” واعترضت راقية وأصرت على اعتراضها. وأبدت استعدادها لأن تتنازل عن ألف جنيه من أجرها لو عدل يوسف عن ترشيح فاتن، ورفض يوسف وهبي هذا العرض (…) وبلغ من حقد راقية على فاتن أن أشاعت إشاعة سخيفة ولكن الناس لم تصدقها!! إن راقية هجرت الحياة الفنية في مصر، وسافرت إلى أميركا حيث قيل إنها تعمل موظفة في الأمم المتحدة، وقيل إنها على علاقة بالمنظمات التي تساعد الصهيونية في أميركا تحت ستار العمل الإنساني، وقيل الكثير عنها لكن أحدًا لا يعرف أين الحقيقة”.

ويمثل تعاطي أشرف غريب مع المادة السابقة، ما قصدته بنقص الأطر المنتجة للقصة، ففي التعقيب الذي أورده بعدها -وقد اعتاد أن يتدخل في التعليق لتحقيق المعلومات التي تضمنتها الوثائق أو المواد المستعادة في كتابه- لم يذكر أي شيء بخصوص هذه الشائعة التي أطلقتها راقية على فاتن حمامة، وهي مهمة في ظني لإيضاح أداء راقية إبراهيم وعلاقتها بمن حولها، والذي بالضرورة قد يفتح الباب لتصور أكبر عن أسباب اعتزالها، فمن الجائز مثلا أن يكون الوسط السينمائي نفسه هو الذي لفظها لسلوكها، وكذلك فإن غريب لم يسع لإيضاح حقيقة شغل راقية لوظيفة في الأمم المتحدة، وهو أمر يمكن التحقق منه إجرائيًا بمخاطبة المنظمة الدولية ذاتها للوقوف على حقيقة وظيفتها والملفات التي أوكلت بها، خاصة وأنه يورد بعد هذه الترجمة حوارًا نشرته الكواكب أيضًا في العام 1953 بعد عودة راقية من رحلة استشفائية في أميركا، أي بعد عام واحد من مقتل العالمة المصرية سميرة موسى والذي اتهمت راقية إبراهيم بالضلوع فيه، وليس في حفاوة الحوار بالنجمة ما يوحي بأي شعور سلبي، فما الذي حدث بين عامي 1953 و1974؟ ومتى بالضبط وجهت تلك الاتهامات ضدها، ولماذا؟ وكيف تناولتها الصحف؟ وكيف تفاعل الجمهور مع تلك الاتهامات؟ وهي أسئلة تشكل إجاباتها الإطار اللازم ليس للتحقق من صدق/كذب هذه الاتهامات فحسب، وإنما تساعد أيضًا على فهم الكيفية التي تغيرت بها نظرة الجمهور إلى فنانيه اليهود، والتي يؤكدها تصديقه تلك الشائعات، وتبنيه لكثير مما احتوت عليه من معلومات مغلوطة حتى اليوم، أو قبل ما يكشف غريب عن زيف كثير منها في كتابه.

كاميليا ملاك وشيطان

من جهة أخرى، يبدو جديراً بالانتباه ما أورده المؤلف من مادتين مستعادتين عن كاميليا، تخص الأولى تقريراً أعدته الكواكب بعد وفاتها يتضمن حديثًا مطولًا مع أمها عن حياتها، والأخر لمقال كتبه زكي طليمات بعد رحيلها، وفي حين يكرس محرر الكواكب موضوعه لأسطرة أيام كاميليا الأخيرة والتأكيد على ملائكيتها وأصلها “الطيب”، يخسف طليمات بهذه الأسطورة الأرض، ولا يذكر إلا كل ما يدل على وصوليتها وضآلة حجم موهبتها ووعيها.

واللافت هنا ليس في حقيقة/ زيف التفاصيل التي ذكرها كل من الكاتبين ليؤكد ما ذهب إليه من تصور، وإنما في ما يقوم به هذا التجاور من خلخلة لشعار “اذكروا محاسن موتاكم”، الذي يرفع مع رحيل أي فنان مشهور، والنزعة الأخلاقية التي تواجه أي خطاب سلبي حول أداء ذلك الفنان وحجم موهبته الحقيقي احترامًا لموته، أو اتهام الرأي الناقد له بعد رحيله بالجبن لعدم مواجهة الشخص المشهور في حياته، لكن ذلك كله يتلاشى بينما نطالع الصورتين التي تعكسهما كلا المادتين، وأهميتهما في استخلاص صورة أوقع عن قيمة كاميليا كفنانة، وإشكالية وجودها كشخص فاعل ومرتبط بالوسطين الفني والسياسي في تلك الفترة، فالموقف السلبي تجاه أي ظاهرة دائمًا وإن ثبت خطأه، أفضل من الاحتفاء المضلل، لأن الأول يحرض دائما على المساءلة، وتلك فضيلة تضاهي مراعاة جلال الموت.

النجاة من الحذف

وعلى الرغم من شبهات العمالة التي طالت كلاً من كاميليا وراقية إبراهيم، فإن أياً من أفلامهما لم تتعرض للإتلاف أو التغييب، وهو أمر يبعث على التساؤل، فالسلطة السياسية التي شوهت فيلمًا ثم طمسته فقط لاحتوائه على أوبريت يتعرض لذكر الملك الفاروق بـ”الخير”، بحسب أشرف غريب، الذي يوثق ما قامت به أجهزة الدولة تجاه أوبريت ليلى مراد الخاص بفلسطين، لاحتوائه على بيت شعري يقول “شعب فاروق العظيم قدموا عون الكريم”، لم تتحرك ضد أي من أفلام راقية إبراهيم أو كاميليا، ويصعب اعتبار ذلك نوعًا من المراجعة الفكرية التي قامت بها السلطة تجاه المنع، إذ يبدو أسلوب المنع والحذف كعقيدة راسخة لدى أجهزتها منذ 1952 وحتى الآن، وهو أمر لا يخفى على القارئ.

بيد أن ذلك لا يكفي وحده بالطبع لأن يكون دليلا على براءة راقية إبراهيم وكاميليا من التهم المنسوبة إليهما، وفي الوقت نفسه لا يبدو أن في تقديم ما يثبت إدانتهما أو يبرأهما، فائدة لقارئ يتقصى فهم طبيعة تحول العلاقة بين المجتمع وإحدى طوائفه، ويؤرقه في الوقت ذاته ما يقدمه الكتاب من حقائق تفند كثير من الإشاعات التي لا يستطيع الإلمام بأطر إنتاجها.

  • صدر الكتاب عن مركز الهلال للتراث الصحفي.
  •  المادة المصورة من الأرشيف الصحفي للكاتب أشرف غريب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*