ماذا أحبّ اللبنانيون في الياس الهراوي؟

النهار
19092018

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف تحقيقاً كتب في “النهار” بتاريخ 24 تشرين الأول 1995، حمل عنوان: “ماذا أحبّ اللبنانيون في رؤسائهم وماذا كرهوا؟. الهراوي أعجبتهم مواقفه من المفاوضات والعلاقة مع سوريا وإنهاءه التمرد والميليشيات وأخذوا عليه انتخابات 1992 والغربة عن الشعب والغلاء والتنازل عن الصلاحيات والقرار”.

ماذا احب اللبنانيون وماذا كرهوا

بعد بشارة الخوري، كميل شمعون، فؤاد شهاب، شارل حلو، سليمان فرنجية، الياس سركيس، بشير الجميل، امين الجميل ورينه معوض… ماذا احب اللبنانيون وماذا كرهوا في رئيسهم الاستقلالي العاشر الياس الهراوي وعهده الذي مددت ولايته لثلاث سنوات؟. احب اللبنانيون في الهراوي وقف الحرب بين اللبنانيين وانهاء التمرد العسكري وحل الميليشيات، واعجبوا بموقفه من المفاوضات العربية الاسرائيلية واقامته علاقات مميزة مع سوريا. لكنهم اخذوا عليه وكرهوا في عهده التننازل عما تبقى له من صلاحيات، وتراجع مفهوم السيادة والغاء حرية القرار، وانتخابات 1992 التي عمقت الهوة بين الحاكم والشعب، وتراكم الديون وتفاقم الازمة الاقتصادية – الاجتماعية، والفشل في استقطاب المقاطعين وتحقيق المصالحة الوطنية، وعدم تمكنه من تنفيذ بنود اتفاق الطائف تنفيذا دقيقا. وقد جاءت هذه المواقف في شهادات قدمها اكاديميون وباحثون ومفكرون ومسؤولون نقابيون… ومواطنون. وفي ما يأتي نصها: ياسر نعمة الامين العام للاتحاد العمالي العام ياسر نعمة: “في رأينا ان الياس الهراوي بعد الطائف هو غير النائب المنتخب عام 1972. اوغل الهراوي في اللعبة الديموقراطية منذ ان رشح نفسه للانتخاب الرئاسي ضد الرئيس المرحوم رينه معوض. نحن نعتبر ان الايجابيات في عهد الرئيس الهراوي عدة وان السلبيات قليلة. فهو تصدى فورا لتسلم المسؤولية في ساعات حرجة جدا وفي حالة فراغ سياسي ومؤسفة تلت اغتيال الرئيس رينه معوض، في حين ان بعض النواب المؤهلين لتسلم الرئاسة استنكفوا عن هذا الامر لان المرحلة كانت مخيفة جدا. من هنا نقول ان الهراوي كان جريئا في ترشيح نفسه في معركة مضمونة، اكثر مما كان جريئا عندما خاض المعركة في وجه الرئيس معوض ونال فيها خمسة اصوات، احدها كان صوته. الوقفة الثانية، الجريئة والوطنية، اتخاذه قرار انهاء التمرد في بعبدا، في وقت كان لبنان في اشد الحاجة اليه، لان تأجيله كان مؤشرا لاستمرار الحرب والازمة. الايجابية الثالثة موقفه من المفاوضات اللبنانية – الاسرائيلية وفي المفاوضات العربية – الاسرائيلية، وهو الموقف الوطني والقومي الافضل الذي لا يزال مستمرا. تحمل الهراوي النقد وتابع عمله متابعة السياسي المحلي المحترف، وادار لعبة الازمة ادارة فريدة منذ توليه الرئاسة وقد تكون علاقته التي ساءت مع الرئيسين سليم الحص وعمر كرامي جزءا من هذه اللعبة – وتمكن من توفير الحضور القوي لنفسه في كل المراحل التي قضاها في ولايته التي تم تمديدها، وحافظ على علاقة مميزة بالرئيس السوري حافظ الاسد مما عاد بالنفع على لبنان. لكن في الجانب السياسي ايضا تبرز صورة اخرى للرئيس الهراوي، وهي انه يضيق باصحاب المطالب وتظهر عليه حالات الانفعال وردود الفعل، ولاسيما مع خصومه السياسيين المحليين. قد يتحمل اي خصم الا خصومه المناطقيين الذين خاضوا المعارك الانتخابية ضمن لوائح بعيدة عنه في الانتخابات الاخيرة. لم يول الهراوي المسألة الاقتصادية – الاجتماعية عنايته المطلوبة – ولم يتحقق على هذا الصعيد اي انجاز طوال السنوات الست الماضية. لقد توجهت اليه الحركة العمالية النقابية بمذكراتها وعرضت عليه معاناتها وقضاياها، لكنه ترك معالجة هذه الامور الى الحكومة والوزراء المختصين. لقد بدا لنا ان رئيس الجمهورية كان يتجنب الدخول في هذه القضايا، ومنها قضية المعلمين التي دخلت سنتها الثانية من دون حل، ومسألة الرتب والرواتب وغيرها من القضايا التي كان يفترض بالرئيس الاول ان يضع ملفاتها على مكتبه ويحللها وينجز ما يمكن انجازه منها وعلى رغم مسألة الفصل بين السلطات نعتبر ان رئيس الجمهورية هو المسؤول الاول وعليه ان يلتفت الى قضايا جميع اللبنانيين. ومن الملاحظات الكبيرة ايضا، الانتخابات النيابية التي ولّدت عقدا كثيرة لا يزال لبنان يعيشها حتى اليوم، اضافة الى ان الرئيس الهراوي لم يتمكن من انجاز المصالحة الوطنية الشاملة التي نص عليها اتفاق الطائف. لكن يجب لفت الانتباه الى ان الهراوي دخل لعبة الحكم دخول المقتنع بما اداه. واظهر لنا انه لم يمارس الا ما كان مقتنعا به. وهو حاول كثيرا ان يصالح الجميع على اساس الامر الواقع، لكنه لم يتمكن من ذلك”. حبيب مالك الدكتور حبيب شارل مالك (باحث زائر في معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى): “عندما استعرض عهد الياس الهراوي ارى مجموعة مآس نزلت بلبنان وترسخت فيه ومنها: خسوف عام للحريات، انتهاكات صارخة لحقوق الانسان، تجذر الوجود الغريب على ارضنا، تلاشي الحياة السياسية الطبيعية، تهميش للنخب، انتخابات نيابية مزورة عام 1992 اتساع الهوة السحيقة بين الشعب والحكم وفساد اداري لا سابقة له، فضلا عن الانهيار الاقتصادي والركود الملموس والتصحير الثقافي و”التطهير الاركيولوجي” للاثار في وسط بيروت ونحر البيئة و”عسكرة” القضاء والحبل على الجرار. امام هذا الارتهان الفاضح لسوريا، لا اجد في الياس الهراوي صفة واحدة للمديح”. باحوط جوزف باحوط (استاذ جامعي وباحث في الشؤون السياسية): “استغرب هذا السؤال اساسا، لان عهد الرئيس الهراوي لم ينته بعد ولم يقارب حتى نهايته ولا يزال في الثلثين الاولين من مدته، وكل محاولة لتقويم عهد رئاسي لم ينته بعد تنطوي على خطرين: الاول منهجي لان الفترة الزمنية الكافية لاضفاء المسافة التاريخية لم تنقض ولم تعط المعطيات والوقائع الكافية لاطلاق الاحكام. اما الخطر الثاني فسياسي، لان من المجازفة اعطاء رأي نقدي – وربما نقيض او معارض – عن حكم وعهد لا يزالان قائمين، ومحتفظين بقدرة لا بأس بها على معاقبة المعترضين و”الناقدين”. لكن اذا تجاهلنا هذين المحظورين، فماذا عسانا نقول؟ لقد سهل لنا اخيرا مجلس الوزراء مجتمعا وسائر نواب الامة – او معظمهم – عملية جردة حساب لعهد الرئيس الهراوي في شقه الايجابي. فجميعهم اسهب في تعداد مزايا هذا العهد ومحاسنه. ومن هنا لن نضاهيهم بالتأكيد. فهم اعلم وبالتأكيد ايضا فلن نزايد عليهم، فهم اقدر!”. اما لجهة السلبيات فسأختصرها في واحدة: انني اخشى ان يكون تعديل الدستور في الشكل الذي تم فيه كافيا لاغراق كل الايجابيات التي قد تقال في عهد الهراوي والغائها في حين انها تشكل – وهنا المفارقة – اساس الاسباب الموجبة للتعديل. لقد اعتلى الرئيس الهراوي السلطة الرئاسية عقب ازمة دامية في تاريخ لبنان، كانت من اهم اسبابها الاساسية، استحالة انتقال السلطة الرئاسية في شكل سلمي وطبيعي ودستوري. وقدر للرئيس الهراوي او لعهده ان يعيد الحياة الدستورية اللبنانية الى مجراها الطبيعي، وكان من المنتظر ان يبرهن للبنانيين ان مثل هذه الظروف والتصرفات ولت الى غير رجعة. من هنا كان من الافضل لو ان الرئيس الهراوي الذي ضحى بالغالي خلال عهده، وفي ظل الظروف التي تولى فيها رئاسته، ان يضحي مرة اخرى واخيرة ويظهر ممانعة اقوى تجاه الذين ناشدوه البقاء في السلطة. اخيرا، هناك ملاحظة “وقائية”، اتمنى ان تكون خشيتي “السياسية” حيال الاجابة عن السؤال خاطئة او باطلة، وان يظهر الهراوي رحابة صدر، وكالعادة، في تقبل تحفظي عن تمديد عهده. لذلك اتمنى، اذا سنحت لي الفرصة، ان اجيب عن السؤال ذاته بعد ثلاث سنوات، ان اتمكن من القول والتسجيل للعهد الحالي اعادته لهامش الحريات العامة وحرية الرأي، الذي بدا وكأنه يضيق في لبنان. ففي النهاية، انا اليوم، وكجميع المرتابين والمشككين، لا اطلب الا ان اتوب! حسين كنعان الدكتور حسين كنعان (استاذ محاضر في الجامعة الاميركية): “لا بد لنا من الاقرار بان هذا العهد انطوى على ايجابيات عدة. فالرئيس الهراوي اقدم على اتخاذ خطوات جريئة في ظروف عصيبة، ونجح في تحقيق تفاهم مطلق مع سوريا مما دعم الموقف اللبناني في مفاوضات السلام ازاء التعنت الاسرائيلي. الاستقرار الامني كان ايضا ميزة اساسية طبعت هذا العهد، وكذلك الاستقرار النقدي. اما القلق الاقتصادي الذي يسود حاليا، فلا يتحمل مسؤوليته الرئيس الهراوي، لانه ينبع من موقف دولي روّج له الاميركيون ويقول بعدم اتاحة الفرصة امام تنمية اقتصادية حقيقية في لبنان. واعتقد ان الهراوي لم يوفق ايضا في توطيد دعائم الوفاق الوطني وادماج المجتمع اللبناني، وآمل ان يتمكن من ذلك في السنوات الثلاث المقبلة”. الياس ابو عاصي الياس ابو عاصي (استاذ محاضر في كلية الحقوق في جامعة القديس يوسف): “ارغب في ان اركز على امرين: الاول، التساؤل عن قدرة رئيس الجمهورية على التأثير في الجمهورية الثانية بعدما انتزع منه دستورها صلاحيات كثيرة وقيّد حركته وضيّق هامش المناورة عنده الى حد الانعدام. والثاني، ان هذا العهد دقيق الى حد ان عناصر الفشل والنجاح تتساوى فيه. فعناصر النجاح متوافرة في المنجزات التي قام بها عنه الآخرون، على عكس ما يدّعيه اهل الحكم، فالحرب اوقفت، كما بدأت، بقرار اقليمي ودولي وليس بقرار محلي. ووقفها سمح للمؤسسات ان تعود فتنطلق، علما انها لم تتوقف عن العمل خلال الحرب، بل كانت مستمرة في حدها الادنى. وهذه العودة سمحت للعجلة الاقتصادية ان تدور مجددا. كل هذه الامور كان يمكن ان تشكل عناصر نجاح لو احسن استخدامها. اما بالنسبة الى الفشل، فالرئيس الهراوي “ارتقى سدة الرئاسة” ولم يتسلم مقدرات الحكم، لأن الدستور لم يبق له اي مقدرات ليتسلمها. حصل ذلك، فيما كانت اوصال الوطن مقطعة، وكل فئة “متمترسة” في منطقتها. لذلك، فان الذين اعتبروا انهم نجحوا، “طحشوا” وكأن البلد اصبح ملكهم، اما من اعتبر مهزوما – والهزيمة لم تكن على ايد لبنانية – فأخذ ينكفئ في انتظار فرصة افضل من خلال الديموقراطية. لكن الديموقراطية لم تتحقق والفرصة لم تسنح. اعتقد انه كان امام الهراوي واهل الحكم رهانان: – ان ينجحوا وتنال اعمالهم رضى الاكثرية المطلقة مما يكسبهم صدقية عند الرأي العام. – ان يتصرف رئيس الجمهورية بحسب الفقرة الاولى من الدستور التي نصت على انه رمز لوحدة لبنان بجميع فئاته، فلا يمكن ان يكون لكل لبنان في حين انه يعمل لفئة واحدة. لقد اعطيت له هذه الفقرة ضمن دستور 1990 مكافأة معنوية في مقابل انتزاع صلاحياته منه، لكنه لو تصرف على اساسها ومد يده الى المعارضة بعد تطبيق العدالة والمساواة والحرية والديموقراطية، لكان المقاطعون عادوا الى الوطن والنظام. ولو ان حكومة وطنية تشكلت وفق منطق الطائف الذي نحن اصلا ضده – ولو ان الديموقراطية وجدت في حدها الادنى، لما كان الرئيس الهراوي في حاجة الى رأي الناس في عهده ولكان الجميع اليوم دق الاجراس وهلل. احب في الرئيس الهراوي اسمه المطابق لاسمي، وقدرته على التكيف في الزمان والمكان وكل المواضيع، اذ ليس لديه اي احراج في ان يكون في “سبينس” او زحلة او رياق والفياضية، هذه صفات تفوق “البراغماتية”، فقدرة تكيفه مهمة، سواء اكان من موقع قوة او مغلوبا على امره وانا معجب بابتعاده، في نهجه الشخصي عن الاريستوقراطية. وهذه الصفة تجعله على مسافة قريبة من الشعب ويفترض ان يكون على بينة من معاناة الناس وطموحاتهم، وهذا ما لم يحصل. واحب ايضا في الهراوي انه لمس غياب صلاحيات رئيس الجمهورية (المادتان 56 و57)، الامر الذي جعله وكأنه في الاقامة الجبرية في بعبدا ومع ذلك فقد اقدم بشجاعة على القبول بالمهمة بعد اغتيال الرئيس معوض. فالهراوي، بما لديه من حنكة وخبرة سياسيتين، وبالحس و”الهمشرية” وبدعم سوري، استطاع ان يثبت بالممارسة ويعوض عما افقده اياه الدستور وهنا لا استطيع الا ان احيي هذا الموقف، ليس من منطلق ماروني تعصبي، بل من منطلق العلم السياسي. اما ما لا احبه فهو ان هذا العهد هو عهد الفرص الضائعة، اذ فشل في استقطاب المقاطعين، وفي اعادة دور لبنان الى الساحة الاقليمية. واكثر ما يحز في نفسي ان الهراوي تنازل طوعا عن الجزء اليسير مما تبقى له من صلاحيات، واذا لبنان مغيب كليا عن المفاوضات. وسيذكر التاريخ ان السيادة انحدرت في هذا العهد الى ابسط معانيها، كي لا اقول غابت كليا. وكذلك حرية اتخاذ القرار. والحاكم لا يتبنى التعليمات التي تملى عليه ويدافع عنها بشراسة. لقد بلغ القرار الحر عندنا دركا مزريا. ومن مفهوم علمي بحت، اقول انني لم اجد في تاريخ العلاقات الدولية وضعا مشابها لوضع الدولة اللبنانية، يتكلم فيه المسؤولون ليلا ونهارا عن الكرامة والحرية، وان المجلس سيد نفسه، فيما يعيش الوطن الوضع الذي نعرفه جميعا. لقد جرت ممارسات قمعية في عهد الهراوي، وكان يتم توقيف كل من كان يوزع منشورات للتعبير عن رأيه، خلافا للمواد 8-13-14 من الدستور. وابرز ثلاثة اخطار عرفها عهد الهراوي هي: – مرسوم التجنس الذي ضرب عرض الحائط بكل الاعراف والمفاهيم التي قام عليها لبنان، من توازن ووحدة وطنية، وعيش مشترك. فهو صدر بمرسوم وليس بقانون، مؤآمرة التجنيس لا تغتفر، كل امر قابل للاخذ والرد الا هذا الموضوع لانه بدا وكأن المطلوب تغيير هوية لبنان. – الانتخابات النيابية التي جرت عام 1992، اذ تم التوافق في الطائف على اجراء تعيينات نيابية تحصل بعدها الانتخابات على اساس المحافظة، بعد اعادة النظر في التقسيم الاداري. اعادة النظر لم تحصل، وتم خرق الطائف بعدد النواب وهُرّب القانون تهريبا. من هنا فرضت المقاطعة. فعندما نرى ان المجلس اداة طيعة، في حين يقول انه سيد نفسه، وعندما نقف امام موضوع التمديد، نعرف لماذا فرضت المقاطعة. – لقد مورست الديموقراطية بكثير من الكلام وقليل من الافعال. فلا يعتقد احد اننا مغشوشون بما يحصل، وهذه نقطة سوداء في سجل هذا العهد. – وما لا احبه ايضا انه يسمح للهراوي في تبني كل ما من شأنه ان يزعج فئة معينة، كانهاء التمرد و”تكسير الرؤوس”، في حين ان الايجابيات لا تنسب اليه. فلم اسمع احدا ينسب اليه الفضل في اعادة الاعمار. – تجربة “الترويكا” التي خرق الهراوي الدستور بها”. محمد حسين شمس الدين محمد حسين شمس الدين (كاتب سياسي): “أربع خصال محمودات يفترض ان تعجبني وسواي في رئيسنا الحالي، الذي مددت ولايته لثلاث سنوات اخرى. وهذا يعني ان الاعجاب قابل للتمديد ايضا – بالطبع من دون الحاجة الى تعديل دستوري.  أولى الخصال: الاقدام والجسارة. فهو، كرئيس للبلاد من الطائفة المارونية، اقدم بشجاعة زائدة، قد يصعب توافرها في ماروني آخر، على رعاية اربعة اجراءات غير عادية ذات ابعاد ونتائج خلافية: – انهاء تمرد العماد ميشال عون بالقوة في قصر بعبدا. واذا كان القصر قد تهدم، فقد – والحمد لله – اعيد بناؤه على احسن مما كان. لا بل اضيف قصران في عين التينة وقريطم لتعيش بعبدا في اجواء ما بين القصرين. – اجراء الانتخابات النيابية على النحو المعلوم على رغم المقاطعة الواسعة. ومع ان تلك الانتخابات انتجت خللا بنيويا في الحياة السياسية لا يزال يجرجر ذيوله، الا ان رئيس الجمهورية تصرّف على اساس ان التوازن الوطني مؤمن من خلال “توازن” العلاقة بين الثلاثة الرؤساء. – حل الحزب المسيحي الاول (حزب “القوات اللبنانية”). واذا كانت الطوائف الاخرى لا تزال تحتفظ باحزاب الحرب ذاتها، في احلى حالاتها، فلانها على ما يبدو “غير حضارية” بما فيه الكفاية. – تجنيس اكبر عدد من طالبي الجنسية في تاريخ الدولة اللبنانية. وقد جاء هذا الاجراء في غياب المصالحة الوطنية. ولكن بدا ان انصاف المحرومين من جنسيتهم اللبنانية المستحقة لا يحتمل التأجيل ريثما تتم المصالحة ويتوافر قدر كاف من الاطمئنان العام في البلاد.  ثانية الخصال: التواضع والبساطة. لعل رئيسنا الحالي كان اكثر رؤساء لبنان اتصالا بالناس واطلالة على الرأي العام. فتصريحاته ومشاركاته في الحياة العامة كانت غير محدودة، تضاهي اطلالات وزراء الاعلام ومشاركات وزراء الخدمات. ولعله، لشدّة تواضعه وتسامحه، ارتضى ان يبدو واحدا عاديا من بين ثلاثة في بدعة الترويكا – غير ان هذه “العادية” فيه، العائدة ربما الى طبائع ريفية زراعية، لا تحجب اشتماله على ميزة مركّبة هي عبارة عن خليط من دهرية كميل شمعون، على شيء من وداعة الياس سركيس، على قليل او كثير من بساطة سليمان فرنجية والرئيس ونبرته.  ثالثة الخصال: الصراحة الجارحة احيانا، ولكن غير المدمية. يكفي انه اخبر اللبنانيين ذات يوم بانهم لا يزالون قاصرين، لم يبلغوا سن الرشد. وعليه، ليس من شأن الرئيس ان يحمّل شعبه فوق ما يحتمل رشده.  رابعة الخصال: الاخلاص الشديد للعروبة السائدة. فقد بدا في هذا العهد وكأن المطلوب ازالة كل مظاهر الانانيات والبدع اللبنانية التي تجعل اللبنانيين متمايزين عن محيطهم العربي. فالكل سواسية كأسنان المشط، والفضل لمن سبق الى الانتظام في صفوف النظام. لذلك كله، على ما اظن، كان رئيسنا الحالي اول رئيس للجمهورية يناشده جمهرة الوزراء معا قبول التمديد لولايته. ويقال، والله اعلم، ان هذا المجلس النيابي منذور منذ البدء لمثل هذه المهمات الجليلة. واما الذي لا يعجبني فلا بد ان يكون في ما ورد آنفا، نظرا الى الحال الخلافية التي تستوي عليها لبنانيتنا”. محسن يمّين نقيب معلمي المدارس الخاصة محسن يمين: “شعراللبنانيون باستتباب الامن في كل المناطق اللبنانية وتنفّسوا الصعداء بعدما سكتت المدافع والغيت الميليشيات واعيد تنظيم مؤسسة الجيش. ولكن الوضع الاقتصادي والاجتماعي لم يشهد استقرارا، وظلت الطبقة الوسطى تعاني ازمة اقتصادية خانقة ادت الى اضعافها اكثر فاكثر. وبصفتي نقيبا للمعلمين، استطيع القول اننا نلنا في هذا العهد مطالب عدّة حرمتنا اياها العهود السابقة، وفي مقدمها تعويض نهاية الخدمة وبدل النقل”. مرسيل ابي نادر رئيس “جمعية حماية المستهلك” الدكتور مرسيل ابي نادر: “ان سلبيات عهد الرئيس الياس الهراوي اكثر من ايجابياته، ومن الانجازات القليلة التي تحققت، تجميد سعر العملة الاجنبية ووضع حد لتقلباته، فضلا عن تأمين استقرار اقتصادي نسبي وبدء مشروع اعادة الاعمار. اما السلبيات التي لاحظها كلّ اللبنانيين فاكثر من ان تحصى. لقد فشل هذا العهد في ترسيخ وفاق وطني حقيقي نص عليه دستور الطائف، وزادت الهوة اتساعا بين الطبقة السياسية والشعب الذي ما عاد يشعر انه معني بما يجري. الديون الخارجية والداخلية تراكمت، والضرائب تضاعفت وتضاعفت حتى بات الناس غير قادرين على تحملها. في بداية العهد، كانوا ينتظرون مساعدات من الخارج لتمويل مشاريع اعادة الاعمار، وعندما اكتشفوا انهم “بنوا قصورا على رمال”، لجأوا الى اموال الشعب وتناسوا ان اللبنانيين عانوا حربا طويلة اذاقتهم الامرّين، ليس فقط امنيا بل اقتصاديا واجتماعيا. الغلاء الفاحش سيطر على الاسواق من دون اي مراقبة جدية، حتى ان السياح الذين زاروا لبنان اخيرا قالوا ان بلدنا صار الاغلى في العالم بعد اليابان. في اختصار، احلام اللبنانيين كانت كبيرة بعدما وضعت الحرب اوزارها، ولكن ايا من هذه الاحلام لم يتحقق في عهد الرئيس الياس الهراوي”. عبدالله زخيا رئيس قسم البيئة في “الجمعية اللبنانية لحقوق الانسان” المحامي عبدالله زخيا: “ان ابرز الانجازات التي تمكن الهراوي من تحقيقها خلال الاعوام الماضية انه عمل على انهاء الحرب والغاء الميليشيات. ولكننا نسجل على عهده شوائب عدة. فالطائفية السياسة ترسخت اكثر فاكثر، وخصوصا في الرئاسات الثلاث. في هذا المعنى، سعى كل من الرؤساء الثلاثة الى اعطاء ابناء طائفته سلسلة امتيازات وهمّش المواطنين الذين ينتمون الى طوائف اخرى. الى ذلك، تعاملت السلطة مع الشأن الاعماري في شكل خاطئ. فهي اولت الجانب الاقتصادي اهتماما بالغا واهملت العنصرين البشري والبيئي. من هنا، لم تطبق الدولة ما يعرف بنظرية التنمية البشرية التي تقوم على دراسة انعكاسات اي مشروع اقتصادي على المستوى الاجتماعي. هذه الامور كلها جعلت المواطن يشعر ان ثمة تغييبا لدوره، واوجدت احساسا عند الناس ان لبنان صار مجموعة شركات وليس مجموعة مؤسسات. السياسة البيئية في عهد الهراوي كانت ايضا غير ناجحة، فتشييد المباني بقي عشوائيا، وكذلك قطع الاشجار وتلويث الشاطئ والهواء. اما الكسارات فوضع لها مرسوم حديث ولكنه لم يطبق”. علي الحسن الدكتور علي محمد الحسن: ما احببت فيه الواقعية وتجاوزه اعتبارات عدة. فلقد عادى الهراوي طائفته في سبيل فرض اقتناعات معينة، وتفهم تاريخ لبنان وجغرافيته في ما يتعلق بالعمل المشترك مع سوريا، فلا خلاص للبنان الا بالتقارب مع سوريا. وكرهت فيه كثرة الخطابات في كل المناسبات، وهذا الامر يضر بموقع الرئاسة الاولى. وكرهت ايضا هذا التمحور الذي نشأ في عهده وافسح في المجال للترويكا ان تنمو على حساب الديموقراطية. واخيرا كنت اتمنى على الرئيس الهراوي ان يختار فريق عمله من الاختصاصيين، لا من الاقارب والاصدقاء”. ليندا مطر ليندا مطر خبيرة اجتماعية: “احببت جرأته وصراحته في كل المواقف السياسية والاجتماعية اكان على حق ام على خطأ، فهو صريح جدا. لا مجال لان اكره شيئا فيه لانني لست قريبة منه، انا راضية عن تصرفاته العامة، فعلاقته مع الناس جيدة، واوافق على سياسته الخارجية لان بلادنا لن تتحرر من الاحتلال من دون التنسيق مع سوريا. وهذا الامر ليس قضية مفتعلة لانني اميز بين الوجود السوري والاحتلال الاسرائيلي، والى ان يزول هذا الاحتلال فلكل حادث حديث”. مواطنان وللمواطن العادي رأيه في هذا الموضوع فالسيدة جمال الطحطح (ربة منزل) قالت: “انهى الرئيس الهراوي حالة الحرب ودعم المقاومة الوطنية واصر على تنفيذ القرار 425 ودعم الهيئات والمؤسسات الاجتماعية واعطى المرأة دورا مميزا. وقد احب فيه اللبنانيون تنظيم الجيش ومحافظته على مقومات النظام الاقتصادي الحر. لكن اكثر ما كره اللبنانيون في عهده عدم تنتفيذ بنود اتفاق الطائف تنفيذا كاملا ودقيقا، وعدم تطوير ادارات الدولة وتحريرها من الصفقات والتسويات، وعدم القضاء على التسلط السياسي المزمن على الادارة مما ادى الى تفاقم العداء بين الشعب والدولة. واخذ اللبنانيون على العهد ايضا استبعاد لبنان عن المفاوضات وعدم تحريره من الضغوط الخارجية. اما السيد حسان شمعة (صاحب محلات شمعة للالبسة) فقال: “احب اللبانيون في عهد الرئيس الهراوي الامن والاستقرار وسطوة النظام وتطبيقه من دون تمييز”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*