مأزق الحركة المدنية والتغيير

ابراهيم حيدر
14062017
النهار

أن يكون في لبنان تيار مدني ديموقراطي، وأن تنهض أحزاب علمانية غير ملتحقة بالطوائف وحركات تغيير شبابية، فذلك يعني عودة النبض الى الحياة السياسية في البلد. قبل ذلك لا بد من سجال الآراء التي تقول أن زمن الأحزاب والنقابات انتهى، ولم يعد لهذه الكيانات أي تأثير في المجتمعات التي تريد التغيير على طريقة فرنسا ماكرون مثلاً، علماً أن نسبة كبرى من الشباب الفرنسي لم يكن مؤيداً له في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية الفرنسية، فيما قاطع قسم كبير منهم انتخابات المرحلة الثانية. وها هم البريطانيون يخالفون التوقعات، ويعيدون حزب العمال الى الواجهة مع اتحادات نقاباتهم، للقول أن الزمن يتغير أيضاً في اتجاه معاكس، عندما يستعاد النبض في علاقة الأحزاب بالناس من خارج المصالح الضيقة وسياسات الإفقار تحت عناوين كبرى.

لكن ماذا عن لبنان في ضوء الاتفاق على قانون انتخاب نسبي ملتبس في بنود كثيرة؟ تثبت الوقائع يومياً عدم قدرة التيارات المدنية الديموقراطية على إحداث تغيير حقيقي في الحياة السياسية في لبنان. وينسحب الأمر على الأحزاب العلمانية التي لم تستطع تجديد بنيتها على قواعد جديدة، فباتت وكأنها مستنسخة عن القوى الطائفية. اليوم، نقتنع أن ليس لدى هذه التيارات الناشئة التي وجدناها في الانتخابات البلدية الأخيرة وفي التحركات المطلبية الاحتجاجية، مساحة كافية وتأثير على الفئات الاجتماعية، وسط الإصطفافات الطائفية، وهي لم تستطع أصلاً بناء علاقة معها في غياب قوى ديموقراطية قادرة على الاستقطاب والفعل والضغط لتصويب عمل المؤسسات وإقرار قوانين تضبط عمل الأفراد والجماعات، وتؤسس لنهوض مدني عابر للطوائف.

قد تكون محاولات للتأسيس، لكنها كانت تصطدم دائماً بالهيمنات الطائفية، وهي القادرة على استنفار عصبياتها عند كل منعطف يفتح على إمكان النهوض، وهو أمر شهدنا بعض نماذجه عندما بدأ الحراك المدني يستقطب فئات مختلفة، وإن كان هذا متواضعاً، سرعان ما انقض الجميع عليه بهدف تفكيكه، فأدخل في حالة سبات، تماماً كما جرى مع محاولات نقابية تعليمية باءت تجربتها بالفشل، وصارت جزءاً من المشهد اللبناني المستمر بأزماته المختلفة. الخيار الوحيد لنهوض مدني ديموقراطي، واستطراداً حزبي ديموقراطي، يجب أن يتركز على الإفادة من التجربة ومراكمة الخبرات من أجل البناء. فليس خيار الفوز مثلاً في نظام نسبي مقيد يعتبر شرطاً للمشاركة في الاستحقاق المقبل، ولا هدفاً في ذاته اذا كانت المواجهة مع قوى تمسك الشارع وتتمترس في الحكم في الوقت عينه، ولديها القدرة على استنفار كل إمكاناتها ضد أي تهديد لمكتسباتها الراهنة والمستقبلية.

رفع سقف الرهانات يؤثر سلباً على إمكان النهوض. هذا لا يعني أن الحركة المدنية وتياراتها لا قدرة لهما على الفعل، لكن المطلوب خفض سقف التوقعات، والبناء لاستقطاب فئات تشكل حصانة حقيقية للبلد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*