مأساة أن تقف وحدك

 

بلال فضل
May 10, 2018
القدس العربي

2 ـ الطغاة لا يهبطون من السماء على شعوبهم، وجمال عبد الناصر لم ينجح في الانفراد بالسلطة بذلك الشكل المزري الذي دفعت مصر ثمنه غالياً، إلا لأنه وجد مساندة من جماهير كانت تكره الديمقراطية وتراها وبالاً على مصر. هذه هي الحقيقة المرة التي لم يتجاهلها خالد محيي الدين، حين قرر أن يتكلم ويروي شهادته عن ثورة يوليو/تموز التي كان أحد قادتها، على عكس الكثيرين من قراء مذكراته، الذين اختزلوا شهادته في ما رواه عن اعتراف عبد الناصر له بتمويل إضراب عمال النقل والسكك الحديدية ليشل حركة البلد ويربك خصومه في أزمة مارس/آذار 1954، وفي رواية عبد اللطيف البغدادي لخالد أن عبد الناصر أبلغهم بأنه دبر الانفجارات الستة التي وقعت دفعة واحدة في القاهرة في تلك الفترة، ولم تسبب خسائر مادية لكنها دفعت ملايين الخائفين لتأييد عودة القبضة الحازمة بل والباطشة.
يروي خالد محيي الدين أن عبد الناصر برر تمويل الإضرابات والمظاهرات المنددة بالديمقراطية قائلاً: «لما لقيت المسألة مش نافعة أتحرك وكلفني الأمر أربعة آلاف جنيه، انتم اتحركتم في الفرسان وأنا رديت عليكم، واحدة بواحدة ونبقى خالصين»، يقر خالد بأثر تلك التصرفات في تسريع انتصار عبد الناصر، لكنه يؤكد أن انتصاره لم يكن سيتحقق لو لم يكن مستنداً إلى دعم قطاع مهم من الطبقة الوسطى المسيطر على أجهزة الدولة تجاوب مع شعار (إما الثورة وإما الديمقراطية) خوفاً من الفوضى ورغبة في الاستقرار، وقطاعات كبيرة من الجماهير الشعبية التي خافت من عودة نفوذ كبار الملاك والتراجع عن قانون الإصلاح الزراعي ومكاسب العمال، فضلاً عن التفاف أغلب ضباط الجيش حول عبد الناصر بعد فزعهم من الحملة الضارية التي شنتها صحف «المصري» و«الجمهور المصري» و«روز اليوسف» للمطالبة بعودة الجيش إلى ثكناته ومحاكمة الضباط المرتكبين للأخطاء، فأشعرهم ذلك أن مصيرهم مهدد.
يضيف خالد إلى ذلك كله الدعم الذي تلقاه عبد الناصر من شخصيات مهمة مثل عبد الرازق السنهوري وسليمان حافظ وفتحي رضوان، وعدد من أساتذة الجامعات على رأسهم سيد صبري وراشد البراوي وتشجيعهم الضباط على تحدي الدستور والديمقراطية، بحجة أن الثورة لها قانونها الخاص، وتشجيع جماعة الإخوان لضرب كل القوى السياسية الأخرى، على أمل أن يتمكنوا لاحقاً من احتواء الثورة، «ناسين أن افتقاد الديمقراطية قد ينقلب وبالاً عليهم، وقد انقلب بالفعل وبالاً عليهم وعنفاً ضدهم»، ثم دعم كبار الصحافيين الذين روجوا للأفكار المعادية للديمقراطية، في حين لم تكن هناك تحركات شعبية داعمة للديمقراطية، سوى تحركات محدودة في الجامعة، في الوقت الذي استسلمت فيه الأحزاب السياسية «استسلاماً مثيراً للدهشة شجع الضباط على المضي في طريقهم»، وحين تغيرت مواقف محمد نجيب والإخوان وعادوا للعب بورقة الديمقراطية كان الوقت قد فات، ولم يعد لمواقفهم تلك أي مصداقية شعبية، ما سهل ضربهم رغم شعبيتهم السابقة.
تحت عنوان «مأساة أن تكون وحدك» يصف خالد محيي الدين مشاعره حين اكتشف خلال زيارة إلى قريته لحضور جنازة عمه، أن أغلب أقاربه وأقارب زوجته ينددون بمواقفه المطالبة بالديمقراطية وضرورة إشراك الجماهير، لتسأله زوجته القلقة عليه: ما هي مصلحتك في أن تقف ضد كل هؤلاء الناس؟ فتذكر عبد الناصر الذي كان يرد باسماً كلما تحدث خالد عن الجماهير: ألا ترى أن الجماهير تؤيدنا؟ ثم يتذكر حين سافر مع الرئيس محمد نجيب لأول مرة في القطار «الملكي» فذُهل من الأبهة الخرافية، وما يحيط الرئيس من سلطة وهيلمان وأبهة ونفاق من الجميع، فيدرك من ساعتها أن صراع جمال وزملائه مع نجيب، لم يكن فقط حول موقف، بل كان صراعاً على السلطة بكل ما تحمله من نفوذ، «كان صراعاً على الاستمتاع بكل هذا الذي رأيت، والذي يتجاوز في فخامته وسلطانه وأبهته كل خيالات ضابط مثلي في مثل سني وتجاربي»، وهو صراع حسمه عبد الناصر لأنه كان يتقن حسابات السلطة وربط طموحاته بقضية سلطات مجلس قيادة الثورة، فاستقطب إلى صفه جميع أعضاء المجلس الذين تصادم معهم نجيب واحداً تلو الآخر، في حين تركز اهتمام نجيب على هيلمان السلطة ومحاولة بناء علاقة مع الجماهير وربط صراعاته بشخصه، فضلاً عن نجاح عبد الناصر في إرسال إشارات مطمئنة للدول الغربية، جعلت الصحافي الفرنسي البارز روجيه استيفان يقول لخالد قبل فترة من حسم الصراع «إن الدوائر الحاكمة في الغرب قررت مساندة جمال ضد نجيب، لأنهم يفضلون جمال لأنه سيكون حاكماً قويا ومتفهماً للأوضاع، أما نجيب فهو حاكم ضعيف وأمثاله سرعان ما يخضعون لضغط الجماهير».
لم يجد خالد محيي الدين من يسانده بعد التنكيل بقيادات سلاح الفرسان، وحين وجد نفسه في مواجهة جهاز الدولة بأكمله تساءل: « كيف أتمسك بالديمقراطية بينما الرأي العام ضعيف وقطاع كبير منه مضلل بنظرية إما الثورة وإما الديمقراطية، وقطاع مهم أيضا كان يخشى على مكتسباته الاجتماعية التي حصل عليها بفضل الثورة»، ولذلك قرر التصالح مع الهزيمة ووافق على السفر خارج البلاد في منصب شرفي، لتعلمه تجربة المنفى ثم الإبعاد والتهميش المستمر بعد عودته إلى مصر، أنه لن يستطيع التحرك إلا في إطار المساحة التي يخصصها له نظام يوليو، وهو ما أوصله في نهاية المطاف إلى الحالة المؤسفة التي ظهر عليها أداؤه السياسي في عهد مبارك، فاستحق سخط أجيال لم يعنِ لها كثيراً موقفه المشرف في بدايات الثورة، حين رأته رغم رصيده السياسي الكبير يوافق على تكريس حالة المعارضة الكرتونية، ويساهم في تفريغ حزب التجمع من معناه، حين انحاز طول الوقت لقيادات كان بعضها يتلقى تعليماته السياسية بالتليفون من قيادات أمن الدولة.
في مذكراته التي لم يصدر جزؤها الثاني، بعد ما أثاره الجزء الأول من ضجة، يتحسر خالد محيي الدين على ضياع الفرصة التي حاول بإخلاص الوصول إليها، في أن تسلك ثورة يوليو نهجاً ثورياً وديمقراطياً في آن، فيحصنها ذلك ضد ما وقعت فيه من أخطاء، ويكتب فكرة شديدة الأهمية حين يقر بأن عبد الناصر انتصر على خصومه في أزمة مارس/آذار 54، «لكنه حكم على مسيرته كلها أن تظل أسيرة لهذا الانتصار»، لأنه لم يدرك أن كسب جولة إسقاط الديمقراطية شيء، وكسب المسار التاريخي شيء آخر، لأن النجاح في السيطرة على السلطة وقتي بالضرورة، ولذلك لم يكتشف عبد الناصر متى تتعين عليه العودة للديمقراطية والتعددية الحزبية، وانساق وراء وهم نجاح التجربة السلطوية، حتى كانت هزيمة 1967 التي يؤكد خالد محيي الدين أنها لم تكن هزيمة عسكرية، بل هزيمة سياسية لنظام فشلت آلياته في اكتشاف ما إذا كانت البلاد جاهزة للحرب أم لا، وحتى حين جاءته فرصة تاريخية بعد الهزيمة لتحقيق الديمقراطية، أضاعها ورفض تقديم أي تنازلات سياسية حقيقية، لأنه لم يدرك حتى اللحظة الأخيرة أن هناك فارقاً كبيراً بين رضاء الشعب عن الحاكم وتأييده له، والمشاركة الفاعلة للشعب في اتخاذ القرار، وهو ما يتكرر الآن في عهد عبد الفتاح السيسي بوتيرة أسرع وبغباوة أشد، وينتج هزائم يومية لا يقاومها الناس، لأن أغلبهم ما زالوا يرفضون تصديق ما فعلوه بأنفسهم، حين صدقوا أنهم ما زالوا يحتاجون إلى من «يشكُمهم».

ـ «والآن أتكلم» ـ خالد محيي الدين ـ مركز الأهرام للدراسات والنشر

٭ كاتب مصري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*