ماذا لو تبنى مشروع التطوير التربوي في لبنان فكر المطران غريغوار حداد وعملَهُ في خدمة المجتمع؟

روزيت فاضل
النهار
12022018

العنوان مثير للغاية ومقلق لكثيرين. طرح مربك لمن لا يعرف فكر المطران غريغوار حداد المبني على اعتناق الحرية، فعلاً وقولاً، كما بشّرنا بها يسوع المسيح.

ما العلاقة بين التربية وتطويرها في لبنان وبين فكر حداد القائم على خدمة المجتمع اي الآخر؟ محور جديد أضافته الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية على “قائمة” سلسلة حلقاتها الحوارية، التي تعني جمهورها الضيق والواسع في مقرها في شارع الحمراء.

الشباب والحرية .. و وقفة وداعية عند رحيل غريغوار حداد.( النهار).

الحياد الإيجابي تجاه الأديان  

بعد إستعادته ملامح الفكر التربوي لغريغوار حداد، لا سيما في التربية على المواطنية وخدمة المجتمع، أظهر الدكتور علي خليفة “كيف يمكن تأصيل هذا الفكر المتحور عن العلمنة في السياق الإجتماعي اللبناني” مشيراً الى أن “الـ”عَلمانية” (بفتح العين كما كان يصر غريغوار حداد دائمًا!) تعطي قيمة للعالم والإنسان وعناصرهما ومقوماتهما دون اللجوء الحتمي إلى قيمةٍ أخرى (الله – الروح…) ولكن أيضًا دون رفضها أو محاربتها”.

العلمانية بفتح العين.( النهار).

واستطرد خليفة أن “العلمنة في لبنان هي مشروع رائد وضروري، في السياق الاجتماعي كما في التطوير التربوي، واقترح أن تكون تجسيدًا لمفهوم العلمانية الشاملة ذات الحياد الإيجابي تجاه الأديان”. واعتبر أنها “نظرة شاملة للعالم (المجتمع والإنسان والفكر) تؤكد استقلالية العالم بمقوماته وأبعاده وقيمه وسلوكيته تجاه جميع المذاهب الدينية أو اللادينية والفلسفات على أنواعها، نظرة تتطلب الممارسة الفعلية ولا تكتفي بالأفكار التجريدية البحتة، الاستقلالية تعني أن للعالم قيمة ذاتية فعلية”.

اللامساواة في الحقوق

العدالة مدخل للمساواة.( النهار).

ثم انتقل خليفة إلى نقد المقاربات الفارقية للمواطنية الرائجة حاليًا على أجندة التطوير التربوي على قاعدة الوعي الديني وتحولاته في مقابل المقاربة المدنية للمواطنية التي كان ليؤدي إليها استلهام الفكر التربوي عند غريغوار حداد”. وفي حديثه عن فكر المقاربة الإنعزالية ، أوضح خليفة أن “جذورها تعود إلى زمن المتصرفية، وتُبرز لبنان كيانًا منعزلاً عن محيطه، متمايزًا في إدارته الداخلية، وتتطابق فيه خارطة الاحتكارات الطائفية مع خارطة توزيع الصلاحيات السياسية والامتيازات الاقتصادية… وقد سقطت هذه المقاربة فعليًّا خلال الحرب الأهلية وسقط مشروعها السياسي المتسق باتفاق 17 أيار”.

آمن بالإنسان وبكل تجرد .. ورحل .( الانترنيت)

قال:” لكن بقيت بعض الأصوات تعلو بين الفينة والفينة في محاولة لاستعادة هذه المقاربة وأجوائها وأدبياتها،وهي تتماهى مع خطابات بعض الجهات السياسية اليوم، فيما المقاربة التوافقية تقوم على التمييز في الحقوق، حقوق الجماعات قبل حقوق الأفراد، لا سيما السياسية منها والمدنية تحديدًا مع تعددية أنظمة الأحوال الشخصية أو حتى تحديد التمثيل النيابي وتقسيم الدوائر بما يراعي المجموعات الطائفية الدينية ولا يهمشها، ولكن لا يراعي المساواة بين المواطنين كأفراد”…

أنماط الديموقراطية

الديموقراطية … والحرية مرادفان لغريغوار حداد .( النهار).

وشملت الدراسة إحاطة “بكتابات أنطوان مسرة الذي حاول، بحسب خليفة، تلميع هذه المقاربة بأشكال مختلفة مؤداها تأجيل الخوض في إلغاء الطائفية السياسية ورفض اعتبارها ولّادة المشاكل والأزمات”. استند أيضاً الى أدبيات الأب سليم عبو اليسوعي، الذي بنى نموذجًا أسماه المقاربة الفارقية للمواطنية وهي قائمة على التمايز في الحقوق الفردية بين المواطنين اللبنانيين والمناداة بحقوق الجماعات الطائفية مع استعادة عناصر في الثقافة من المقاربة الإنعزالية ووضعها تحت عنوان التوافقية، كالتسويق لثقافات مختلفة على قاعدة التعدّدية الدينية وتحول الوعي الديني إلى وعي ثقافي، اجتماعي (قومي؟)…”

المقاربة المدنية

خليفة ملقياًُ محاضرته.

وعاد خليفة إلى آرندت ليبهارت في بحثه في أنماط الديموقراطية وتطرقه بالفعل إلى النمط الديموقراطي التوافقي، ولكن ما يغفله الباحثون عندنا، بحسب خليفة، هو أن أنماط ليبهارت جميعها لم تنتقص من الحقوق الفردية للمواطن، كما السياسة التوافقية في لبنان، وهنا المشكلة الكبرى”… وحسم خليفة في ضرورة الانتقال إلى زمن تربوي آخر، معتمدًا على خلاصات كتابات ناصيف نصار الذي ذهب بشكلٍ جذري إلى ضرورة اعتماد المقاربة المدنية، ولاحقًا أدونيس العكره الذي لم يرَ في النموذج التوافقي أكثر من حالة انتقالية”.

حداد في لقاءات من الزمن الجميل . ( الإنترنيت).

وختم خليفة أن المقاربة المدنية، هي مقاربة المواطنية في المجتمعات الديموقراطية المعاصرة، حيث الهوية طبعًا مركبة ولكن حرية تحديد مكوناتها تعود للفرد ولا تفرضها الجماعة عليه ولا الدولة ولا العائلة (كما الانتماء الديني المعلن على سجلات القيد في لبنان)، ولا حاجة لكيانات وسيطة بين المواطن والدولة فلا يهمنا عندئذ الحديث عن حقوق للجماعات الطائفية في الوقت الذي نضمن فيه الحقوق ذاتها لجميع المواطنين كأفراد، كما أن الانتماءات متحرّكة ويعود للمواطن الفرد الانضواء فيها أو إشهارها”.

Rosette.fadel@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*