مؤتمر جنيف مظلة للقاء سياسي بين مصر واسرائيل

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف جزءاً جديداً من سلسلة “عواصف الحرب والسلام” القنوات السرية للمفاوضات العربية – الاسرائيلية التي كتبها محمد حسنين هيكل. يحمل هذا الجزء عنوان: “مؤتمر جنيف مظلة للقاء سياسي بين مصر واسرائيل”، وكانت قد نشرته “النهار” في 16 أيار 1996.

الأرشيف – المصدر: النهار
29 أيلول 2017 | 23:5

    • السيناريو الاميركي نفسه لم يتغير منذ العام 1973: يجب عمل المستحيل من اجل انجاح حزب العمل في الانتخابات الاسرائيلية. وافضل طريق الى ذلك استدراج انور السادات الى صلح منفرد، وقد تلقى علي صبري الرسالة الاسرائيلية الاولى من غولدا مائير، ثم فتحت قناة سرية مع اسرائيل والولايات المتحدة عبر حافظ اسماعيل مستشار السادات للأمن القومي، وفي اشراف وكالة المخابرات المركزية الاميركية.

وتجاوب السادات مع رغبة كل من هنري كيسينجر وغولدا مائير وتقرر عقد مؤتمر تمهيدي للسلام في جنيف بعد سلسلة تنازلات مصرية ابرزها موافقة السادات على اخراج السلاح السوفياتي من معادلة القوة في المنطقة، وابداء استعداد مصر لحل منفرد مع اسرائيل. وابعد الفلسطينيون عن المؤتمر فيما قاطعته سوريا.

لقد كان المؤتمر مظلة للقاء سياسي بين مصر واسرائيل. تفاصيل الاعداد للمؤتمر تتضمنها هذه الحلقة من كتاب محمد حسنين هيكل “عواصف الحرب والسلام” الذي تنشره “النهار” بترتيب خاص مع “دار الشروق” في القاهرة.

– 6 – غولدا مائير “لا نعرض على المصريين الاستسلام او المهانة وانما لدينا ما يستحق ان يسمعوه”. (رسالة من غولدا مائير الى الرئيس انور السادات عن طريق هنري كيسينجر) تلقى انور السادات اول رسالة من اسرائيل يوم 30 سبتمبر (ايلول) 1970، اي بعد اقل من يومين اثنين من رحيل سلفه الرئيس جمال عبد الناصر. ولم يكن انور السادات رئيساً بعد، وانما كان رئيساً بالنيابة الى حين اتخاذ الاجراءات الدستورية والقانونية التي تجيء برئيس جديد لمصر. والواقع ان انور السادات لم يتلق هذه الرسالة وحده، وانما تلقاها ضمن مجموعة المسؤولين في الجمهورية العربية المتحدة. ومن المفارقات ان الرجل الذي تلقى الرسالة بنفسه كان السيد علي صبري، وهو الخصم العنيد لانور السادات والرجل الذي كان يظن انه اكبر المتشددين في موقفه حيالها. كان حامل الرسالة رئيس وزراء رومانيا الذي جاء الى القاهرة للمشاركة في تشييع جنازة جمال عبد الناصر.

وكانت الرسالة كما كتبها وزير شؤون رئاسة الجمهورية على ورقة من مكتب ديوان كبير الامناء – كما يلي: “ديوان كبير الامناء 30/9/1970 مقابلة رئيس وزراء رومانيا مع السيد علي صبري سفير اسرائيل في رومانيا قابل وزير الخارجية وابلغه الرسالة التالية لينقلها الى المسؤولين في ج. ع. م. (الجمهورية العربية المتحدة):

1- اسرائيل لن تستغل الموقف الناتج من وفاة الرئيس جمال عبد الناصر. والتصريحات التي ادلى بها المسؤولون الاسرائيليون بعد وفاة الرئيس هي تصريحات جادة وتمثل وجهة نظر الحكومة (كان مؤدى التصريحات ان اسرائيل مستعدة لفتح صفحة جديدة مع مصر).

2- ان اسرائيل تتمنى ان يستمر المسؤولون الجدد على السير في الطريق عينه الذي سلكه الرئيس في الاشهر الاخيرة الرامية الى ايجاد حل سلمي للمشكلة.

3- لذلك فان اسرائيل مستعدة لأن تمد اتفاق وقف اطلاق النار عند انتهائه لأجل غير مسمى.

4- ان اسرائيل مستعدة لارسال مندوبين على اعلى مستوى تراه ج. ع. م. لاجراء محادثات لا تتعارض مع المحادثات التي يجريها السفير يارنغ.

5- اذا كان هناك رد من المسؤولين نبلغه الى الجانب الروماني الذي يقوم بدوره بتبليغه الى الجهات الاسرائيلية. لم يرد عليه السيد علي صبري، انما لفت نظر الحكومة الرومانية والرئيس شاوشيسكو والمسؤولين الى ان ج. ع. م. تسير على الخط نفسه والسياسة نفسها التي رسمها الرئيس جمال عبد الناصر دون اي تغيير”. وكانت تلك مبالغة في التفاؤل من جانب علي صبري، لأن السادات الذي طرح اسمه للاستفتاء بعد ايام من هذه الرسالة، واصبح رئيساً لمصر بعد اسبوعين كانت له رؤية اخرى اشد اختلافاً واسلوب ادارة لا علاقة له ب”الخط نفسه” و”السياسة نفسها”!

ان متابعة ادارة الرئيس السادات لازمة الشرق الاوسط على طول الفترة ما بين توليه رئاسة الجمهورية ومسؤولياتها، والى حرب اكتوبر (تشرين الاول) ونتائجها، تظهر ان هذه الادارة مرت بمراحل عدة يسهل تمييز كل واحدة منها بملامحها الخاصة وقسماتها: – المرحلة الاولى: من اكتوبر (تشرين الاول)1970 الى اكتوبر 1971 وخلالها فان الرئيس السادات مارس ادارته للازمة بواسطة التعامل مع مبادرة روجرز. فقد جاء الى السلطة وهذه المبادرة هي الورقة الوحيدة المطروحة في الساحة. وتصرف ازاءها كما رأى مناسباً. ثم وصل الى اليأس منها ورمى بها جانباً بعدما التقى وجهاً لوجه مع ويليام روجرز صاحب المبادرة. فقد اقتنع انور السادات بأن روجرز مهما صلحت نياته لا يقدر لأن السلطة الحقيقية في واشنطن موجودة في البيت الابيض وليس في وزارة الخارجية.

– المرحلة الثانية: وقد امتدت من اكتوبر 1971 الى اكتوبر 1972، وكان الرئيس السادات خلالها يحاول الوصول الى البيت الابيض. وكانت وسيلته الى واشنطن هي المملكة العربية السعودية التي تصورها الباب الملكي الى المكتب البيضاوي، معقل سلطة القرار الرئاسية في واشنطن. ومن المفارقات، ان المنطق الذي كان الرئيس السادات يعرضه على المملكة العربية السعودية لتقوم بنقلة الى واشنطن، هو ان “حماية المصالح الاميركية في الشرق الاوسط لا تحتاج الى الرادع الاسرائيلي”. ولما كانت السعودية ذاتها هي اهم المطالب الاستراتيجية والاقتصادية للولايات المتحدة، فقد كان معنى ذلك ان ناقل الرسالة هو نفسه موضوعها!

– المرحلة الثالثة: وقد امتدت من اكتوبر 1972 الى اكتوبر 1973 وبها وصل الرئيس السادات امام ابواب البيت الابيض، لكن الابواب لم تنفتح امامه لأن ساكن هذا البيت ريتشارد نيكسون، كان في ذلك الوقت مشغولاً بفضيحة كبرى هي “فضيحة ووترغيت”. وكان الواقف على بوابة البيت الابيض هو الدكتور هنري كيسينجر مستشار الرئيس للأمن القومي ووزير الخارجية ايضاً. وكان الرئيس السادات يريد هذا الواقف بباب البيت الابيض اكثر مما يريد السيد المعتقل بالفضيحة داخله.

لكن كيسينجر كان يعد اولوياته وفق رغباته، ولم تكن ازمة الشرق الاوسط متقدمة فيها تلك اللحظة، وقد اراد ان يتركها “في الثلاجة” على حد تعبيره حتى يتفرغ لها على مهل ويعطيها بعض وقته. وقصارى ما امكن التوصل اليه مع كيسينجر وقتها منذ عام 1972 هو انشاء قناة اتصال سرية تصل بين الرئيس السادات – من طريق مستشاره للأمن القومي السيد حافظ اسماعيل وهنري كيسينجر باعتباره مستشار الرئيس الاميركي ريتشارد نيكسون للأمن القومي.

وكانت هذه القناة السرية تقوم بدورها بوسائل وكالة المخابرات المركزية الاميركية، وكان “موصل الرسائل” باستمرار هو المستر يوجين ترون رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية في مصر. – المرحلة الرابعة: وقد امتدت مدة اسبوعين من شهر اكتوبر 1973 وكانت بدايتها قرار الرئيس السادات التاريخي بدء الحرب، وحتى قراره في نهاية هذين الاسبوعين من اكتوبر، وضع مصير الازمة كله في يد هنري كيسينجر وحده ودون غيره. هكذا حدثت نقلات استراتيجية عدة في مواقع الازمة وفي حركتها بين هذه المواقع:

1- النقلة الاولى من روجرز الى السعودية.

2- النقلة الثانية من السعودية الى باب البيت الابيض.

3- النقلة الثالثة من باب البيت الابيض الى مكتب هنري كيسينجر داخله.

4- ثم جاءت النقلة الرابعة وفيها كان هنري كيسينجر يحيل انور السادات على الموقع الاسرائيلي، وهناك كانت تنتظره السيدة غولدا مائير.

كان هدف هنري كيسينجر طوال الوقت، وقبل حرب اكتوبر وبعدها، حمل مصر على مفاوضات مباشرة وجهاً لوجه مع اسرائيل. وكانت اسرائيل راغبة في ذلك، ومن قبل هنري كيسينجر بزمان طويل. وكان القصد الرئيسي للاثنين خلع مصر من مكانها في الجدار العربي، ومن ثم اختراق هذا الجدار وتطويق “المحرمات: المقدسات”، ثم تتأتى بعد ذلك أية فوائد سياسية عسكرية، وغير ذلك مما يمكن ان تحصل عليه اسرائيل من سلام منفرد تتوصل اليه مع مصر.

كان الاقتراح بمفاوضات بين العرب واسرائيل قد ورد للمرة الاولى في قرار مجلس الأمن الرقم 338 الذي تم بموجبه وقف اطلاق النار يوم 22 اكتوبر 1973، وكان يمكنه ان يبقى نصاً معلقاً مثل نصوص كثيرة سبقته وتبعته صادرة عن الأمم المتحدة. لكن اسرائيل – وكذلك كيسينجر – كانت حريصة على اعمال هذا النص على الارض ورفض ابقائه معلقاً في الهواء طويلاً.

ومن يوم 22 اكتوبر – وعلى رغم وقف اطلاق النار – راحت اسرائيل تشدد ضغطها العسكري على الجبهة المصرية بهدف تطويق الجيش الثالث المصري، واشاعة جو قلق يصل الى حد الذعر لدى القيادة المصرية. وفي لحظة حرجة يوم 27 اكتوبر بعث الدكتور هنري كيسينجر الى الرئيس انور السادات – من طريق مستشاره للأمن القومي السيد حافظ اسماعيل – بالرسالة التالية على قناة الاتصال السري التي كانت قائمة بين الاثنين منذ لقائهما في شهر يناير (كانون الثاني) 1973.

“من الدكتور هنري كيسينجر الى السيد حافظ اسماعيل انني كما تعرفون من رسائلي السابقة كنت على اتصال عاجل بالحكومة الاسرائيلية بصدد موقف الجيش الثالث المصري، وقد تلقيت لتوي الرسالة التالية من رئيسة الوزراء الاسرائيلية: “نحن على استعداد للدخول فوراً في محادثات مع المصريين حول كيفية حل هذا الموقف (موقف الجيش الثالث الذي ارادت اسرائيل ان تحكم حصارها حوله بعد وقف اطلاق النار)، وعلى المصريين اقتراح المكان والتوقيت ورتبة ممثلهم. ونحن على استعداد لايفاد رئيس الاركان او وزير الدفاع او اي جنرال آخر. او اي مندوب غيرهم الى المحادثات. ونحن نعتقد ان لدينا شىئاً ما نعرضه عليهم.. شيئاً ما ليس هو الاستسلام ولا المهانة… مخرج مشرف من الموقف. وكل ما على المصريين عمله هو اقتراح المكان والتوقيت ورتبة ممثلهم”. انتهت الرسالة الاسرائيلية. ونحن نحيل هذه الرسالة من قبيل الوساطة وليس من قبيل انها توصية او تزكية. ولسوف تقوم الولايات المتحدة من جانبها باستخدام كل نفوذها للخروج بحل مشرف لهذه المشكلة. الامضاء هنري كيسينجر كان الرئيس السادات مهيأ لهذه الرسالة، سواء نتيجة لاقتناعات سياسية توصل اليها او نتيجة لتقدير موقف عسكري وجده امامه. وتحرك بسرعة لترتيب اجتماع بين ممثلين عسكريين مصريين واسرائيليين. واستقر رأيه على وفد رفيع المستوى اسند رئاسته الى اللواء محمد عبد الغني الجمسي مدير العمليات وقتها، وكانت هذه هذه المحادثات التي اشتهرت باسم الموقع الذي عقدت عليه وهو موقع “الكيلو 101”.

وكان المفاوض الاسرائيلي امام الجمسي هو الجنرال اهارون ياريف مدير المخابرات العسكرية الاسرائيلية. وكانت تلك خطوة اولى رحبت بها اسرائيل ورحب بها كيسينجر كذلك. لكن المطلب الرئيسي للاثنين لم يكن محادثات عسكرية. فهذه المحادثات كانت لها نظائر من النوع نفسه – وان لم يكن من المستوى عينه – في اطار اتفاقات هدنة رودس.

كان مطلب اسرائيل ومطلب كيسينجر كذلك، محادثات سياسية بين مصر واسرائيل مباشرة وفي العلن وامام كل الناس، بحيث يبدو للجميع ان المحظور بدأ تجاوزه وان الخطوط الحمر القديمة جرى تخطيها وكانت المشكلة: كيف؟ كيف؟ وصوت المعركة ما زال صداه في الآذان، ونزف الدم ما زال يجري جداول على الرمال، والجيوش لا تزال معبأة متقابلة على خطوط تتصاعد عليها ألسنة الحريق تبرق وسط الدخان الكثيف. وجماهير الشعب المصري يقظة، وقوى الأمة العربية مشدودة، والاتحاد السوفياتي متشجع، والرأي العام الدولي متعاطف، وسلاح البترول الذي اثر على كل اقتصاديات العالم مشهر ومرفوع؟ كيف، وسط هذه الاجواء المشحونة، يمكن ان يتحقق لقاء سياسي مباشر بين مصر واسرائيل وبهذه السرعة؟ لكن السرعة كانت مطلوبة لاهداف اسرائيلية واميركية.

وكانت الاهداف الاسرائيلية من نوعين:

– نوع عام تدخل فيه مصلحة اسرائيل في طرق الحديد وهو ساخن، وعدم السماح للمواقف بأن تبرد وتهدأ ثم تعود لتعبّر عن نفسها في مقترحات ومقترحات مضادة بالحبر على اوراق! – ثم نوع من الاهداف الخاصة يدخل فيها ان الحزب الحاكم في اسرائيل، وهو حزب العمل، مقبل على انتخابات عامة في اليوم الاخير من 1973، وهو لا يريد ان يخوضها بمشهد الحرب الذي لم يكن لمصلحة اسرائيل، خصوصاً في الايام الاولى من القتال، وانما كان حزب العمل يريد ان يواجه خصومه في جبهة “الليكود” بأنه بعد تضحيات الحرب يحمل في يده وعداً بالسلام.

واما الاهداف الاميركية فقد تمثلت جميعاً في ضرورة الاسراع في الامساك بزمام قيادة ازمة الشرق الاوسط، واحتكارها لتوجيه اميركي قبل ان تحدث تفاعلات او تتداخل عوامل تصنع متغيرات تأتي الى موقع التأثير باعتبارات مختلفة عن الحسابات الاميركية. كانت الفكرة التي طرحت نفسها على هنري كيسينجر، هي فكرة المؤتمر الدولي الذي تبحث فيه المشكلة من جميع جوانبها، وباشتراك كل الاطراف بحسب اشارة واردة في نص القرار 338.

وكانت فكرة المؤتمر الدولي مطروحة. وكان هناك، من ناحية المبدأ، قبول عام لها، فكل الاطراف وجدوا فيها حلاً يعفيهم من اسباب كثيرة للحرج لأن القوى الدولية جميعاً من حقها ان تشترك، والقوى الاقليمية تستطيع الدخول الى القاعة، والاطراف جميعهم مدعوون الى مقاعدهم فيها بغير سبب للحرج ودون حساسية مما تراكم خلال حقب سابقة.

لكن هنري كيسينجر كان يريد المؤتمر الدولي على شروطه. ومن سوء الحظ ان سحره على انور السادات كان غلاباً ونافذا. ففي اللقاء الاول بينهما يوم 7 نوفمبر (تشرين الثاني)، وفي وقت كانت الاشتباكات ما زالت جارية، تمكن هنري كيسينجر من اقناع انور السادات بما بدا ضرباً من المستحيلات خصوصاً في وقته. في ذلك الاجتماع الاول بين الاثنين، وافق انور السادات على تنازلات لهنري كيسينجر تضمنت:

– التجاوز عن شرط عودة اسرائيل الى خطوط 22 اكتوبر التي صدر عندها قرار وقف اطلاق النار.

– والقفز مباشرة الى اتفاق لفك الاشتباك بين الجيشين يجري التفاوض على تفاصيله.

– والموافقة على تسكين القوات في الخطوط التي وصلت اليها المعارك تجاوزاً لقرار وقف اطلاق النار يوم 28 اكتوبر 1973، على رغم ان ذلك يترك الجبهة المصرية في اوضاع غير ملائمة وبالذات بالنسبة الى الجيش الثالث.

– والموافقة على تسليم الاسرى الاسرائيلية، واهمهم مجموعة من 36 طياراً اسرائيلياً اسقط الدفاع الجوي المصري طائراتهم واخذوا اسرى احياء، وكانت غولدا مائير جامحة في الالحاح على طلب تسليمهم دون مناقشة.

– والموافقة على رفع الحصار البحري الذي فرضته مصر على باب المندب لاثبات واقع ان البحر الاحمر من خليج العقبة الى خليج عدن بحيرة عربية.

– والموافقة على اظهار استعداد مصر لقبول حل منفرد مع اسرائيل اذا لم تنجح في اقناع حلفائها العرب بضرورة الحل.

– والموافقة على التنسيق الكامل مع الولايات المتحدة لتحقيق صلح عربي – اسرائيلي شامل.

– والموافقة على اخراج السلاح السوفياتي من معادلة القوة في المنطقة.

– والبدء دون انتظار بتعمير مدن القناة واعادة المدنيين المهجرين منها حتى تستطيع اسرائيل ان تطمئن الى ان مصر لا تنوي خرق وقف اطلاق النار والعودة الى معاودة القتال، وانما هي بالفعل جادة في المشي على طريق التسوية.

– ثم ان يكون ذلك استعداداً لفتح قناة السويس للملاحة الدولية، وهو ما يعطي اسرائيل الطمأنينة الكاملة التي تريدها حتى تتشجع في العمل من اجل التسوية.

كانت تلك كلها تنازلات لم تخطر على بال، وقد تحققت لهنري كيسينجر في اول لقاء بينه وبين انور السادات، بل وتحقق ما هو اكثر منها. فقد طلب الرئيس السادات من هنري كيسينجر ان تقوم الولايات المتحدة بتحمل مسؤولية أمنه في مصر على المستويين الشخصي والعام. فهو بهذه التنازلات التي قدمها على طريق حل تصور ان الولايات المتحدة تملك 99% من اوراقه – كما قال – وضع نفسه عرضة لمخاطر شديدة، وفي اجواء مجهولة تتخطى امكاناته في حماية نفسه.

والآن، يوم 13 ديسمبر (كانون الاول) 1973، كان هنري كيسينجر في طريقه الى القاهرة للقائه الثاني وانور السادات والمطلب الذي يسعى اليه هو: المؤتمر الدولي في جنيف، وطبقاً لتصور وضعه واراد موافقة الرئيس السادات عليه. كان تصور هنري كيسينجر للمؤتمر، ان يكون مجرد مظلة للقاء سياسي بين مصر واسرائيل، ولتحقيق ذلك فقد كان يعرض على الرئيس المصري تصوره:

1- ان يكون المؤتمر تحت اسم الأمم المتحدة في مقرها الاوروبي بجنيف ولكن دون رعايتها.

2- وان يدعى الى المؤتمر كل الاطراف العرب المحيطون باسرائيل، ولكن مصر تتعهد حضوره حتى وان امتنع بقية الاطراف.

3- والاسلوب العملي لفاعلية المؤتمر ان ينقسم بعد جلسة اولى علنية واجرائية، مجموعات تفاوض ثنائية بين مصر واسرائيل، وبين الاردن واسرائيل، وبين سوريا واسرائيل اذا وافقت سوريا على الحضور.

4- والفلسطينيون لن يدعوا الى مؤتمر جنيف، والحل الوسط الوحيد الذي يمكن ان يقبل به كيسينجر لتغطية الغياب الفلسطيني، هو ان يقال “ان المؤتمر نفسه سوف يبحث في مرحلة لاحقة من عمله في موضوع اشتراك الفلسطينيين في اعماله”.

5- والاتحاد السوفياتي سوف يدعى بالطبع الى حضور المؤتمر باعتباره راعياً مشاركاً في تنفيذ القرار 338، لكن حضوره يجب افراغه من اي مضمون، وتلك مسؤولية مصر لأن الولايات المتحدة اذا قامت بها فذلك سوف يؤدي الى خلاف بين القوتين العظميين تتعطل به اعمال المؤتمر.

6- واوروبا الغربية سوف تصر على الاشتراك في مؤتمر جنيف. لكن الاطراف المعنيين بالأمر، خصوصاً مصر واسرائيل والولايات المتحدة، لا ينبغي ان يتركوا ثغرة لتداخلات اوروبية تزيد من تعقيد الامور اكثر مما تؤدي الى تسهيلها.

7- والمؤتمر يجب ان يبدأ اعماله في جنيف قبل موعد الانتخابات الاسرائيلية حتى تستطيع الجلسة الافتتاحية الاولى بحضور مصر واسرائيل وجهاً لوجه ان تعطي انعكاساتها على المعركة الانتخابية في اسرائيل ولمصلحة حزب العمل (وكان موعد الانتخابات الاسرائيلية المحدد هو 31 ديسمبر (كانون الاول). وكان موعد انعقاد مؤتمر جنيف المقترح من جانب كيسينجر هو 18 ديسمبر مما يعطي حزب العمل فرصة تقارب الاسبوعين يستغل فيها انوار السلام المشعة من جنيف لمصلحة مرشحيه).

8- واخيراً، ألمح هنري كيسينجر الى ان الرئيس السادات في رغبته انجاح مؤتمر السلام قد يرى ان يساعد على انهاء الحظر الدولي البترولي الذي فرض على الولايات المتحدة، فلا يجوز ان تقوم الولايات المتحدة بدور صانع السلام وهي واقعة تحت عقاب عربي! ورد الرئيس السادات انه في الوقت المناسب مستعد لبذل نفوذه”. وخرج هنري كيسينجر من اجتماعين مع انور السادات في استراحة القناطر يومي 13 و14 ديسمبر وقد حصل على ما اراد. وظهر مرة اخرى ان سحره لا يقاوم!

كيسينجر “افضل ان أتعامل مع الرئيس السادات مباشرة وليس مع وزير خارجيته”. (مؤدى رسالة من كيسينجر الى الرئيس السادات) وكان هنري كيسينجر يمهد لانعقاد مؤتمر جنيف بطريقته وعلى شروطه، حتى قبل ان يلتقي الرئيس انور السادات يومي 13 و14 ديسمبر.

وقد شعر كيسينجر من مراسلات متبادلة بينه وبين السيد اسماعيل فهمي وزير الخارجية انه (اي وزير الخارجية المصري) يفضل ان يتم تنفيذ اتفاق فض الاشتباك بين القوات في الميدان حتى قبل ان ينعقد مؤتمر جنيف، وذلك حتى لا تكون اوضاع القوات المصرية عنصراً ضاغطاً على المفاوض المصري في جنيف.

كذلك احس هنري كيسينجر ان وزير الخارجية المصري لديه شكوك في ان الحكومة الاسرائيلية – والانتخابات على الابواب – في مركز يسمح لها باتخاذ قرارات مهمة”، ومن ثم فقد يكون من الافضل تأجيل مؤتمر جنيف الى ما بعد الانتخابات الاسرائيلية. ثم ان وزير الخارجية المصري احس بدوره ان هنري كيسينجر يتعجل تنفيذ التعهدات التي حصل عليها من الرئيس انور السادات، ثم لا يقدم شيئاً في مقابلها. واحس هنري كيسينجر على نحو ما ان وزير الخارجية المصري، جديد ايضاً على اللعبة وعلى قواعد العمل داخلها، فقرر موقتاً حصر اتصاله به.

وفي تلك الفترة فان الرسالة الوحيدة المهمة التي بعث بها كيسينجر الى وزير الخارجية المصري كانت مجردة “تذكرة”، فقد جاء فيها: “انني بروح من الرغبة في تجنب المشاكل اريد اخطارك بأنني علمت ان بعض البواخر الاسرائيلية على وشك ان تعبر مضيق باب المندب يوم الاحد المقبل، ومع اني اتذكر انك اخطرتني عندما لقيتك في القاهرة بأن الاوامر صدرت فعلاً بتخفيف الحصار على باب المندب، فقد رأيت ان اعيد تذكيرك بالمسألة حتى نتجنب اية اخطاء في التنفيذ”.

لكن كيسينجر كان يفضل ان يعمل من خلال القناة الاخرى المختبرة والمجربة، وهكذا عاد الى القناة السرية المباشرة التي يتولاها السيد حافظ اسماعيل مدخلاً مباشراً الى الرئيس السادات، وهكذا فإنه يوم 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 1973 بعث عن طريق القناة المصرية التي عاد اليها النشاط مرة اخرى برسالة الى السيد حافظ اسماعيل نصها كما يلي:

“من الدكتور هنري كيسينجر الى السيد حافظ اسماعيل لقد اسعدني ان اتلقى التقرير المفصل الذي ارسله الى المستر ترون (المستر يوجين ترون كان ممثل وكالة المخابرات الاميركية في ذلك الوقت، وكان بهذه الصفة حلقة الاتصال بين كيسينجر وحافظ اسماعيل) – عن لقائه الاخير معك يوم 15 نوفمبر. اننا مثلكم نعلق اهمية كبيرة على الاحتفاظ بهذا الخط الرئاسي. وقد اظهرت لي التجربة ان الاتصالات على هذا المستوى تسمح باستكشاف الآراء التي يصعب تداولها بين القنوات الرسمية من حكومة الى حكومة. وبهذه المناسبة فانني وبصفة خاصة اريد ان استعمل هذه القناة لأعبر لك عن مدى تأثري بلقاء الرئيس السادات، وبرؤيته الثاقبة للأمور البعيدة المدى التي نتعامل معها في الموقف الحاضر. انني مؤمن بأنه لن يكون هناك سلام في الشرق الاوسط الا اذا تمكن القادة الرئيسيون في المنطقة من النظر الى بعيد، والا اذا كانوا على استعداد للرؤية بعيدة المدى لأهدافهم الاساسية بصرف النظر عن المدى القصير وما يظهر فيه مع تعاقب الحوادث. ان رئيسك وبطريقة واضحة اظهر قدرته في هذا الشأن. وهناك كثير يتوقف على دوره المستمر كرجل دولة. انني افترض انك رأيت الرسائل المتبادلة اخيراً بيني وبين وزير الخارجية اسماعيل فهمي. انني فكرت في اقتراح عرضه وزير خارجيتكم مؤداه انه من الافضل تأجيل مؤتمر السلام حتى يتأكد نجاح محادثات فك الارتباط. ورأىي ان ذلك خطأ، وانه من الافضل ان يكون فك الارتباط هو الموضوع الاول الذي يجري بحثه في مؤتمر السلام. واعتقادي ان بعض الافكار التي نتحدث فيها يمكن تطبيقها على الظروف السورية ايضاً (اي تأجيل فك الاشتباك بين القوات والتقدم مباشرة الى المفاوضات). واريد ان ألفت النظر الى مؤتمر السلام هو في رأيي المكان الافضل الذي يستطيع نفوذنا فيه ان يأتي بافضل النتائج. انني اريد ايضاً ان اضيف انه من الخطأ ان نحاول اية صياغات اخرى قبل المؤتمر. واخشى ان قدرة الولايات المتحدة على الحركة والمرونة سوف تتأثر اذا طرحت بعض الافكار للضوء العام قبل الاوان، لأن ذلك سوف يعطي آخرين الفرصة لعرقلتها، فكل اقتراح يجب ان يجد توقيته المناسب في مسار المفاوضات. ويبدو لي ان افضل تاريخ لانعقاد مؤتمر السلام هو يوم قريب من يوم 17 ديسمبر (كانون الاول). ولعلمك فانني ابحث احتمالات فرصة لزيارة دمشق بعد حضوري مؤتمر حلف الاطلسي المقبل. مرة اخرى فانني سعيد بأن هذه القناة بين وبينك متواصلة. وارجوك ان تنقل للرئيس السادات اطيب اماني وتقديري واعجابي للطريقة التي يدير بها علاقاتنا. مع كل تحياتي الشخصية الحارة”. الامضاء هنري كيسينجر

كانت اوضاع الجبهة مع تداخل خطوط وقف اطلاق النار المتعددة التي صدرت ما بين 22 – 29 اكتوبر (تشرين الاول)، تثير مشاكل كبرى في تموين قوات الجيش الثالث وبالنسبة الى مدينة السويس. وكان ذلك ما توقعه وزير الخارجية المصري اسماعيل فهمي، وكان يريد الفراغ منه بتنفيذ اتفاق فك الاشتباك بين القوات قبل اجتماع مؤتمر جنيف. واتصل كيسينجر بالحكومة الاسرائيلية في شأن شكاوى مصرية وصلت اليه.

وعاد يوم 29 نوفمبر يكتب الى حافظ اسماعيل من طريق القناة السرية: “من الدكتور هنري كيسينجر الى السيد حافظ اسماعيل كنت على اتصال بالحكومة الاسرائيلية خلال الساعات الاخيرة، وقد اوضحوا لي انهم مستعدون للسماح لامدادات غير عسكرية بالمرور الى منطقة كبريت. كما انهم على استعداد للسماح ببعض المواد غير العسكرية بالمرور الى مدينة السويس. لكنهم ابلغوني شرطاً لذلك هو ان تقوم الحكومة المصرية باطلاق سراح المستر باروخ مزراحي. والمستر مزراحي يهودي اتهم بالتجسس على القوات المصرية في اليمن قبل سنوات، ثم نقل من اليمن الى مصر حيث حوكم وصدر حكم عليه بالسجن”. وجاء هنري كيسينجر الى مصر، والتقى الرئيس السادات في استراحة القناطر يومي 13 و14 ديسمبر وحصل على ما اراد (ربما في ظل وعد بالافراج عن مزراحي وغيره من الجواسيس).

ثم ذهب الى اسرائيل، ومن هناك استعمل القناة السرية وبعث الى الرئيس السادات مباشرة برسالة جديدة في تاريخ 17 ديسمبر 1973:

“عزيزي الرئيس لقد فرغت الآن من محادثاتي في اسرائيل. وقد اجريت مناقشة مكثفة حول تنفيذ فك الاشتباك بين القوات على غرار ما تحدثت فيه معكم عندما التقينا. وانا واثق ان مفاوضات جادة وناجحة سوف تكون ممكنة حينما تبدأ مجموعات العمل في جنيف نشاطها، وآمل في ان يتم ذلك خلال شهر يناير (كانون الثاني) وسوف اتحدث في هذا الامر تفصيلاً عندما التقي وزير خارجيتك في جنيف. والآن فانني مواجه بنقطة مهمة بالنسبة الى عملية التفاوض، فقد ابلغني الاسرائيليون انهم يريدون قائمة باسماء اسرى الحرب الاسرائيليين لدى السوريين، كما انهم يطلبون السماح للصليب الاحمر بزيارة هؤلاء الاسرى. واعتقادي ان ذلك ضروري لنجاح المؤتمر وبصراحة فانا لا استطيع ان اضمن حضور اسرائيل واشتراكها في جلسة افتتاح المؤتمر، الا اذا حصلت الحكومة الاسرائيلية على قائمة باسماء اسراها لدى السوريين قبل انعقاد المؤتمر. وانني آمل في ان تستطيع استخدام نفوذك لاقناع سوريا بذلك حتى تساعد في خلق اجواء ملائمة تجعل نجاح مؤتمر السلام ممكناً. وفي الوقت الذي اغادر الشرق الاوسط فان لدي شيئاً آخر يا سيادة الرئيس، وهو ليس فقط ان اوجه شكري على كرم ضيافتك، بل ان ان عبر لك مرة اخرى عن استمرار اعجابي بك كرجل دولة قادر على المضي في الطريق الذي رسمه. مع أحر تحياتي الشخصية”.هنري أ كيسينجر.

كانت الاستعدادات تجري لانعقاد مؤتمر جنيف بسرعة حتى يحدث تأثيره بالكامل على الانتخابات الاسرائيلية. واعلنت سوريا انها لن تحضر المؤتمر لأنها مصرّة على ان يتحقق فك الاشتباك بين القوات على جبهات القتال قبل حضور مؤتمر دولي، ثم انها ليست مستعدة لتسليم اسرائيل قائمة باسراها لدى الجيش السوري الا في اطار اتفاق واضح على فك الاشتباك يسبق مؤتمر جنيف. وفي الوقت نفسه احس السكرتير العام للأمم المتحدة كورت فالدهايم ان المحادثات بين الاطراف بعد الجلسة الاولى الاجرائية سوف تجرى في قصر الأمم المتحدة في جنيف، الا ان دور الأمم المتحدة الحقيقي في المؤتمر لن يزيد على كونه مجرد شاهد ضمن شهود آخرين.

ثم ان الدول الاوروبية بدأ يراودها الاحساس عينه. وكذلك ثارت شكوك لدى الاتحاد السوفياتي بينما كان الفلسطينيون يصرخون الماً لاستبعادهم عن المؤتمر، وان اخذوا وعداً ببحث امر اشتراكهم خلال جلسات المؤتمر. وثارت بعض المشاكل غير المتوقعة في اللحظة الاخيرة بسبب الترتيبات البروتوكولية للمؤتمر: بعضها بسبب ترتيب المتكلمين، وبعضها بسبب اللغات الرسمية للمؤتمر، وبعضها بسبب مواضع الموائد التي يجلس اليها اعضاء الوفود، وبعضها بسبب قرب هذه المواقع او بعدها عن بعضها البعض، وبدا في لحظة من اللحظات ان اشباحاً من “المقدسات: المحرمات” تلقي بظلالها على قاعات المؤتمر. ومع ان العرب والاسرائيليين التقوا من قبل في مكان واحد مثل قاعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، فان اللقاء هذه المرة كان مباشراً ولصيقاً لا يستطيع احد ان يتجنب احداً، او يختفي من صورة، او يعتذر عن حفل استقبال!

وتسببت هذه المشاكل في تأجيل جلسة الافتتاح، ثم انعقدت اخيراً يوم 21 ديسمبر (كانون الاول) في سباق مع الوقت للتأثير على الانتخابات في اسرائيل! ولم تخرج الجلسة الافتتاحية عما توقعه كيسينجر، وهو ان تكون مجرد جلسة اجرائية تشرف عليها وتديرها الولايات المتحدة. ثم تتأجل اعمال المؤتمر الى ما بعد الانتخابات الاسرائيلية، وان يكن ذلك لا يمنع من تواصل اللجان الثنائية المتفرعة عن المؤتمر دورها بغير انتظار الانتخابات الاسرائيلية ونتائجها، وعلى اعتبار ان ذلك سيعطى الايحاء بأن عملية السلام مستمرة دون ان يلتزم اي طرف من الاطراف اتخاذ قرارات لها قيمة لأن الوصول الى مثل هذه القرارات سوف يستغرق بالتأكيد بعضاً من الوقت. وربما ان المفاجأة التي واجهت الجميع هي ان الوفد الاسرائيلي الى مؤتمر جنيف خلا من ممثلين عسكريين. ومعنى ذلك ان اسرائيل ما زالت مصرة على ان تتفاوض سياسياً، مؤجلة موضوع فك الاشتباك على الجبهة ليظل عنصراً ضاغطاً على اعصاب المفاوضين العرب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*