ماذا قال العَلَم في ساحة رابين؟

 


إلياس خوري
Aug 14, 2018

الموقف الأكثر بلاغة في تظاهرة يوم السبت 11 آب/ أغسطس في ساحة رابين في تل أبيب، التي دعت إليها لجنة المتابعة كان العلم الفلسطيني، الذي قال كل ما يجب أن يقال وأنقذ معنى التظاهرة
جاعلا منها احتمالا جديدا في النضال ضد الدولة العنصرية الصهيونية.

قيل لا يوجد أي جديد في هذا القانون، وهذا قد يكون صحيحا على مستوى الممارسة، فالفلسطينيون في إسرائيل يعيشون منذ سبعين عاما في ظل نظام تمييز عنصري نصف معلن. كل القوانين التي حكمت الفلسطينيين خلف الخط الأخضر من الحكم العسكري الذي استمر حتى 1966، إلى غيتوات المدن، إلى قانون أملاك الغائبين، إلى بدعـــة الغائبــين ـ الحاضرين، ومنع أهالي القرى المهجّرة الذين صاروا مواطنـــين في الدولة الصهـــيونية من العـــودة إلى قراهـــم، إلى ملاحقة اللاجئـــين المتسللين وإصـــدار الأوامر بقــتلهم، إلى التمييز في البناء والتعليم والحقوق، كلها تشير إلى أن دولة إسرائيل قامت على مبــدأين: طـــرد الفلسطينيين من بلادهم من جهة، وسحق من بقي منهم في بلاده من جهة ثانية. جديد القانون هو أنه يقـــونن العنصـــرية، ويجعلها سمة الدولة بشكل علني، ويؤسس لنظام فاشي في إسرائيل لن يتضرر منه الفلسطينيون وحدهم، بل اليهود الليبراليون أيضا.

من جهة أخرى، فإن هذا القانون الذي يعلن ضرورة دعم الاستيطان ويؤكد على ضم القدس، هو المقدمة الضرورية لضم الضفة الغربية، وقوننة صفة مواطن الدرجة الثانية أو المواطن الذي لا يمتلك حق المواطنة، تفاديا للخلل الديموغرافي الذي سيسببه هذا الضم. وهنا أيضا لا جديد، فالضفة الغربية تعيش في ظل الحكم العسكري منذ نصف قرن، والاستيطان الاستعماري ينهشها، لكن قوننة هذا الواقع هو جواب اليمين الإسرائيلي الحاكم على حقيقة أن الضفة الغربية يتم ضمها الآن، وأن على الفلسطينيين أن يكتفوا بمعازلهم وغيتواتهم المحاصرة.

الجديد هو أن إسرائيل جديدة تولد اليوم، إسرائيل القديمة التي أسسها اليسار الصهيوني كانت أكثر خبثا، إذ نجحت في إخفاء جرائمها في الهولوكست، فالعنصرية الأوروبية التي أسهمت في إبادة يهود أوروبا وجدت في إسرائيل غطاء لمشاريعها الكولونيالية من جهة، ووسيلة لغسل أيديها من الدم اليهودي بالدم الفلسطيني من جهة ثانية. لكن العالم الذي كان على بن غوريون أن يتحايل على حساسياته الإنسانوية على المستوى اللفظي انقلب رأسا على عقب، كما أن إسرائيل السكرانة بقوتها وسط انحلال عربي لا سابق له، تجد نفسها اليوم قادرة بل ومضطرة إلى كشف هويتها العنصرية، وإعلان نفسها دولة أبارتهايد، وآخر معاقل هيمنة الرجل الأبيض على مصائر الشعوب.

تظاهرة تل أبيب حملت تغييرا لافتا قاله العَلَم، فلقد أعلن الفلسطينيون هويتهم الفلسطينية في قلب تل أبيب، هذه الهوية التي جرى إخفاؤها أو محوها خلف عبارة «عرب إسرائيل»، وهي عبارة تحمل كل التباسات الحركة الوطنية في الداخل التي تحايلت بالهوية التي أعطيت لها من أجل البقاء. آن الأوان اليوم للإعلان عن الهوية البسيطة الموجودة في وجدان كل الفلسطينيين. وحين قال العَلَم هذه الحقيقة الصارخة، فإنه فرض منطقا جديدا ورؤية جديدة تطوي صفحة أوسلو وأوهامه وترد على الضم الزاحف وموت وهم حل الدولتين، من خلال مسألتين:
الأولى هي أن فلسطينيي الداخل هم جزء من الشعب الفلسطيني، هم وأهالي القدس والضفة وغزة والشتات شعب واحد. لقد قام وهم أوسلو بتقسيم الشعب الفلسطيني إلى شعوب، واليوم فإن استعادة الوحدة الفلسطينية صارت ضرورة من أجل استمرار المقاومة والصمود. وهذا يعني أن الخطوة الثانية الضرورية هي إعلان الإضراب العام في كل فلسطين وفي مخيمات اللاجئين، وتظاهرات حاشدة في كل الأمكنة، وتظاهرة مركزية فلسطينية إما في حيفا عاصمة الجليل أو في يافا المدينة الساحرة التي ابتلعتها تل أبيب.

الثانية هي بداية نقاش مفتوح من أجل صوغ رؤية فلسطينية تضع أفقا للنضال اسمه الدولة الديمقراطية العلمانية ثنائية القومية. المشروع الفلسطيني لن يكون دعوة إلى التفاوض الذي أثبت عقمه، بل هو دعوة لتأسيس رؤية نضالية جديدة هدفها تفكيك البنية العنصرية الدينية للدولة الإسرائيلية، وإعادة الأمور إلى نصابها، أي العودة إلى ألف باء المشكلة، هناك استيطان كولونيالي هو جزء من التوسع الغربي في بلادنا، يلبس عباءة الأساطير الدينية، وهناك شعب البلاد المهدد بالإبادة السياسية والطرد.
شعب البلاد، أي الضحية، هو من يمتلك أو يجب أن يمتلك الرؤيا لتفكيك العنصرية الصهيونية وقيادة النضال ضد الكولونيالية الإسرائيلية، وفتح الأفق الديمقراطي الذي هو الحل الأخلاقي والإنساني الوحيد للمشكلة.

هذه ليست دعوة إلى الحوار أو التفاوض مع الصهاينة، إنها دعوة للنضال والصمود والتحدي، نضال داخل الكيان من أجل دولة لكل مواطنيها، عبر تفكيك الطبيعة العنصرية للدولة وإلغاء قوانينها العنصرية وفي مقدمتها قانون العودة اليهودي، ونيل الفلسطينيين حقوقهم الفردية والجماعية، وعلى رأسها حق تقرير المصير.
ونضال من أجل تفكيك آلة الاحتلال والاستيطان في القدس والضفة الغربية وغزة.
ونضال من أجل العودة التي هي حق لا يمكن لأحد التنازل عنه.

نضال واحد مثلث الأبعاد، هذا ما قاله العَلَم الرباعي اللون المرفوع في ساحة رابين، عَلَم ٌ يلخص معاناة نكبة مستمرة منذ سبعين عاما، ويعلن أن المشروع الصهيوني لم ولن يأخذ شرعيته من ضحاياه، وأن هذه اللحظة العربية المنقلبة أو هذا التماهي الأمريكي مع الصهيونية الفاشية، سوف يشكلان حافزا إضافيا للصمود والعمل.
العلم الفلسطيني الذي ارتفع كان الإشارة الأولى بأن هناك ضرورة لبناء خطاب جديد، خطاب يؤكد على التحرر الوطني وعلى المساواة والعدالة، وأن الحق الفلسطيني هو الحقيقة التي يجب أن تشكل الأفق، وتؤسس لقيادة فلسطينية جديدة تزيح خيول أوسلو الهرمة من المشهد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*