ما الذي يزعج فيلتمان في السنة والشيعة؟.. جنبلاط يجيب

منير الربيع|الإثنين04/12/2017

Almodon.com

هدف جنبلاط توفير الظروف لعودة الحريري وتعزيز العهد (Getty)

كان جيفري فيلتمان، السفير الأميركي السابق في لبنان، والنائب الحالي للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، أحد أبرز داعمي قوى ثورة الأرز. يتهمه كثيرون بأنه ورّطهم في الأحداث التي أوصلت إلى أحداث 7 أيار 2008، واستلام حزب الله لبنان سياسياً بشكل كامل بعدها. إذ كان فيلتمان يغدق الوعود الأميركية الداعمة لقوى 14 آذار، لمواجهة حزب الله وسحب سلاحه. لكن قبل أيام، خرج فيلتمان بموقف سياسي مناقض لما عرفه اللبنانيون، موجهاً انتقادات عنيفة للمملكة العربية السعودية على خلفية سياستها الخارجية، وآخرها ما فعلته في لبنان. شبّه البعض تقلّبات الرجل بتقلّبات النائب وليد جنبلاط، الذي كانت تربطه به صداقة متينة.

يقول فيلتمان: “لا أعرف ما الذي جرى مع سعد الحريري في السعودية. لكن، ما نراه اليوم وحدة عجائبية بين السنة والشيعة في لبنان كانت مفقودة لعقود مضت. وهذا ليس من مصلحة السعودية. وإذا كان ما حصل لا يخدم مصالح الرياض، فهو حتماً لا يخدم مصالح واشنطن التي بدّت، ولو مؤقتاً ضمن اجماع دولي، الاستقرار الأمني والمالي في لبنان على محاصرة حزب الله”. إذن، موقف الرجل واضح: الاستقرار أهم من مواجهة حزب الله والضغط عليه. وغالباً ما كانت واشنطن تتذرّع بالاستقرار لإفشال أي محاولة سعودية لإحداث توازن مع إيران، سواء أكان في لبنان أو في غيره.

الموقف الأخطر لفيلتمان تمثّل في قوله إن “وحدة السنّة والشيعة في لبنان ليست من مصلحة السعودية”. ليس معروفاً السياق الدقيق لهذه العبارة، وإذا كان الرجل يعبّر صراحة عما يريده كأميركي، وليس من موقعه الحالي، وهو أن يبقى الصراع السنّي- الشيعي قائماً في لبنان، مع تسجيل انتقاد لما فعلته السعودية وأدى إلى توحيد السنّة والشيعة، وزيادة التقارب بين الحريري وحزب الله.

افترق جنبلاط عن فيلتمان في السياسة، بعد 7 أيار 2008. مواقف متعددة سمعت على لسان جنبلاط ترجع سبب ما حصل إلى الأميركيين، وفيلتمان تحديداً. هذا الافتراق تجلّى مجدداً في اغتباط جنبلاط بالوحدة التي أنتجتها الأزمة الأخيرة، واستكملها برسائل إلى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، يدعوه إلى الحوار مع إيران، بدلاً من المواجهة العسكرية التي تؤدي إلى استنزاف السعودية وشعبها وثرواتها، مقابل تحريض البعض من أجل تمرير صفقات الأسلحة.

يحكي جنبلاط عن معاناة عاشها مع الأميركيين الذين يغدقون الوعود، ولا يقدمون على أي خطوة عملانية، معتبراً أن التحريض الأميركي للسعودية بوجه إيران، يخدم إيران وحدها، في ظل غياب أي استراتيجية أو رغبة أميركية واضحة في محاصرة إيران وتمددها.

في المفاوضات للوصول إلى إتفاق نووي بين إيران والغرب، كان فيلتمان أكثر المتحمّسين. وهذا ما أظهر الهدف الحقيقي لدوره في إذكاء الصراع، في المنطقة، والذي أدى منذ اجتياح العراق إلى تسليم المنطقة بالتدريج إلى طهران. وفي الإطار نفسه، جاءت مواقف جنبلاط أو نصائحه إلى السعوديين، وسعيه إلى اسقاط مشروع الانقلاب على الحريري، وتوفير عودة آمنة له. وهو يبذل جهداً مضنياً للوصول إلى تسوية تعزز النأي بالنفس.

أولى إشارات جنبلاط الأساسية، التي تلقّفها الحريري، كانت تحييد ملف سلاح حزب الله عن النقاش. يعتبر جنبلاط أن هذا فخّ جديد أريد نصبه للبنان واللبنانيين، لأن إثارة النقاش حوله تعني تعقيد المسألة مع الحزب، الذي لن يقدم أي تنازل في هذا المجال. بالتالي، فإن نتيجة هذا النقاش كانت ستؤدي إلى ضياع التسوية، وفرصة التوافق على النأي بالنفس. وهو سيؤدي إلى تشدد الحزب أكثر في الداخل، وتكرار سيناريو مشابه لـ7 أيار، بطريقة سياسية.

الفكرة المعتادة واضحة: تصعيد في وجه الحزب بلا أي أفق أو نتائج، يؤدي إلى تشدده في الداخل، والإمعان في سيطرته. وهذه المرّة كانت محاولة التصعيد في وجه الحريري نفسه، لاستدراجه إلى موقف آخر، تمثّل في استفزاز الحريري بطرح إسم شقيقه بهاء للاضطلاع بدور سياسي، لاستدراجه إلى تصعيد عنيف في وجه الحزب، خوفاً على زعامته. لكن، جنبلاط عرف كيف يلتف على ذلك.

لماذا التقى مدير مكتب بهاء الحريري، صافي كالو، جنبلاط وحده دون غيره؟ الجواب بسيط: كان يعتبر أن طرحاً من هذا النوع يحتاج إلى البدء من مكان ما، ولا أحد سيكون قادراً على توفير رافد لذلك سوى جنبلاط بموقعه ورمزيته. لكن، جنبلاط قرأ ما بين السطور وسحب الفتيل بطريقته، لأن أي إثارة لملفّ كهذا ستؤدي إلى كارثة في الساحة السنية وداخل بيت الحريري. ما سينعكس على لبنان ككل. لا جواب عمن هو صاحب فكرة بهاء. ووفق المعطيات، فإن السعوديين لم يكونوا على علم بها،. فيما هناك من يعتبر أن الأمر أستخدم للتهويل.

يلتقط جنبلاط إشارة لافتة من حصر الحريري بأنه زعيم السنّة. فهو يعتبر أنه رئيس وزراء كل لبنان، ولا يجب حصره بأنه سنّي، لأن ذلك سيعزز منطق التشنّج المذهبي، وسيؤدي إلى مزيد من التصعيد. هنا، أيضاً اختلاف واضح مع توجهات فيلتمان الضمنية. المبدأ الأساسي بالنسبة إلى جنبلاط، توفير الظروف لعودة الحريري الآمنة وتعزيز العهد. وهذا يرتكز تنازلات متبادلة.

لم يهدأ جنبلاط طوال الأيام الماضية، وهو اضطلع بدور على خطّ الرئاسات الثلاث للوصول إلى إنتاج نظري لحلّ المأزق الحالي، وتوفير عودة آمنة للحكومة. المهم بالنسبة إليه، هو الخروج بموقف واضح يتضمن النأي بالنفس، وإصدار قرار في ذلك، ربطاً بموقف حزب الله الذي أعلن الاستعداد للانسحاب من العراق، والابتعاد عن اليمن، وحتى اتخاذ قرار يخصّ الوضع السوري، لأنه إذا أعلن نظرياً الانسحاب من هذه الميادين، فلن يقف أحد على الحدود، لتعداد المقاتلين العائدين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*