مئة عام مرت على الثورة العربية الكبرى: “مكانك راوح”

منى فيّاض
19 أغسطس، 2018

سوريون يتظاهرون ضد النظام في بانياس في العام 2011

مئة عام مرت على الثورة العربية الكبرى التي حررت العالم العربي من استبداد الدولة العثمانية، تكونت خلالها الدول الوطنية في المنطقة وأنشأت أنظمتها الخاصة. لكنها مع ذلك فشلت على جميع الصعد وخصوصا لناحية التنمية والقضية الفلسطينية، بل عاد الاحتلال إلى بعض دولها أيضا. من هنا جاء انفجار الثورات العربية المختلف على توصيفها.

ربما على خلفية الثورات هذه قامت “دار سائر المشرق” بمناسبة المئوية الأولى للثورة العربية، بإصدار ترجمة لكتاب “الطريق إلى الثورة العربية الكبرى 1906 ـ 1916″، لمؤلفه أوجين يونغ (نشر عام 1924)، الذي كان نائب ممثل دولة فرنسا في تونكان ـ فيتنام الشمالية.

ما أدهشني عند قراءتي هذا الكتاب، بالرغم من اختلاف الزمن والظروف، أن الخطوط الأساسية التي تحكم المنطقة لا تزال هي نفسها. تبعية للدول الكبرى وعجز عن تحقيق الاستقلال أو الاكتفاء الذاتي والدفاع عن النفس. إلى جانب استغلال تنوع المنطقة الديني والثقافي لتحويل وإظهار أي تحرك على أنه صراع ديني مذهبي، بافتعال المجازر من أجل ذلك.

في القرن الماضي كان الصراع بين فرنسا وانكلترا وروسيا على السيطرة على المنطقة نظرا لأهميتها الاستراتيجية التي ازدادت مع فتح قناة السويس. فكتب الدبلوماسي الفرنسي عن منافسيهم الإنكليز: “بريطانيا كان يهمها أن تسيطر على المنطقة الممتدة من مالطا وحتى الغانج (في الهند)، وكل الحوض الشرقي للمتوسط والجزيرة العربية والخليج العربي، هذا فضلا عن بلاد ما بين النهرين وبلاد فارس الجنوبية”. الآن تغيرت القوى العظمى المسيطرة، لكن اللعبة ما زالت على حالها.

سابقا اعتمد العرب كثيرا على القوى الغربية التي لم يكن يهمها سوى إضعاف السلطنة للحلول محلها. فيشير إلى أن: “اللجنة العربية بذلت جهودا كبيرة في الخارج، ولكن الحكومات الأوروبية المرتبطة بمصالحها في تركيا، لم ترغب في التعامل مع العرب، ولا في تقديم أي دعم لهم. ويضيف أنه من دون مال أو سلاح لا مجال لأي انتفاضة”. وهو كان قد أشار إلى ضعف إمكانيات العرب الإعلامية أيضا”.

ويستشهد بكاتب ألماني حول الوضع بين تركيا والعرب والغرب؛ مؤكدا أن إنجاز المشاريع الكبرى، في غياب أي دعم خارجي، سيعني تضحيات كبيرة وإراقة دماء.. وأن العرب يعلمون أن بعض القوى العظمى لها مصلحة في المحافظة على السلطان التركي.

ألا نواجه المآزق نفسها اليوم خصوصا في سورية؟!

لا تزال المشكلة الأساسية للعرب هي العجز عن الاعتماد على النفس فيما يتعلق بالعتاد والسلاح، إلى جانب العجز عن التنسيق فيما بينهم أيضا. وكما أكد الكاتب الألماني في توصيف موقف القوى الغربية: “إنما ترمي إلى السيطرة عليهم خشية أن تقوم في البلاد العربية حيثية ما قادرة أن تشكل تهديدا دائما للسلام الأوروبي”.

فهل زالت هذه الخشية من الوحدة العربية؟ التي لم تعد مطروحة أصلا، فالعجز والتفتت بلغ أوجه وحتى الجامعة العربية لم يعد يوجد منها تقريبا سوى الاسم! أما التكامل الاقتصادي وتسهيل حركة مرور البشر والبضائع فضاعت كما اختفت سكة الحديد التي انشأها “الاستعمار” في الرمال.

حين صدر الكتاب لم تكن هناك قضية فلسطينية. لكنه يوضح السلاح الأقوى المستخدم لاحتلال الشعوب وإضعاف إرادتها وهو الفساد، فيورد بعض أسباب الاستياء من حكام السلطنة العثمانية في فلسطين: “فلقد عم الاستياء حينها من أداء الحاكم رشيد بك “التركي”، لأنه استولى على بعض أراضي القبائل العربية من أجل بيعها للصهاينة ولوكيل “الاتحاد اليهودي” الذي استقدم 15,000 يهودي من روسيا. فيما حصّّل من هذه العملية، مبلغا ملعونا، 3 ملايين”.

وفي سورية، تنفذ إيران اليوم ما جرى تنفيذه في فلسطين سابقا، عبر شراء الأراضي أو وضع اليد عليها بإذن النظام وتنفذ عملية تغيير ديموغرافي تحت أنظار العالم.

الفساد والاستبداد هما مفتاح الاحتلالات الأساسي وغطاؤها.

المسألة المهمة الأخرى التي يشير إليها الكاتب تلك التي تتعلق بالصراعات الدينية والطائفية والمذهبية. التصور المسبق عن هذه المنطقة أنها لا يمكن أن تتخلص من العنف جراء هذه الصراعات تحديدا. هذا الأمر غير دقيق في مرحلة الثورة الكبرى كما الآن.

فكما بدأت الثورة السورية سلميا، وخرج السوريون رفضا للاستبداد وللمطالبة بالحقوق المدنية والحريات وظلت سلمية إلى أن تم تحويلها إلى حرب سميت “أهلية”.

يؤكد الكاتب أيضا، أن ما وصف بالنزاعات والصراعات الطائفية والمذهبية، في تلك الفترة، تعود بدايتها إلى “اضطرابات بسبب محاولة حكومة “تركيا الفتاة” إزالة الامتيازات الدرزية. ضمن فكرة المساواة التي شكلت هوسا لدى النظام العثماني الجديد. إضافة إلى أن العشائر البدوية في الصحراء السورية لم تكن راضية عن بناء الطريق الحديدي لأنه حرمها من موردها الأساسي: تقاضي الأتاوات من القوافل الذاهبة إلى الأماكن المقدسة”.

ويضيف: “أما بالنسبة إلى مشاركة المسيحيين في الاضطرابات، فلا يمكن إلا أن تكون محدودة، وهي تجد تفسيرا طبيعيا لها في هذه الحالة. في الحقيقة الأتراك شوهوا الأخبار، فيما لم تكن لدى العرب إمكانية التواصل مع الصحافة. وبداية، لم تكن هناك مجزرة بحق المسيحيين، فعلى الأقل، ثلث عشائر شرق الأردن كانوا من المسيحيين. وينقسم هؤلاء إلى مذهبين: الأرثوذوكس والكاثوليك اللاتين.. لا يوجد عند البدو تعصب وتفرقة: فالكاثوليك والأرثوذوكس والمحمديون يعيشون في وئام تام، وعندما يكون المرء موجودا في وسطهم، من الصعوبة أن يلاحظ أنهم ينتمون إلى طوائف مختلفة. لقد بقي إيمانهم المجرد بالله يتقدم كل الاعتبارات والشكليات”. والآن ألا تكفي حفنة زعران مأجورين لإقفال منطقة بكاملها، وجعل الصراع دينيا وطائفيا ومذهبيا؟

يضيف لم يكن هناك “معطى ديني خلف التمرد”. والأمر كما هو عليه الآن في الموقف من الثورات عموما، والثورة السورية خصوصا ـ التي تم ويتم تحويلها إلى مؤامرة ـ إذ يكتب يونغ حرفيا: “في الحقيقة، إن ما حمل الجميع على الثورة هو نقمتهم الشديدة الناجمة عن ظلم وفساد واستفزاز وتجاوزات النظام التركي”.

كما يقدم لنا إضاءة على بعض المجازر التي حصلت حينها، فهي تأتي على خلفية النشاط الإنكليزي الذي يقوم به سرا اللورد كيتشنر، المتمركز في القاهرة، لتشجيع قيام تحركات للمطالبة بالاحتلال الإنكليزي: “منذ فترة طويلة توجد في بيروت ودمشق لجنتان تعملان بنشاط لدفع الشعب السوري للمطالبة بالاحتلال الإنكليزي. إن الدعاية البريطانية تنشط علنا.. بدأت الحملة الدعائية لدى المسلمين.. جاء مساعد اللورد كتشنر إلى هنا. وجال على دمشق، ويافا وحيفا، وعقد اجتماعات عدة كان جميع الحاضرين فيها من المسلمين. في كل مكان، كان يتم التخطيط لهدف واحد: الانتفاض، والقيام ببعض المجازر والمطالبة بالتدخل الإنكليزي”.

من الواضح أن الاستعمار هو من تعامل مع مواطني هذه البلاد على أساس انتماءاتهم الدينية. لأن ذريعة الحماية تجلبها المجازر ضد طرف طائفي ما. هذه الوصفة جربت كثيرا في الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990) والآن تجد مرتعها الخصب في سورية والعراق. ذلك أن “الأهالي” كما سبق له ووصف البدو يتعايشون فيما بينهم والمجازر لا تحصل إلا من قبل من ينوي إشعال فتيل الفتنة لمصلحته.

وهكذا نجد أن المنطقة تراوح مكانها منذ قرون وتعجز عن التطور، وتنجح معها نفس السناريوهات تقريبا! ربما هي لعنة الموقع إضافة إلى الذهب الأسود.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*