مئة وأربعون سنة على المقاصد

حسان حلاق
النهار
25042018

الشيخ عبدالقادر قباني اول رئيس للمقاصد.

شعر المسلمون في بيروت، في القرن التاسع عشر، أن الغزو الأوروبي الثقافي بدأ يجتاحهم، ورأوا ضرورة افتتاح مدارس خاصة بهم تحميهم من البعثات التبشيرية التي لم يقتصر نشاطها على جبل لبنان فحسب، وإنما امتد إلى قلب بيروت المحروسة. ولتزايد التخوف عند مسلمي بيروت ووقوع حالات من التنصير عند بعضهم، رأت مجموعة من المسلمين الغيورين ضرورة إنشاء “جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت” للاهتمام بالشؤون الثقافية والتربوية والتعليمية والدينية لأبناء المسلمين. وعلى هذا، كان اجتماع الأول من شعبان 1295هـ– 16 تموز 1878م لجمعية المقاصد الخيرية التي تولى أول رئاسة لها الشيخ عبد القادر قباني.

ورأت الجمعية منذ البداية أهمية إعداد “الفتاة المسلمة” وتعليمها، فكان الهمّ للمقاصديين الأوائل ضرورة افتتاح مدرسة للبنات المسلمات، ومما اتفق عليه المجتمعون وقتذاك: “فأخذنا في أول الأمر نبحث عن الأشد لزوماً لطائفتنا فوجدنا أن أحسن وسيلة لنشر المعارف فيها هو تعليم الإناث منها طرق التربية وما يحتجن إليه من العلوم والصنائع إذ هنّ المربيات الأول وعلى تقدمهن المعول فتذاكرنا بافتتاح مدرسة لهن”. وبالفعل تبرع أعضاء الجمعية… وافتتحوا مدرسة الإناث مجاناً فضمت ما يقارب 200 فتاة في منطقة الباشورة (كلية البنات حالياً)، ثم افتتحت الجمعية مدرسة ثانية للإناث داخل البلد وضمت 250 تلميذة، ثم افتتحت مدرستين للذكور ضمتا 400 تلميذ، الأولى في سوق البازركان (المحكمة العتيقة) والثانية في محلة الباشورة (في المكتب العسكري). وبدأت جمعية المقاصد تنمو في عهد رئيسها الأول الشيخ عبد القادر قباني، ببناء مدرستين في منطقة رأس النبع على أن يكون جامع أمامهما، كما قامت ببناء جامع في منطقة الأشرفية “فهو اليوم تام وتقام فيه الصلوات” وأنشأت ثلاثة مخازن في أرض السمطية لتأجيرها واستثمارها لتطوير إيراداتها، كما عينت لجنة طبية لمداواة مرضى المسلمين الفقراء والإنفاق عليهم.

نمت جمعية المقاصد نمواً مطرداً في فترة رئاسة الشيخ عبد القادر قباني في 1878 – 1879، فأشرف بنفسه على بنيان المدرسة السلطانية المعروفة باسم كلية البنات، وأدارها. ويبدو أن نجاح جمعية المقاصد وتقدمها السريع، والخلافات التي كانت بين الحكومة العثمانية في اسطنبول ووالي سوريا مدحت باشا المؤيد والداعم للجمعية، من جملة الأسباب التي جعلت المفسدين والحاسدين يتهمونها بأنها ليست خيرية، وإنما جمعية سياسية تعمل سراً في السياسة والإصلاح وتعمل علناً في التربية والتعليم، ما دعا الحكومة إلى إصدار فرمان لحل جمعية المقاصد ولمّا يمضِ على تأسيسها سوى ست سنوات. وكان ذلك في عهد رئيسها حسن محرم، ومن ثم ألحقت بالمعارف وسميت “شعبة المعارف الأهلية” في رئاسة القاضي الشرعي عبد الله الجمال، وذلك الفرمان كان بداية اضمحلال لدور الجمعية وتأخر مدارسها.

واستمر الواقع الأليم للجمعية إلى عام 1907، وأراد لها الوالي خليل باشا نوعاً من عنايته فشكل لها هيئة منفردة، دون إدارة المعارف، وعيّن رئيساً لها عبد القادر الدنا، وراحت تشهد في هذه الفترة شيئاً من سابق عهدها. وفي عام 1908 وعندما أعلن الدستور العثماني شرع مسلمو بيروت يطالبون بإعادة افتتاح جمعية المقاصد الخيرية وإعادة موجوداتها، فأعادها الوالي الجديد ناظم باشا إلى المسلمين، وانتخب رئيساً لها العلامة الإمام عبد الرحمن الحوت. وما لبث أن استقال في السنة نفسها أي 1908، فكان رئيساً لها الشيخ مصطفى نجا. وفي 1909 رأسها سليم علي سلام واختار أعضاء جدداً للجمعية. ونظم سلام مع الإدارة الجديدة قانوناً جديداً للجمعية وقدمه إلى الولاية وطلب الاعتراف بالجمعية رسمياً وانفصالها عن الحكومة.

ومنذ عام 1920 تفكر الجمعية في “جامعة المقاصد الإسلامية” واشترت قطعة أرض مساحتها (67) ألف ذراع في منطقة الحرج (بيت الأطفال وثانوية خالد بن الوليد حالياً). ودامت المساعي وقتذاك لإنجاح أمل الجمعية والمسلمين في “جامعة المقاصد الإسلامية”. ولم تكتفِ المقاصد ببناء مدارس متعددة في بيروت، بل وجهت نشاطها منذ 1921 نحو القرى الإسلامية التي رأت الجمعية أهمية مدارس مقاصدية فيها ولا تزال تعرف باسم “مدارس القرى”.

والجمعية تطورت برغم الممارسات السلبية في ظل الانتداب الفرنسي، لاسيما فترة رئاسة محمد الفاخوري وعمر الداعوق. وتطورت في عهد محمد سلام ومصباح الطيارة، وكذلك منذ رأسها الرئيس صائب سلام في 1958 – 1982، فاتسعت نشاطاتها في مجال التربية والطب والتعليم العالي والفني والمهني. وتأسست ثانويات ومدارس عديدة، و”جامعة المقاصد الإسلامية للطب”. وتطور معهد التمريض، وقامت “مؤسسة صائب سلام للثقافة والتعليم العالي” والمعهد العالي للدراسات الإسلامية ومجلة المقاصد الإسلامية ودار المقاصد للطباعة والنشر ومركز التأليف المقاصدي وإذاعة المقاصد، وسوى ذلك من مؤسسات تربوية وصحية.

وفي أوائل عام 1982 رأس جمعية المقاصد الأستاذ تمام سلام الذي استمر رئيساً لها حتى عام 2000، وقد شهدت المقاصد في عهده تطوراً بارزاً في مختلف الميادين. ومنذ عام 2000 حتى اليوم يرأس الجمعية المهندس الأستاذ أمين محمد عمر بك الداعوق، الذي وضع خططاً تربوية وتعليمية وإنشائية وإنمائية جعلت من المقاصد مؤسسة رائدة في مجالات عدة، وما يزال مع مجلس أمناء المقاصد يعملون بشكل دؤوب في سبيل تنمية المجتمع البيروتي واللبناني والعربي وتطوره. وقد استطاع المهندس أمين محمد عمر بك الداعوق تجاوز الكثير من الأزمات المالية التي مرت بها المقاصد، ويسجل له تنشيط جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت المحروسة وانفتاحها من جديد على المجتمع البيروتي واللبناني والعربي.

¶ مؤرخ وأستاذ في جامعة بيروت العربية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*