ليس نيل الشهادات العليا «بالوكالة» جديداً. لكنه، غالباً ما كان يتم بـ«السرّ» عبر الأصدقاء والمعارف… أما اليوم فبات «مهنة» يُروّج لها، وتُفتح لها مكاتب، ويُجنّد لها «موظفون»، ويسوّق لها بـ«أسعار مدروسة».
تبدأ «الحكاية» مع «بوست» أو «تويت» على مواقع التواصل الاجتماعي، «يبيع» «مساعدة في الأبحاث الجامعية، ماستر ودكتوراه (…) دقّة وسرعة في العمل بأسعار مدروسة». رسالة ماجستير من هنا. دراسة من هناك، وأطروحة من هنالك… وتكرّ السبحة التي تكبر معها حيثية «البائع».
لا يتطلّب هذا النوع من «الشغل» حيازة شهادة ما أو إقامة دورات تدريبية في إعداد منهجية البحث. يكفي أن يكون لدى «البائع» وصول إلى المعلومات، بحسب أحد من يعملون في هذه «المهنة» منذ 15 عاماً. بدأ الأمر صدفة، من خلال مساعدة إحدى الطالبات في إعداد منهجية بحث لرسالتها. كانت تلك أول تجربة يجني منها «راتباً ونصف». رسالة بعد أخرى، حتى تمرّس في المهنة فترك مهنة التدريس وتفرّغ لكتابة الرسائل. في البداية، كان يساعد الطالب على كيفية كتابة المنهجية من خلال قراءة المراجع له وانتقاء ما يفيد منها، على أن يقوم الأخير «بالتوسع في ما أعطيه إياه من رؤوس أقلام وصياغتها، وكذلك الحال بالنسبة لفصول الدراسة تالياً». لذلك كان «السعر» يتراوح بين ألف دولار و3 آلاف، «ما عدا أسعار الكتب التي أشتريها كمراجع». سرعان ما اكتشف «المساعد» أن ثمة عطباً في عملية تعليم الطالب لمنهجية البحث، إذ «أن الكثيرين لا يعرفون كيف يصيغون منهجية. قد يقرأ أحدهم عشرين كتاباً من دون أن يستفيد منها أو أن يتحصّل منها على فكرة واضحة». هنا، صار التعب مضاعفاً: أن تعلّم طالباً جامعياً كيف يعدّ مخطط بحثه، في وقت يفترض أنه درس فصلاً كاملاً عن المنهجية، وأن تعيد صياغة ما كتب. هذا الجهد هو ما يحيل المساعد كاتباً للرسالة بحذافيرها، مع الحرص على «تحفيظ» الطالب خطوات العمل، كي لا يفشل في الصمود أمام لجنة المناقشة… إن وجدت.
ثمة «بائعون» كثر يعملون اليوم في هذا «الكار». بعضهم «تخصّص» بكتابة رسائل الماجستير، فيما وسّع آخرون عملهم ليشمل أطروحات الدكتوراه والدراسات البحثية. وهذه الأخيرة «مصلحة» تستدعي تشكيل فريق من «الباحثين». أحد العاملين في هذا المجال شكّل «مجموعة من الشباب المجازين، واحد في الآثار وآخر في العلاقات الدولية وثالث في التاريخ ورابع في اختصاص العلوم الاجتماعية…». مهمة الفريق التعاون على كتابة الرسائل، كلّ بحسب اختصاصه. ولكي تكتمل عدّة العمل، استأجر الفريق مكتباً للبحث في موضوعات الرسائل التي تصله والإستقرار على الإسم الأكفأ للمساعدة في كتابة تلك الرسالة، كما أنشأ موقعاً إلكترونياً. يتحدّث أحد أعضاء الفريق عن كفاءاته، فيقول «أنا مثلاً كل شي تاريخ قديم ومعاصر». في جعبته اليوم «رسالتا ماجستير وأطروحة دكتوراه». يحاول قدر الإمكان «المساعدة في الكتابة من دون الكتابة». ويشير الى أن «إحدى طالبات معهد الدكتوراه طلبت مني أن أكتب لها الأطروحة كاملة وبالسعر اللي بدي ياه، بس ما وافقت لأنه بالنهاية بدها تناقش لجنة وبدها تعرف حالها عن شو عم تحكي».
ثمة «بائع» آخر يبيع أفكاراً ومخططاتٍ فقط. لا يكتب رسائل كاملة بسبب «الحرمة الدينية»، كون ذلك مشاركة في الغش وشيوع للفساد. أضف إلى ذلك «أنا بكون عم ضرّ الطالب مش عم فيدو». بعبارة أسهل: «عم سيسر أمور الطلاب». يفعل ذلك ضمن الهامش المسموح له، «أي مساعدة لا تتعارض مع الدكتور المشرف»، مشبّهاً ذلك بـ«الدرس الخصوصي». وعلى شاكلة هذا الأخير، تكون التسعيرة «بحدود 50 دولاراً للساعة».
لكن، ثمة من يذهبون بعيداً الى حد كتابة الأطروحة «من الجلدة للجلدة». يؤكد أحد هؤلاء أنه كتب أطروحات دكتوراه لمستشاري سياسيين: «غالبية من يأتون يطلبون مني أن أكتب لهم ويقولون: حطّ الرقم يللي بدّك ياه». مردّ هذا «الكرم» هو الجهد الذي سيبذله في تحفيظ الطالب خطوات العمل، وفي جلسات مكثفة قبل يوم المناقشة لتدريب «الزبون» على «كيفية مواجهة أسئلة لجنة التحكيم».

«عدس بترابو»
ولكل من هذه المستويات تسعيرته. مثلاً سعر المخطط أو فكرة يتراوح بين «1000 و1800 دولار». أما كتابة رسالة الماجستير «فلا تقل عن 4 آلاف أو 5 آلاف دولار». وهذه الأخيرة تختلف أيضاً بحسب «الزبون، فطالب الجامعة الخاصة المرموقة يدفع بين 5 آلاف و6 آلاف دولار». هذه القيمة بدل أتعاب 80 إلى 100 صفحة. أما سعر أطروحة الدكتوراه فيتراوح بين 10 آلاف و15 ألف دولار، بدل «جهد يتطلب وقتاً طويلاً وكتابة أطول، أي بحدود 400 صفحة».

«بائعون» كثر يعملون في هذا «الكار» بعضهم «تخصّص» بالماجستير وآخرون بالدكتوراه والدراسات البحثية

تسعيرة «الراس البلدي» تختلف كذلك عن تسعير الطالب العربي. ففي ما يتعلق برسائل الماجستير، يتحدّث أحد من يتعاطون مع رسائل الأجانب حصراً عن أسعارٍ تصل إلى حدود 10 آلاف دولار. ويعزو السبب إلى أن «هؤلاء غير قادرين على البقاء لفترة طويلة في لبنان بسبب الإقامة أو أعمالهم في بلادهم لذلك يضطرون لدفع الكثير». التسعيرة تختلف أيضاً بحسب جنسية الطالب، «فالسعودي هو الأغلى بحدود 10 آلاف دولار، يليه العراقي بـ5 آلاف دولار والسوري والتونسي بـ3 آلاف دولار». وحده «المصري ليس شخصاً مرغوباً به لأنه ليس دفيعاً»!

«فلت المْلَقّ» 
من المسؤول عن دراسات عليا تباع بـ«الحبّة»، وعن دكاكين صارت تبيع العلم كسلعة؟
المسؤولية الأولى تقع على عاتق الجامعات نفسها التي أفسحت المجال للسماسرة كي يبتكروا رزقاً من إهمالها. فتعليم منهجية البحث هي، أولا وآخراً، مسؤولية الجامعة. كما أن إعادة تنظيم التعليم العالي وتحديد المسؤوليات هي أولى خطوات المعالجة. ماذا يعني أن يستنجد طالب بأحد الأشخاص ليكتب له الرسائل؟ هذا يعني بكل بساطة أن لا لجنة مناقشة، وأن لا متابعة جدية لعمله.
من المسؤول؟ «الجامعات»، يقول المدير العام للتعليم العالي الدكتور أحمد الجمال. إذ ثمة مسؤولية على من تقاعس في تأدية دوره على الوجه الأكمل في أن يكون «هناك طريق واضح لمسار إعداد الرسائل والأطروحات». المشكلة عند الجامعات، يقول الجمال، لأنه «يفترض أن يكون لكل أستاذ مشرف ولجنة مناقشة لقاء شهري للإطلاع على ما وصل إليه الطالب وتالياً كشف مدى صدقه من غشه. وإن كان يعمل أو أنه أوكل عمله لآخر».
المشكلة، أيضاً، في السياسات البحثية في الجامعة «فإلى الآن يترك ميدان الأفكار للطالب، فيما الأصح أن تكون هناك محاور بحثية واضحة في كل اختصاص، على أن تفرضها الجامعة على الطلاب وهذا يؤدي إلى خلق توجه بحثي لدى الطلاب يعزز مكانة الأبحاث في الجامعة». ما يحصل في غالبية الجامعات أن «الملقّ فلتان: لا لجان متابعة دورية. لا متابعة جدية للأساتذة المشرفين، خصوصاً بعدما أغرقوا أنفسهم بمتابعة عشرات الطلاب، ومنهم العرب». ويذكّر بـ«أننا أصدرنا سابقاً مرسوماً يلزم الأساتذة المشرفين حصر إشرافهم بـ3 رسائل، فقامت الدنيا ولم تقعد».
من المسؤول عن هذا الفشل؟ وعن فشل المرسوم الآخر الذي يمنع عادة درجت باعتماد مشرفين من خارج الجامعة؟ كل ذلك يقودنا للحديث عن النظام الفاشل الذي يجعل أبواب الجامعة مشرعة على السمسرة. تلك التي تخلق نماذج كتلك التي تبيع الرسائل والأطروحات كما تباع الخردة. المطلوب هو إعادة هيكلة القطاع التعليمي، وهذه لا تبدأ إلا برأس الهرم.


كتبة الدراسات البحثية
أحيانا تتعرض «تجارة كتابة الأطروحات» لمواسم شحّ في الرسائل والأطروحات. وبسبب هذا الواقع، يستعيض العاملون في هذا المجال بمتابعة ملفات أخرى، منها مثلاً إعداد وكتابة دراسات بحثية. يتحدث أحد من امتهنوا هذه «الوظيفة» عن نشاطاتٍ تدرّ عليه الكثير من المال، منها مثلاً الإنتخابات الأخيرة التي جعلت سياسيين كثراً يقصدونه لمثل هذه الدراسات. وعلى قاعدة أن «عدس بترابو وكل شي بحسابو»، فقد اختلفت التسعيرة بحسب نوع الزبون، ولكنها غالباً من تبدأ بألف دولار وتستقر عند عتبة الثلاثة آلآف. وهي قيمة جيّدة بطبيعة الحال «خصوصاً أنني عارف من أين آتي بمعلوماتي». يتذكر أن إحدى الدراسات لم تتطلب منه سوى زيارة واحدة إلى مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت. وهناك من وجد نافذة أخرى للربح، مثل التخصّص بإعداد «الإستشارات السياسية لبناء الهيكليات النظرية»، ولكم أن تتخيّلوا ما تعني تلك «السردة». يقول صاحب هذه العبارة الطويلة أن هذا يقوم «على تقديم رؤيا». يعني، مثلاً رؤيا عن ملف سلاح حزب الله «هل يجب أن يبقى؟ أقول لماذا. وهل يجب نزعه؟ أقول لماذا». وهذا شغل كثير ومطلوب من السياسيين تحديداً «ويقع بحدود 80 صفحة بيحكي فيهن السياسي كل السنة، بالوقت اللي بتاخد معي بحدود أسبوعين». مثل هذه الدراسات لا تأخذ من جهد هذا «الباحث». يكفي أن يكون لديك وصول إلى معلومات وأرقام وأن يكون لديك مكتبة جيّدة. مكتبة على شاكلة «مكتبتي التي تحوي 2217»، والتي صارت مصدر «رزقه».