مئة وخمسون رأساً مدبّراً أعدّوا الخطّة في “الفوروم”: مطلوب قطف 10 نوّاب لـ”تغيير وجه لبنان

مجد بو مجاهد
26102017
النهار


التحليلات  الجيوسياسية اللامتناهية. وإن شاء أحد من بين هؤلاء المئة والخمسين المجتمعين في “الفورم دو بيروت” الاستطراد في مقاربته، كان ليعي أنّ هامش الوقت الباقي له هو نصف دقيقةٍ لا أكثر. له وقعه هذا التفصيل البسيط الذي التزمته نخبة مثقّفة من المجتمع المدني، يمكن تصنيفها في خانة الرؤوس المدبّرة لخلاص لبنان من النهج السياسي الحالي المتبع. ذلك يشي بأنّ كثافة المبادرات التي تشهدها البلاد في الآونة الأخيرة تتخطى المعايير الشكلية، وكأنها انبثقت كتفرّعات الشوك المتجذّرة في أرضٍ قاحلة، وتريد أن تثور على الواقع المتحجّر، أو كقطرات الماء التي تتكدّس وهي في طور مواجهة تكتّلات الحجارة القاسية. وإذا كان البعض يرى فيها مجرّد لقاءاتٍ دونكيشوتية لا زبدة فيها ولا عمق ولا نتائج إيجابية محققة على أرض الواقع، فإنها على الأقل ومن منظورٍ علمي بحت تعدّ بمثابة مبادراتٍ صحّية ديموقراطياً وتعني أنّ الرأي العام يتحرّك ويفكّر ويبحث عن حلول.

ولا شكّ بأنّ العامل الأول الذي شجع الناس وضخّ الحماسة في نفوسهم تجاه الاستحقاق الانتخابي المنتظر يتمثل في اعتماد قانون نسبي، رغم نظرة البعض السلبية إليه، إلا أنّ شريحة واسعة من المجتمع المدني وقوى المعارضة السياسية على حدٍّ سواء أضحت على اقتناع بأنّ أوجه التغيير البعيدة من منطق المحسوبيات التقليدية باتت ممكنة عن طريقه. فيما خطة العمل التي ستتم على أساسها المواجهة الانتخابية، لا تزال في مرحلة التكوّن الجنيني، إذ يطرح كل فردٍ ملاحظاته حيال أداء الدولة من خلال لجان مشتركة تفنّد المشكلة وتطرح الحلول وتعرضها على الناس. أما التحدي الأبرز أمامهم، فيكمن في التكافل في ما بينهم وتغليب المصلحة الوطنية على الأنا الفردية. يظهر المجتمعون بصورة المدركين للصعوبات، ولا تغرّهم المقاعد النيابية ففئة ضئيلة منهم ترغب في الترشح رغم أحقيّتهم، باعتبارهم واجهة لبنان الحضارية والثقافية. والأهم أنهم مستعدون للاحتراق انتخابياً مقابل تأمين فوز أحد منهم.

النصر: 10 نوّاب؟

  كان من بين هؤلاء النخبويين الأفذاذ البروفسور أنطوان قربان. ومصطلح “النخبويون الأفذاذ” هو التسمية الأصحّ التي تليق بهم، لا مديحاً بل انعكاساً لمسيرتهم الأكاديمية. يبدو قربان متفائلاً: “أملي كبير ولست متشائماً ولديّ ثقة بالمواطن اللبناني”، يقول لـ “النهار” مشيراً إلى أنّ “الغاية الأولى من المؤتمر تكمن في توحيد الصفوف لخوض غمار المواجهة الانتخابية، ذلك أنّ حالة البلد وصلت إلى حائط مسدود ويمكن عدّ آلية عمل الدولة معرقلة ولا بدّ تالياً من البحث عن جديد”. وتفاؤله يترجم بواقعيته في مقاربته الأمور وقناعته: “لا نحتاج لأكثر من 10 نواب يكفلون لوحدهم قلب المعادلة فيغدون كفّة ميزان برلمانية. هنا يكمن العامل الأساسي الذي شجع الناس على المثابرة السياسية بعدما شعروا بأنّ وجوهاً جديدة باتت تمسك زمام الأمل بالتغيير، ما يعني أنّ الرأي العام اللبناني لا يزال متشرّباً مبادئ الديموقراطية”.

لم يجتمع قربان مع “هؤلاء الشباب” كما يسميهم، ليتحوّل مرشّحاً انتخابياً، بل يكمن الهدف برأيه في كسر المنظومة الحاكمة الحالية عن طريق توحيد الآراء لتشكيل لوائح في 15 دائرة انتخابية. فيما تعدّ الجبهة المعارضة موحّدة ويمكنها أن تنجز الجيّد من الناحية السياسية. وعن التلاقي بين المعارضة المدنية والمعارضة السياسية المتمثلة بالنائب سامي الجميل والوزير السابق أشرف ريفي، يقول قربان: “إنّ المعارضات في كلّيتها ستخوض غمار المعركة الانتخابية موحّدة قدر الإمكان، فيما تختلف الاستراتيجية بين دائرة وأخرى تبعاً لحيثيات مناطقية، ولا مشكلة في ذلك”. وهل يعني ذلك بصريح العبارة أنهم يتجهون إلى دعم الثنائي الجميل ـ ريفي؟ يجيب: “نحن بكلّ وضوح نتلاقى مع سامي الجميل وأشرف ريفي وكلّ فرد معارض للمنظومة السياسية الحالية”. وهل يتجاوب الناس وإياهم بعدما أثبتت التجارب السابقة أنّ اللبناني يعود ليكرر الوجوه السياسية نفسها؟ يقول: “إنّ الطبقة الحاكمة اخترعت الصوت التفضيلي لفبركة إعادة إنتاج الوجوه البرلمانية نفسها. ولكن، ورغم السلبيات التي تعتري القانون، يفتح مجالاً ولو ضيقاً لخرق المنظومة”.

تجارب سابقة

  من الضروري التعويل على النضج الذي بات للمواطن اللبناني اليوم أسوةً بتجاربه السابقة انتخابياً. وإذا كانت انتخابات 2009 قد حكمتها اصطفافاتٌ سياسية حادّة وفق قانون أكثري، فإنّ المشهدية السياسية تختلف اليوم في ظلّ التلاحم الإيجابي بين قوى 8 و 14 آذار وانحسار وتيرة الحدّة السياسية المترافقة مع سخط شعبي كبير على المسؤولين تمكن معاينته جليّاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ولا يغِب عن الظنّ لائحة “بيروت مدينتي” البلدية التي شكّلت حدثاً مجيداً بعد نيلها 30 ألف صوتٍ في بيروت وفوز المجتمع المدني في نقابة المهندسين. كلّ ذلك ينذر بمفاجآت غير متوقعة قد تسطرها انتخابات 2018.

“كل شيء يدلّ على أننا سوف ننجح”، عبارة يستخدمها المحامي إميل كنعان لتوصيف المعنويات، هو الذي ركّز في كلمته على ضرورة الابتعاد من النظريات التي لا تؤدي إلى نتيجة بل عن طريق بلورة انطلاقة جديدة. ويقول لـ “النهار”: “إنّ التنسيق بين المعارضتين السياسية والمدنية قائم، وبالرغم من أنّ نسبة كبيرة من المستقلّين على مستوى جبل لبنان يرفضون الأوضاع السياسية، ما من هيكلية تجمعهم بل رؤية سياسية حول مفهوم الدولة التي يرغبون في تنظيمها وفق أسسٍ حديثة وديموقراطية بعيداً من منطق المحاصصة. ولا بد هنا التعلم من الأخطاء التي وقع فيها المجتمع المدني سابقاً والحفاظ على وحدة صفوفهم والاتفاق على صيغة مرشحين تنال تأييد الرأي العام “الحبلان” الذي ما عاد يستطيع التحمّل”.

  أما المحامي حسان الرفاعي فيطلع “النهار” على الخطة التي يقترح اعتمادها في المواجهة الانتخابية، ويقول إنّ “قانون الانتخابات حضّره أقطاب السلطة الذين يريدون الإبقاء على مقاعدهم، فيما نموذج النسبية الذي وضع اسميّ لا فعليّ والتمثيل الصحيح لا تلخّصه قوانين مبهمة”. وإذا كانت القوى السياسية ستخسر حتماً بعض مقاعدها، لكنها ستدعم بعضها معتمدةً على شرذمة المجتمع اللبناني للاستمرار في السيطرة على الحكومة، ما يعني أنّ الطريق أمامنا طويلة وهدفنا الأول الحفاظ على القواسم المشتركة بيننا، واختيار رموز سياسية في السلطة والتركيز على إسقاط أحدها في كلّ منطقة عبر الاحتكام إلى الصوت التفضيلي بعيداً من منطق الطائفية، بل التصويت لمن يضمن التمثيل الصحيح من المجتمع المدني”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*