مئة لقطة محذوفة عادت إلى “1900”، تحفة برتوللوتشي في نسختها المرممة

 

هوفيك حبشيان – ليون
25102017
النهار

آخر عرض مساء الأحد الماضي في مهرجان “لوميير” (١٤ – ٢٢ الجاري) كان تحفة برناردو برتوللوتشي، “١٩٠٠” (أو بشكل أدق: “القرن العشرون”). دخلنا الصالة الثالثة بعد الظهر وخرجنا منها عند التاسعة، مع استراحة ثلث ساعة بين الفصلين. شعور بالسعادة يغمر المرء وهو يحدق في جنريك النهاية. أمام كلّ هذه العظمة والجمال والروعة، قد يشعر الواحد منا بالعجز واليأس اللذين يتحوّلان في غضون ساعات اكتفاء شبيهاً بذلك الذي نشعر به بعد تناول غداء دسم. مع الطعم الذي يبقى تحت الضرس.

كنت شاهدتُ “١٩٠٠” قبل أكثر من عشر سنوات بنسخته الـ”دي في دي” المتداولة. إلى الآن النسخة الأكثر انتشاراً هي النسخة “الدولية” التي أصدرتها “باراماونت” في العام ١٩٧٦ بعد مناكفات طويلة مع برتوللوتشي. ولكن ما شاهدناه في ليون مختلف قليلاً، ولمَا وصل الينا هذا الشعور بالعظمة لولا الشاشة الكبيرة التي منحت الفيلم اعتباره الفني (وهنا يجب دائماً الاصرار على فكرة مشاهدة الفيلم في الصالة إن توفر، فالفرق بينها وبين المشاهدات الأخرى هو كالفرق بين لوحة أصلية لبيكاسو تتأملها في المتحف وأخرى له تشاهدها على شاشة الكمبيوتر). أما الاختلاف الحقيقي في هذه النسخة الجديدة التي رُمِّمت في بولونيا (سُحِب من النيغاتيف الأصلي)، وعُرضت بداية في #مهرجان_البندقية الأخير، فهو انّه أعيدت اليها ١٠٠ لقطة كانت حُذفت وقتها لأسباب تجارية.

دو نيرو وجيرار دوبارديو، علاقة لا تنتهي.

يمكن وضع “١٩٠٠” في مرتبة أعمال أدبية لشكسبير وهوغو، خصوصاً في الفصل الأول منه حيث وظيفة النصّ السينمائي تقديم الشخصيات وإدراجها في السياق السياسي والاجتماعي لتلك المرحلة. ما يرويه “١٩٠٠” هو نحو نصف قرن من تاريخ بلد وشعب، أراده برتوللوتشي الطموح فيلماً يخاطب الجمهور العريض، ولكن انتهى في الآخر بجدارية نكتشف في تفاصيلها التغييرات الاجتماعية التي حدثت في منطقة ايميليا في بداية القرن العشرين. نهل فيتوريو ستورارو الذي لم يتجاوز عمره وقتها الـ٣٥ عاماً من ينبوع الفنّ التشكيلي لرسم لوحة بديعة للريف الإيطالي الذي كان يستعدّ لتلقي تداعيات حربين عالميتين سيخرج منهما الأهالي حفاة عراة. فكلّ موسم أمام كاميرا ستورارو ارتدى تيماته الخاصة: الفاشية أطلت في الشتاء، نهاية الحرب في الربيع، إلخ. أمّا الفنّ الساذج في الرسم، فكان مصدر إلهام كبير، خصوصاً الفرنسي ادوار فيار. في حين دخول انيو موريكوني على الخطّ بشذرات لحنية تؤنس الحكاية وتمدّها بالغنائية التي كان يطمح إليها برتوللوتشي، فيجعل منه الركن الثالث لفرقة تعزف سيمفونية واحدة بتناغم مدهش.

منذ ولادتهما وحتى مرحلة متقدمة من عمرهما، سنتابع الأحداث التاريخية والتجارب الشخصية التي ستشهدها حياة صبيين يلدان في اليوم نفسه من العام ١٩٠٠، أحدهما ابن عائلة فيودالية (روبرت دو نيرو) يتحكّم أفرادها بمصائر مجموع العمّال والمياومين الفقراء الذين يعملون لديهم بالسخرة، والثاني ابن عامل يخدم العائلة (جيرار دوبارديو).

لعبة الأقدار ستجمع وتبعد أحدهما من الآخر مراراً، منذ رحيل جوسيبي فردي حتى يوم تحرير إيطاليا من الفاشيين والنازيين في ٢٥ نيسان ١٩٤٥. بنَفَس ملحمي لا يقلّ عظمة عن “ذهب مع الريح” لفيكتور فليمينغ، يراوح اسلوب برتوللوتشي ما بين الكلاسيكية ونمط سرد خاص به يترك بعض التفاصيل في الظلّ، كما فعل دائماً في أفلامه.

#السينما عنده وريثة الفنون التي صنعت تاريخ بلاده: الأدب، الشعر، التشكيل، الموسيقى…

برتوللوتشي أثناء التصوير.

برتوللوتشي الشيوعي الملتزم، خاض تجربة هذا الفيلم بإمكانات مادية وجمالية هائلة. التزامه واضح وصريح لا يحتمل اللُّبس، فهو إلى جانب الضعفاء والمتروكين لأهواء أرباب العمل والسلطة. لا يملكون شيئاً، مقابل الأغنياء الذين يملكون كلّ شي. الفيلم يشهد على لحظة صحوة. فلاحون يحولون أحوالهم المنكوبة إلى ضمير سياسي. للمرة الأولى يدركون أنّهم قادرون على التغيير، عبر التضامن والاعتراض.

بضعة مشاهد باتت اسطورية: افتراش النساء الأرض بأجسادهن لمنع العسكر من الاقتراب، قطع فلاح أذنه بدم بارد تعبيراً عن سخطه… يؤكد برتوللوتشي ألا ثورة بلا عدالة، وهذا ما يقوله لنا الفصل الأخير من الفيلم، حين يسقط ربّ العمل في يد مَن يعتبرون “بلاشفة”. ما يقدّمه مخرج “التانغو الأخير في باريس” هنا هو رواية شاعرية غنائية للتاريخ، إنها قراءته الماركسية له. كلّ الفكر الشيوعي يُختزل هنا بالصراع الطبقي والأولويات بين الكادحين والميسورين. هذا كله والفاشية تصعد في الخلفية، تلك الفاشية التي سيكون تجسيدها رمزياً، تماماً مثل القتل الرمزي لربّ العمل في آخر الفيلم.

إيطاليا بين حربين عالميتين.

في مقاربته الطوباوية، ذهب برتوللوتشي إلى أبعد حدّ في الإنزال من شأن البورجوازية وإظهار انحطاطها وأخلاقها، فانتُقد بتنميط الشخصيات، خصوصاً أتيلا (دونالد ساثرلاند) الذي يقتل كما يتنفس (مشهد قتل القط لا يزال يمارس سطوته على المُشاهد بالرغم من بساطته). ويبلغ الفيلم مرتبة عالية من العنف المقرون بأجواء ريفية بسيطة، حيث التاريخ سيقول كلمته كي تُنسب الأرض من الآن وصاعداً لمَن يزرعها لا لمَن يملكها. على الرغم من ان برتوللوتشي يتحدر من عائلة بورجوازية، فهو يمسك جيداً بكلّ الخيوط التي تفضي به إلى فيلم يصوّره بدقّات قلبه. فهو يترك فيه جزءاً يسيراً من كيانه كشاعر صاحب روح متضامنة.

استغرق تصوير الفيلم نحو ١١ شهراً، بدءاً من حزيران ١٩٧٤ بالقرب من بارما، مسقط المخرج. أعاد برتوللوتشي صوغ السيناريو مراراً. عدد من الممثلين استُبدلوا بآخرين: أورسون ولز ترك محله لبرت لانكاستر وماريا شنايدر لستيفانيا ساندريللي. هذا كله جعل الموازنة الأصلية تتجاوز الثلاثة ملايين دولار. في مقابلة مع جان جيلي، شرح برتوللوتشي أنّ بعض الأفلام تجسّد فانتازمات السينمائيين الطفولية.

حبّ وحرب وفاشية في “١٩٠٠”.

عند عرض الفيلم، لم تكن مجمل الآراء النقدية لمصلحته. فطبعاً كلّ المآخذ شملت تفاؤله ونظرته إلى تاريخ إشكالي لا يتّفق عليه إثنان. دافع برتوللوتشي عن نفسه بالقول إنّ مقاربته للتاريخ فيها مساومة. النقد الآخر الذي لحقه هو أنّه تجاهل تماماً التحاق الجموع بالفاشية، فجسّد صعود هذه الأخيرة باجتماع بعض الأقطاب في كنيسة وجمع التبرعات لتمويل حملة ضد الشيوعيين…

في #مهرجان_كانّ ١٩٧٦، كان “١٩٠٠” المعروض خارج المسابقة الحدث الأبرز، ولكن باري ديللر، المدير العام لـ“باراماونت” الذي يمتلك حقوق توزيع الفيلم في الولايات المتحدة أراد اقتطاعه، فرفع المخرج يومها قضية على الشركة قبل أن يتولّى مجدداً المونتاج والانتهاء بنسخة من أربع ساعات وثماني دقائق على أن تُعرض على جزءين، ما أغضب النقّاد الأميركيين الذين كانوا وقّعوا على عريضة تطالب بعدم لمس الفيلم، فاعتبروا أنّ قبول برتوللوتشي بهذا الحلّ، ما هو سوى تنازل منه لأسباب تجارية.

اليوم، يعود الفيلم كما أراده مخرجه وقتها، بكامل بهائه وروعته.

مشهد المضاجعة الشهير الذي يجمع دو نيرو ودوبارديو بفتاة.

في مهرجان روما العام الماضي، عاد برتوللوتشي إلى هذا الفصل من حياته وروى أنّه عندما انتهى من المونتاج، وجد أمامه فيلماً من خمس ساعات ونيف. قرّر الموزّع انه ينبغي اختصاره إلى ٣ ساعات حداً أقصى، فطلب منه قطع ما يلزم، ولكنه رفض، فصودر الفيلم منه وأُعطي لأحدهم للخروج بفيلم مدته ساعتين. لم يشاهد ذلك الفيلم أبداً. “ثم قالت لي “باراماونت”: ما رأيك بفيلم من ٤ ساعات؟ قلتُ: أوكي. لم تكن نسخة الأربع ساعات بثراء نسخة الخمس ولم أحبها قطّ. “باراماونت” أخرجت الفيلم في ٣٠ صالة أميركية بلا أي ترويج، وحكمت عليه بالإعدام. في المحصّلة، أعتقد أنّ النسخة النهائية بلغت أربع ساعات ونصف الساعة. لم أعد أتذكّر التفاصيل. “١٩٠٠” فيلم بلا نهاية، أنجزته لأستعيد الروابط العاطفية مع والدي. كلّ شيء أعرفه في الحياة تعلّمته منه. كان يصطحبني إلى السينما عندما كنت صغيراً، فأول فيلم شاهدته كان “بياض الثلج”، أكثر فيلم سادي يمكنك أن تراه وأنت طفل. كان والدي يعاني التوهم المرضي، في إمكانه أن يتّصل بطبيبٍ الثالثة فجراً ليطمئن على صحته. “١٩٠٠”، تحية إلى شعره. كنتُ في الرابعة والثلاثين عندما أنجزته. حققته وأنا مكلّل بنجاح “التانغو الأخير” الذي كان هائلاً. والنجاح قد يكون شيئاً مؤلماً ويخلق الكوارث. أردتُ أيضاً أن أكرّم عبره الحزب الشيوعي الإيطالي، ولكن الحزب نبذ الفيلم”.

اقرأ أيضاً: غييرمو دل تورو من ليون: السينما صنعت ميثولوجيا أما التلفزيون فلا تصمد صوره في الذاكرة

وأيضاً: ليلة دفن السينما في ليون على يد حفّار القبور نيكولاس فيندينغ رفن

دونالد ساثرلاند في دور الفاشي أتيلا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*