لِكُلّ فَحْلٍ شَوْطٌ في الشّام وَالحَقائق لَنْ تذلّ الأسد وَهِشامْ … و«الجزيرة» تنبش مصير قبر صدام؟!

 


لينا أبو بكر
Apr 19, 2018
القدس العربي

ليس رجلا من ينكر أن الأنظمة العربية، ومنها نظام البعث في سوريا، متورطة في التلاعب الإعلامي لإخفاء جرائمها الجنائية والأخلاقية وخياناتها الوطنية، التي تتمثل بتبديد الثروات واحتكارها، والتواطؤ مع الأعداء من أجل مصالح شخصية، ضد الشعوب والعروبة، وليس رجلا أيضا من ينكر أن مسلسل التحريض الإعلامي، وفبركة الحقائق، لإدانة زعيم عربي دون آخر، ثم الإصرار على معاقبته، لا تهدف أبدًا إلى إنقاذ الشعوب أو تحريرها، وإلا لنال البقية من الحب جانبا، ولهذا تحديدا لا يجب أن يقع المشاهد في فخ الأحابيل القانونية، والتسريبات الإعلامية التي تنفخ في بوق العدوان، متذرعة بجرائم الحرب، فكل من ينادي به متورط حتى النخاع بمستنقع الانتهاكات الكيميائية، التي لم يزل مصيرها الإعلامي مجهولا، طالما أن التصريحات الإعلامية تقع بين تطرفين: الإدانة أو الإنكار، ولا يقض هذا العض الفضائي على المواقف، سوى مطالبة الصين بلجنة تحقيق حيادية ونزيهة، فهل تعتبر أيها المشاهد، أن حقك بالمتابعة كافٍ؟ أم أنه عليك الانحياز لضميرك، لا لإعلامك، فإما أن يُعَمّمُ الظلمُ فيتساوى الظالمون، وإما أن تعدل مع من يقف عُتاة العالم ضده، لينقذوا جرائمهم بظلمه؟!

إعلام إسرائيل يستضيف عزرائيل

يؤكد لك الكاتب يعقوب شابيرو في مقالته التي نشرت في فبراير/شباط على موقع «جي بي أف»، أن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية أبعد بكثير من مجرد إسرائيل وإيران، فهي حرب قوى إقليمية، أنتجت تحالفات ضبابية بين تركيا وإيران والقوات الدولية وقوات النظام ضد داعش، وكلها تقف في حناجر بعضهما البعض، مع مراعاة نقاط الضعف الجغرافية إن أردت أن تسميها – بين الصهاينة والفرس، الذين تشكل الشام ساحة تصفية حسابات لهما، ولغيرهما.. منبها من قدرة إيران على إنفاق الجنود بالتمركز على الحدود بالطريقة التي لا يمكن لإسرائيل أن تقوى عليها، متسائلا عن الصمت الروسي لكل هذا التوغل الفارسي في محميتها السورية، بما يخالف تطالعاتها الاستعمارية ومصلحتها الاقتصادية، مهددا ضمنيا بسلاح إسرائيلي قادر على التصدي للدفاعات الروسية، والمدعوم بظهر أمريكي، غير ممانع بمباركة زواج المصحلة بين الشيعة والشيوعيين، لأنه العقد الوحيد الذي يضمن انهيار إيران! طيب، ما هي التوقعات، التي يراهن عليها هذا الإعلام وهو يفسخ لك حبال الوصل بين مشارب الحبايب؟
عزرائيل، متصالح تماما مع الصهاينة، بل هو أهم أقطاب التطبيع في العالم السفلي، كيف لا و»براقش» لم تزل تجني على نفسها، وشابيرو يطمئن قارئه بأن مصر والأردن في «الجيبة الخلفية» لشورت نتنياهو الرياضي، و»خذلك عاد»! هل هذا تحليل إعلامي، أم عرض تنزيلات لحانوتي يرش على الموت سكر؟
أنت لم تتحدث بعد عن الشعوب، التي حول الإعلام حلمها بالحرية إلى مجرد طُعْمٍ حقير، يصطاد به المزيد من الغزاة، والحقائق، التي سرعان ما تتلاشى بعد فضحها، فتفقد قيمتها، طالما أن المجرمين، (بطلعوا منها مثل الشعرة من العجين)، وطالما أن إخفاء الأدلة يزيد من قيمتها وحماس المشاهد للهاث خلفها، ولذلك لم يكن الإعلام بحاجة إلى حقيقة كي يبارك العدوان على دمشق، فأسهل الأكاذيب تصديقا وإمتاعا هي الأهم، لأن العرب لا تذلهم الحقائق… الأكاذيب وحدها هي التي تفعل بهم فعلها!!

حرب جبر الخواطر في سوريا

هل تعلم أن إسرائيل توقعت «شقلبة» تامة في تكتيكات التحالف في المنطقة، بل وراهنت على نتيجة كارثية تطيح بطموح موسكو، لأنها ستستخدم تركيا مجددا، لضرب التحالف الروسي – الإيراني، الذي يهدد نفوذها، مُدينةً السقوط السعودي في الصمت المطبق، كمحاولة تحذيرية أو تهديدية لاستدراج المملكة للتصعيد بما أنها تقع في النطاق الإيراني أكثر من إسرائيل!
الكاتب شابيرو، يرى أن إيران ستحل محل داعش، التي جمعت الخصوم في تحالف مشترك لتدميرها، فمن كان يصدق أن تقاتل السعودية وتركيا وإيران أمام عدو واحد هو الإرهاب، أما وقد انتهت مسرحية «الدولة الإسلامية»، فالفراغ لم يعد يتسع سوى لإيران ووكلائها، ولم يعد تهم إسرائيل ذخيرتها التدميرية، بقدر ما يهمها تشكيل حلف جديد، يجبر بخاطر «الفحول»، الذين يتناطحون على قذف الفريسة، ومسح اللحى، بدماء الضحايا، لتلميع بساطيرهم العسكرية، بما يُبرئ النظام من المسؤولية الكاملة، ويحرمه من الجريميتن: الحرب والبطولة، ما دام المجرم مُسَيّرا والبطلُ غير مخير، ولن تحسب للنظام سوى آخر ما تبقى من شجاعة الشجعان: البقاء، لاستمالة الأعداء لا الحلفاء، وهذا وحده كفيل بفضح «لَعّيبة الوَرَق»، وشَرّيبة ما أهدرته الثورات من عرق، في حفلة موت يحييها المهزومون والمفغلون والمأجورون، وسماسرة السلاح والإعلام وسياح الحروب ولقطاء التاريخ، فأهلا أهلا!!

بطح الغباء أم انبطاحه؟

تكاد تهتف لمحمد كريشان في حلقاته الحوارية: يْعَيْشَكْ يا كريشان، لأنه ينساك كمشاهد حين يتذكرك كعربي، وهو يقطب حاجبيه وشاربيه، اللذين غزاهما الشيب، بحثا عن أسئلة المصير، التي لا يستطيع أحد أن يجيب عليها سوى الله، في الوقت الذي يرق فيه قلبك لعيني «سلمى الجمل»، وهما تدمعان سرّا على ضحايا مسيرات العودة في فلسطين المحتلة، فما أن تقلب الهواء على الجانب الآخر من الفجيعة، حتى تصادف أحمقا ملخوما، يحاول فبركة عمليات حقن الأطفال بالكيميائي متلعثما: «بيقولولن شمو يا حلوين… أو بيحطولن الكيميائي بالأكل، إيه إيه هيك» … لتروح معها في غيبوبة إعلامية لا تستيقظ منها سوى على دعابات وسخريات هشام حداد على «أل بي سي»، في برنامجه التهكمي: «لهون وبس»، وهو يضحك على رعب اللبنانيين من قذائف مثل الريشة سقطت على دمشق، فهل هذا احتجاج على دغدغة العدوان، أم أنه طمع بالمزيد؟!
هنالك غباء يا جماعة، لا ينقذه من انبطاحه سوى بطحه، بحركة كوميدية واحدة، تحوله إلى ذكاء إعلامي خارق،لأنه ببساطة جنون مهني مرن، يتجاوز التوقعات والمحاذير والملل، برشاقة تستدرك اعوجاج أضلاعها فتقومها بنقد من هنا، وحركشة من هناك، وهذه مهمة خاصة لا يمكن أن توكلها لأحد سوى هشام، الذي يتمتع بعضلات بديهية، يبرع في استخدامها في اللحظة الحاسمة، لينقذ المشاهد من التفكير والتعبير، مستأثرا بالحسنيين معا. غير آبه بالحقيقة، ما دامت لن تؤثر على كرامة البرنامج أو كرمه في نغنشة الأكاذيب، فطوبى إذن للمبطوحين!

«الجزيرة» تبحث عن اللغز

أثارت «الجزيرة» قضية قبر صدام من جديد، في مجموعة من اللقاءات مع أبناء العوجة، الذين هُجروا منها أثناء حرب الحشد الشعبي على «داعش»، وسألتهم عما يتداوله الإعلام من أقاويل متضاربة حول مصير قبر الشهيد صدام حسين، فمنهم من يقول إن أحد أقارب ضحايا النظام نبش قبره ومثَّل برفاته، وآخرون يؤكدون تفجير «داعش» للقبر، أو سرقة ابنته لجثمانه ونقله للدفن في الأردن، بينما تصر الأغلبية على دور «الحشد الشعبي» السري بمحو أي أثر للشهيد، حتى لو كان موته، مع إنكار أركان الحكومة العراقية لكل هذه الترهات، مؤكدين أن القبر لم يزل محتفظا بجريمتهم، وبما أننا نتأمل قيمة الحقائق والأكاذيب، فإن من يقولون إن شبيه صدام هو الذي أعدم، لم يزل الخوف منه ميتا أكثر منه حيا، يرتعد في أوصالهم وحناجرهم، ولا يمكن لمن يُعدَم بعدل، أن يؤلب الرعب منه بهذا الشكل، إلى الدرجة التي أعرب أحدهم فيها عن يقينه بقرب عودة صدام، وتشكيكه بلعبة الإعدام، فهل نحن أمام «غودو عربي»، في مسرح العبث اللا معقول هذا؟ هل تتساءل «الجزيرة» عن لغز الإعدام، أم عن مصير العدم؟ هل تصنع «الجزيرة» خبرا، أم تنتصر لعدالة الوهم كلما استبد ظلم الحقيقة؟ أم أنها فقط، تحفر مقبرة جديدة لترحب بغودو لا تحتمل انتظاره… وسلامتكم!

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*