ماذا بقي من قاهرة نجيب محفوظ؟

 

 

أسامة فاروق|الأحد09/07/2017
Almodon.com

في السبعينيات، وبالتحديد عام ثمانية وسبعين، صحب الروائي جمال الغيطاني أديب نوبل نجيب محفوظ في جولة في القاهرة القديمة، جاسا خلالها معا أماكنه الحميمة، وكانت إحدى المرات القليلة التي قام فيها محفوظ بهذه الجولة الواسعة في ذلك العمر المتقدم، ومنذ حادث عام أربعة وتسعين لم يطأ أرض الجمالية ومواقع صباه أبدا.


من حوانيت زقاق المدق


ولم يبق من مدينة محفوظ سوى بضع شوارع ومساجد ومقاه

نجيب محفوظ في مقهاه

مقهى الفيشاوي
بدأت الجولة من الحسين. في قلب الميدان توقفا للحظات، بدا وجه محفوظ هادئا مستكينا لتأثير الذكريات التي كانت تتوالى عليه كما يصف الغيطاني، تطلع إلى مبنى إدارة جامع الأزهر، وقال:

-هنا كانت مدرسة خليل أغا الثانوية..

وقال الغيطاني إن معالم الميدان تغيرت عدة مرات خلال السنوات القريبة، منذ أن أقدم أحد المحافظين على استصدار قرار بهدم الفيشاوي ومجموعة المباني القديمة التي كانت تجاوره، في وسط الميدان كانت ساعة الميدان، ثم أقيمت نافورة، عدلت، ثم أحيطت بحديقة، وفي نفس هذا المكان منذ حوالي ثلاثين عاما، كان موقف عربات سوارس التي تجرها الخيول، وتتجه إلى الدرب الأحمر
والحسينية.

إجابة الغيطاني تكررت كثيرا خلال الرحلة، التي مرت أيضا بزقاق المدق، وسوق الحمزاوي، وشارع المعز، وسبيل عبد الرحمن كتخدا، وميدان بيت القاضي حيث ولد محفوظ “كنت أتفرج على الفتوات يجيئون بعد معاركهم في الخلاء إلى قسم الجمالية، ومن حجرة صغيرة في السطح، كنت أرى مظاهرات ثورة 1919، ومظاهرات النساء من بنات البلد فوق العربات الكارو، وضرب الرصاص، وكانت المشاكل تبدأ بيني وبين أمي، كانت تشدني بعيدا عن النافذة، وكنت أريد الفرجة، خاصة على ضرب الرصاص.. كثيرا ما رأيت المظاهرات والجنود الإنكليز يتصدون لها هنا.. ما أكثر ما رأيت..”. تغيرت القاهرة كثيرا، ولم يبق من مدينة محفوظ سوى بضع شوارع ومساجد ومقاه، على طول الرحلة كان الغيطاني يراقب ملامح وجه أستاذه “لم أكن أريد أن أرهقه بالأسئلة” لكن كان واضحا أن مدينة أخرى أقيمت على أنقاض مدينته القديمة.

“يا سلام.. زمن!” يقول محفوظ في نهاية جولته، ويعلق الغيطاني: “لا أدري ماذا يجول في عقل كاتبنا الكبير، وأي صور بعيدة يستدعيها” لكن الغيطاني يعرف أن هذا المكان يوحي إليه بالكثير، وأنه ما من مكان ارتبط به في حياته، مثل الجمالية، والحسين، وبيت القاضي، وعلى الرغم من سكنه في مناطق أخرى من القاهرة، في العباسية وشارع النيل، إلا أنه لم يعكس هذه المناطق بنفس القوة التي صور بها الجمالية، التي دارت حولها معظم أعماله.. لكن أي قاهرة تلك التي سجلها محفوظ؟!

للإجابة على هذا السؤال عاد الغيطاني مرات بعدها لإعادة اكتشاف عالم محفوظ الروائي، لتلمس قاهرته التي رصدها في أغلب أعماله تقريبا، وللإجابة على أسئلة أخرى: إلى أي حد استطاع تجسيد القاهرة القديمة في أعماله؟ وهل تتطابق القاهرة الحقيقية في الواقع مع القاهرة كما تبدو في روايات محفوظ؟

الغيطاني وهو أحد أبرز من أرخو للقاهرة أيضا، رأى أن المنطقة التي تعلق نجيب محفوظ بها هي القاهرة القديمة، التي تعتبر أساس المدينة قبل أن تتسع وتتشعب في القرون التالية على إنشائها. وقبل رحيل الغيطاني بأعوام قليلة سجل برنامجا تلفزيونيا كاملا للإجابة على هذه الأسئلة، ولإعادة رسم المدينة القديمة التي سجلها محفوظ في أعماله.

أسئلة الغيطاني ارتبطت بالفرضية القائلة بإمكان رؤية أي مدينة مصرية أو عربية وفهمها من خلال السرد الروائي الذي أبدع عنها وخلالها، وهي الفكرة التي آمن بها معظم من عمل على روايات محفوظ، وأغلب الدراسات التي تناولت أعماله، أحدثها ما قدمه د. علي عبد الرؤوف في كتابه “مدن العرب في رواياتهم” الصادر مؤخرا عن “مدارات” إذ يرى أن المكان يلعب دورا بطوليا في أعمال محفوظ الذي ولد في الجمالية، التي أمدته برصيد إنساني ومعماري عمراني تأمل فيه منذ صغره تعقيدات الحياة الإنسانية وتجسيدها في المكان. ولذلك ظل محفوظ شديد التعلق بالمكان “حتى إنه كان يعاقب أبطال رواياته، أحيانا، على رغبة التمرد ومغادرة هذه الأحياء الثرية”!

بوعي كبير بالمستويات المتعددة للقاهرة، وبتاريخها المركب، يطرح المؤلف مدخلا سرديا نقديا للحديث عن القاهرة كخماسية مكانية انعكست أو يمكن استنتاجها من التحليل النقدي للأعمال الروائية المعاصرة، وهذه القراءات المكانية الخمس هي: القاهرة الإسلامية، ودونها محفوظ في “بين القصرين، والسكرية، وخان الخليلي” ويحيى حقي في “قنديل أم هاشم” وجمال الغيطاني في “خطط الغيطاني”.

أما الثانية وهي القاهرة الخديوية، فدوّنها محفوظ في “ثرثرة فوق النيل”، ورضوى عاشور في “قطعة من أوروبا”، وعلاء الأسواني في “عمارة يعقوبيان”، وبهاء طاهر في “قالت ضحى”، وخيري شلبي في “صالح هيصة”.

وهذه الأعمال التي اختارها المؤلف ترصد ملامح فترة طويلة من عمر القاهرة التي ولدت ونمت في إطار النطاق الجغرافي الذي يمكن أن نطلق عليه القاهرة الإسلامية أو قاهرة المجتمع الإسلامي التي أحيطت بالأسوار الدفاعية التي تتخللها البوابات أهمها باب النصر وباب الفتوح وباب زويله. هذه القاهرة في مرحلتها الأولى هي التي أنتجت الرصيد التراثي لعمارة المجتمعات الإسلامية وعمرانها وخاصة في العصور الفاطمية والأيوبية والمملوكية “وفي هذا السياق التاريخي كانت البنية العامة للمدينة عبارة عن مجموعة أحياء وكل حي هو وحدة مغلقة تترابط في ما بينها عن طريق شبكة متدرجة من الطرق، وأزقة تصب في حواري (عطفات) وتفضي بدورها إلى الشارع الرئيسي للحي (درب) وهو الذي يسمى الحي عادة باسمه ويتصل بالنهاية بالشارع الكبير ع طريق بوابة”.

بعدها قفزت القاهرة خارج حدود الأسوار، وظهرت لأول مرة أحياء عمرانية جديدة، وكان لهذه الأحياء ملامح واضحة وشخصيات متمايزة على الرغم من التقارب المكاني بينها، وأنتجت هذه الفترة ما أسماه المؤلف بالقاهرة الثالثة أو القاهرة اللا رسمية “العشوائية” التي “أنتجها اليأس من أي أمل في حياة أفضل لمجتمعات أسقطت من كل الحسابات”، وينقل المؤلف عن الناقد صبري حافظ قوله بأن هذه الأحزمة العشوائية التي نمت على أطراف القاهرة القديمة كانت وما زالت تجسد عملية حصار للمشروع التنويري الذي جسدته القاهرة الثانية، وانعكس على عمارتها وعمرانها، وتظهر هذه القاهرة في أعمال “قاع المدينة” ليوسف إدريس، “مالك الحزين، وحكايات فضل الله عثمان، وعصافير النيل” لإبراهيم أصلان، و”بيت النار” لمحمود الورداني.

هناك أيضا قاهرة أخرى أسماها المؤلف  بـ”ما وراء المدينة”، أو عمران الصحراء وفى هذا الجزء يستعرض أعمال: “الجبل” لفتحي غانم، و”واحة الغروب” لبهاء طاهر، و”أوان القطاف” لمحمود الورداني.

وأخيرا يحاول استشراف مستقبل المدينة أو ما بعد المدينة في ظل التحولات الكبيرة التي تجري لكنه للأسف لا يلتفت سوى لرواية واحدة في هذا الإطار وهى “يوتوبيا” لأحمد خالد توفيق، حيث تتبنى الرواية مدخلا مغايرا لجدلية العلاقة بين الإنسان والمدينة، فيطرح مؤلفها تصورا كاسحا لمنطق الحياة في مستقبل مصر “استخدم تداعيات فكرة انتشار المجتمعات المغلقة لتقديم معادلة مخيفة عن مصر في عام 2023” حيث عزل الأغنياء أنفسهم في مدينة ساحلية “يوتوبيا” يحرسها المارينز.

ويتساءل المؤلف في النهاية: هل يمكن أن تكون القاهرة قاهرة وقاسية على سكانها وأهلها في المستقبل؟ والإجابة تأتيه من الروايات أيضا، فلو أكمل قراءة الواقع الأدبي الآن سترد عليه روايات “عطارد” لمحمد ربيع، و”استخدام الحياة” لأحمد ناجي، على سبيل المثال، وفيهما تتجسد “الديستوبيا” في أوضح صورها، ففي الأولى تصبح القاهرة جحيما يوميا لسكانها من القتل العشوائي والخراب، وفى الثانية هلكت القاهرة تماما وبقيت 6 أكتوبر فقط شاهدة على ما جرى! حيث أصاب “الزلزال العظيم” القاهرة، فتهدم نصف المدينة وابتلعت التشققات نصف شوارعها وتحول الهرم الأكبر إلى ركام من الحجارة.. ضاعت معالم القاهرة، عمارتها، وأرشيفها، وبشرها، وتحولت مناطق كاملة من القاهرة الفاطمية والخديوية إلي صحراء.. مات ملايين البشر “وعاش الباقون يعانون ألم الفقد طيلة حياتهم”.

هذا بالطبع ملمح واحد من ملامح الكتاب، الذي يحاول الربط بين العمل السردي والمفاهيم المكانية للمدينة العربية بشكل عام، من القاهرة الى بيروت، ومن دبي الى الشام ومن عمان لتونس والجزائر، لكنه في هذا كله يركز على رؤية هذه العلاقة من منظور معماري وعمراني وتخطيطي، ومن ثم فإنه يسعى كما يقول مؤلفه لاستقصاء التحولات المعمارية والعمرانية في العقود الأخيرة، مع استيعاب أن العمارة والعمران لا ينفصلان عن الواقع الحضاري بمتغيراته الاجتماعية والسياسة والاقتصادية، ولأن الرواية نتاج علاقات تتفاعل في المدينة بكل ما تعنيه الأخيرة من مظاهر عمران، ونمط حياة واختلاط بين البشر وانفتاح على الآخر، فإن المدينة تبدو حاضنا لها من جهة وفضاء لسردها من جهة ثانية، “فضاء لأحيائها وأزقتها وشوارعها وحواريها، وأحلام ساكنيها وحكاياتهم، وشروط حياتهم وتفاعلهم وتآلفهم معها، أو اغترابهم فيها وعنها”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*