ماذا تبقى من الشاعر الحائر والفيلسوف الثائر أبي العلاء المعري؟

 

عبد الباسط مرداس
Jan 12, 2018
القدس العربي

 

 

تجمعنا وبعض الشعراء العرب القدامى وشائج جمة، فأحياناً يُخيل إلينا أن بعضهم سيصاحبنا إلى مرقدنا الأخير. أصبح هؤلاء الشعراء الرئة التي نتنفس بها في هذه الأيام العصيبة التي تمر فيها أمتنا. نعيد قراءتهم علنا نجد فيهم سلواناً لذواتنا. وعندما ترمينا الأقدار في بُلدان تموت الحيتان من بردها، يصبحون قبساً نصطلي به في ليالينا الباردة. لا أدري لماذا يؤرقني هذه الأيام شبح أبو العلاء؟ فبيني وبين الرجل مسافات طويلة وقرون فاصلة. أراه يفارق محبسه الذي طال قرابة خمسين سنة ثم يرنو إليّ ويديم النظر. فأسرق النظر إليه وأقلبه، فالبصر والبصيرة، كما قيل، شيئان مختلفان.
رفعت له حجاب سمعي وأصغيتُ ثم ألقيتُ على شعره العميق النظر الثاقب وتأملتُ. تجولتُ بين الكتب فطالعني كتاب «مع المعري في سجنه» لمعري زمانه طه حسين، فجُبنا معاً في رحلة أدبية نصاحب فيها «الشاعر الحائر والفيلسوف البائس» نغوص في خواص نثره ومكنون أشعاره. تكاثرت في حقه الشهادات والأوصاف: ألمعي، حاد الذهن، ملتهب الذكاء. وحيكتْ في شخصه الأخبار والحكايات. قيل إن كل شيء كان ينطبع على لوح حافظته صغيراً حتى تنازعه الشك واليقين كبيراً، فتجاذبته في الليل البهيم الظنون واختلجت في صدره بالنهار الواضح الأمور. استوقفتنا أبياتٌ له ومقاطع من رسائله، فهِمْنا معه في حيرة من أمرنا فتركتُه مع طه حسين في الهجيع الأخير من ليلة باردة.
في بغداد نعتوه «بالإصطبل»، الأعمى بلغة أهل الشام، وفي المعرة لُقب برهين المحبسين، ابتأس وجزع ثم وجِد فكمد فنادى «كذب الظن لا إمام سوى العقل». لزم بيته مع خادمه، فأملى لزومياته ورسائله وكتبه، وساعده في كتابتها رجال أفْنوا فيه زمانهم. رسمته ريشة جبران المُرهفة، وفي خبر ظريف ذكره، من قبل، أبو محمد الإيادي بعدما زاره مع عمه فرآه قاعداً على سجادة لبْد وهو شيخ، قال: «دعاني ومسح على رأسي، وكنت صبياً، وكأني أنظر إليه الساعة وإلى عينيه، إحداهما بارزة والأخرى غائرة جداً، وهو مُجدر الوجه، نحيف الجسم».
قديماً تضاربت في شأنه الآراء وطالته الألسن وقامت عليه الدنيا المُتحجرة، وسلقته بألسنة حداد ووسمته بأبشع الصفات، فأصبح مُضغة في أفواه الجهلاء. لكنه واجههم بنقد أهوائهم وبكُل الأفكار والآلام التي خالجت صدره، فتوهموا فيه السوء ونصبوا له الحبائل، فوضعوا على لسانه أقوال الملاحدة، فنافح عنه ابن العديم في «الإنصاف والتحري في دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري». أما ابن كثير فرأى أنه «كان ذكياً ولم يكن زكياً»!
زار قبره القفطي سنة 650 هـ: «فإذا القبر لا احتفال به، ورأى عليه خُبازى يابسة، والموضع على غاية ما يكون من الشعث والإهمال «وردد الذهبي» نحواً مما حكى القفطي» مئة سنة بعد ذلك. وفي قرننا (2013) لم يسلم تمثاله من الهدم والتنكيل والتقطيع، كما لم يسلم النصب التذكاري لطه حسين من الفعلة الشنيعة نفسها. والآن وبعد قرابة ألف سنة تفصلنا عن غياب المعري نتساءل ماذا تبقى منه؟ شبحه الذي يؤرقنا، حرية آرائه، فكره الإنساني والفلسفي الجريء وفطنته وقلقه الراقيان. يتبقى كذلك ما قاله في شعره عن العقل والعلم والحياة، حتى إن كان هذا الشعر وليد ظروفه فنحن لا يمكن إلا أن نتفق معه في وصفه لأشكال من الجهل تتفشى في بعض شرائح مجتمعاتنا العربية ونردد معه:
ولما رأيتُ الجهل في الناس فاشياً
تجاهلتُ حتى ظُنَ أني جاهلُ
جهل تجسد فيمن يدْعون إلى التناحُر والسجالات المذهبية ويدعون الفضل وهم منه غُرباء:
فوا عجباً كم يدعى الفضلَ ناقصٌ
ووا أسفاً كم يُظهرِ النقصَ فاضلُ
أو حين يصف ساسة زمانه:
يسوسون الأمور بغير عقلٍ
فينفُذ أمرهم ويُقال ساسة
فأف من الحياة وأف مني
ومن زمن رئاستُه خساسة
كل هذه الأشياء وأخرى ستتحدى الزمان والمكان، حيث سيبقى هذا الشاعر الثائر محل اهتمام لأنه مِحك للنظر وقسطاس للعقل وقبس في الظلمة الحالكة المُهلكة التي نعيشها هذه الأيام. مات المعري فرثاه أكثر من ثمانين شاعراً، لكن أبا الفتح الحسن أصاب وأحسن عندما قال:
ما كنتُ أعلمُ وهو يُودعُ في الثرى أن الثرى فيه الكواكبُ تُودعُ
وعجبتُ أن تسعَ المعرةُ قبرَه ويضيقُ بطن الأرض عنه الأوسعُ
رحمه الله

٭ كاتب مغربي/ فرنسا

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*