ماذا يخفي كلام الجبير من نيات حيال لبنان و”حزب الله”؟


سابين عويس
النهار
04122017

لم يكن جديدا كلام وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في منتدى الحوار المتوسطي المنعقد في روما قبل يومين عن ان “حزب الله” يستخدم المصارف اللبنانية، اذ ليست المرة الاولى يتناول رئيس الديبلوماسية السعودية المسألة المالية في لبنان. فهو أثاره قبل أسبوعين تقريبا في مؤتمر صحافي مع نظيره الإسباني الدفونسو كاستروتشو لوبز في ١٧ تشرين الثاني الماضي عندما صرح بأن “لبنان لن ينعم بالسلام الا بنزع سلاح حزب الله، وان الحزب اختطف النظام المصرفي اللبناني ويقوم بتهريب الأموال والمخدرات، وهذا امر غير مقبول”.

والمفارقة ان هذا الكلام، على خطورته، مر مرور الكرام آنذاك ولم يستوقف ايا من المسؤولين في لبنان، كما حصل مع الكلام عينه الصادر مجددا عن الجبير، ربما لان السلطات اللبنانية فاتها الكلام الاول، ولم تتلقفه يومها.

وخطورة الكلام تكمن في تكراره مرتين في فترة لا تتجاوز أسبوعين.

فعندما قال الجبير كلامه من العاصمة الاسبانية قبل أسبوعين، كان لبنان لا يزال أسير الغموض المرافق لأزمة استقالة رئيس الحكومة.

اما المناسبة الثانية التي دفعت الجبير الى الكلام، فكانت في روما، حيث جدد موقف بلاده من سيطرة “حزب الله”، ومن قيامه باستعمال النظام المصرفي اللبناني لعملياته، بما أكد أن الموقف السعودي لا يزال في مربعه الاول، ولم يتجاوز التداعيات التي اعقبت الاستقالة المريبة للحريري، وردود الفعل العربية والدولية التي رافقتها.

لا يقف كلام الجبير عند استهداف “حزب الله”، في سياق المواجهة الإقليمية المستعرة بين الرياض وطهران، بل يذهب ابعد في استهداف القطاع المصرفي اللبناني، في توقيت سيّئ جداً، يتزامن مع قرب اقرار قانون العقوبات الاميركية الجديد ضد الحزب، ومع مرحلة من الاضطراب الداخلي نتيجة تداعيات الاستقالة على سوق القطع، واضطرار المصرف المركزي الى التدخل لتخفيف الضغط عن العملة الوطنية وعن حركة الطلب على التحويل من الليرة الى الدولار. ولا يمكن ان نغفل في هذا المجال الإجراءات الوقائية التي اضطر المركزي الى اتخاذها وأدت الى رفع بنية الفوائد بعد فترة من الثبات والاستقرار، لترتفع معها كلفة الدين العام.

وقد جاء الاحتواء لتداعيات كلام الجبير، عاجلا من خلال مسارعة السلطة النقدية الى نفيه، فضلا عن مبادرة قيادات سياسية الى نفيه بدورها. وبرز كلام لافت لرئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع يرد فيه على الكلام السعودي، في ما بدا انه يأتي في سياق تصفية حساب سابق بين “القوات” وحاكم المصرف المركزي، سعى جعجع من خلاله الى تبرئة صفحة “القوات” مع الحاكم بعد الكلام المثير لنائب رئيس “القوات” النائب جورج عدوان في مجلس النواب، والداعي الى التدقيق في حسابات المصرف المركزي.

لكن المعالجة الفورية لموقف الجبير من خلال التطمينات الصادرة عن اكثر من سلطة سياسية ونقدية، لا يقلل من حجم الكلام ومخاطره، خصوصا إذا ما وُضع في الإطار المقصود منه، والذي يأتي ضمن سياسة المملكة المستهدفة للحزب بكل أذرعته، السياسية منها والعسكرية والمالية. وقد بلغ القلق أحد المراجع السياسية الذي اعتبر أن كلام الجبير بمثابة اعلان حرب مالية على لبنان، متسائلا كيف سيتعامل لبنان الرسمي مع هذا الكلام، بعد كل الجهود المبذولة للنأي بالبلاد عن الصراع الاقليمي المحتدم؟

وتلاقي مصادر سياسية اخرى هذه المراجع في قلقها مشيرة الى ان مثل هذا الكلام يُخرج لبنان مجددا من سياسة النأي التي يسعى جاهدا الى التزامها، لافتة الى ان الإعلان السعودي يأتي عشية عودة رئيس الحكومة عن تريثه وعن استقالته تاليا، تحت شرط أساسي هو النأي بالحكومة عن الصراعات في المنطقة وعدم التدخل في شؤن الدول الاخرى. فكيف ستتعامل الحكومة مع اتهام الجبير الذي لا يطال “حزب الله” الشريك في الحكومة فحسب، وإنما القطاع المصرفي اللبناني؟

قبل اشهر قليلة، وعندما كان الوفد النيابي اللبناني في واشنطن (أيار ٢٠١٧) يحاور الأميركيين حول مخاطر صدور قانون عقوبات جديد ضد “حزب الله”، فرضت الادارة الاميركية أولى العقوبات المتصلة بالارهاب على نحو مشترك مع السعودية، فأدرجت رئيس المجلس التنفيذي في الحزب هاشم صفي الدين على لائحة العقوبات، وأكدت المملكة يومها أنها«ستواصل مكافحتها النشاطات الإرهابية لـ «حزب الله» ومن يساهم في تقديم المشورة لتنفيذها بكل الأدوات القانونية المتــاحة، كما ستستمر في العمل مع الشركاء في جميع أنحاء العالم في شكل فاعل للحد من نشاطـــات «حزب الله» المتطرفة.

والسؤال اليوم بعد كلام الجبير، هل لبنان مقبل على تصنيفات جديدة تعتزم السعودية إصدارها في إطار حربها على الحزب؟ وما هي قدرته على تحمل تداعياتها؟

لا شك ان جواب الحاكم رياض سلامة الذي فند فيه التزامات لبنان وامتثاله، يؤكد ان القطاع المصرفي بعيد عن تحمل تبعات الكلام السياسي للجبير، كما ان كلام جعجع، وهو الآتي من ركن أساسي في المحور السعودي، لا يوفر الغطاء للموقف السعودي، بل على العكس يرفضه.

ولكن هذا قد لن يلغي المحاولات الجارية لادخال لبنان مجددا، من باب العقوبات المالية، في نفق الأزمة!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*