لماذا نكسة وهي هزيمة؟

 

كان إلى جانب جمال عبد الناصر، عندما دمرت اسرائيل القوات المسلحة المصرية، صحافي يدعى محمد حسنين هيكل. النصيحة الأولى، الهزيمة لا تُحتمل، ولذا، يجب تخفيف ثقلها، وتسميتها نكسة. ثانياً، أعرِض الاستقالة على الشعب المصري لأنه سوف يرفضها، وتلك هي الطريقة الوحيدة لامتصاص غضب الشعب والجيش، والحيلولة دون انتفاض الناس، أو تصادم الفريقين.

في 5 حزيران 1967، لم تهزم مصر بقدر ما هي سقطت ضحية خدعة عسكرية كبرى. قَرَعَت طبول الحرب ولم تستعد لوقوعها. أصغى عبد الناصر إلى جميع نصائح التهدئة، وخصوصاً من حلفائه السوفيات، لكنه ظل في العلن يردد كلمات الحرب ويطرد القوات الدولية الفاصلة، وخلال اسبوع مريع، احتلت اسرائيل سيناء والجولان والقدس الشرقية. ونكّست رايات العرب ووجوههم.

لكن الدول الثلاث، مصر وسوريا والاردن، تمكنت من التماسك، على فداحة الخسارة. ثلاثة جيوش عربية كبرى، وحسنة التدريب، تسقط مرة أخرى بعد عقدين على 1948، أمام جيش دولة واحدة. إذا قرأتَ شهادات المراسلين التي خرجت من اسرائيل في تلك الفترة، تكتشف أن الاسرائيليين كانوا يعيشون حالة رعب وجودية، ويخشون قوة العرب. لكنهم اعتمدوا الخداع والمفاجأة. وقد دفع العرب ثمن السذاجة السياسية، وليس ثمن النقص الحربي.

العسكري العربي فشل في إقامة نظام سياسي حي، ولم يخفق في الميدان. كل ما حصل في الميدان ان السلحفاة الاسرائيلية قد استبقته، بينما كان لا يزال غارقاً في هوايته الكبرى: الخطابة.

انصرف عبد الناصر الى لملمة الوضع الداخلي الدقيق. فقبل ست سنوات خسر الوحدة مع سوريا، حيث كان المسؤول، إلى حد ما، رفيقه وشريكه عبد الحكيم عامر. وهذا هو المشير يحلق في الجو فيما “الميراج 5” تقصف طائراته ودباباته الرابضة. كان لا بد أن ينتحر، فيما تمسح مصر عن جبينها عفر الغبار. ولكن بفضل حصانتها التاريخية كدولة، غاب عامر، واطفىء “صوت العرب”، وخبئت معالم الهزيمة الأخرى، وعادت مصر الجريحة الى الوقوف، من دون اهتزاز مدمر لاركان الدولة.

غير أن النفس العربية اهتزت في اعماقها. بعد عقدين على ضياع فلسطين وتمزق جزء من الخريطة، ها هو الانهيار الجديد يشمل مصر وسوريا والقدس. في الحرب الأولى هزمت اسرائيل “الرجعية العربية”، لكن الذي تهاون الآن هو الثورية نفسها، والانظمة التي قصفت الملكيات باسم فلسطين، وحملت العسكريين أنفسهم الى الحكم، بحيث تكون المسيرة الى الجبهة مباشرة ومن دون “سفسطة” السياسيين.

كما في 1948، استدارت الدول العربية العام 1967 على نفسها. وبدأ تحرير فلسطين من عمان وبيروت والكويت. وإذ غاب عبد الناصر، لم يتردد معمر القذافي لحظة في رفع مسيرة الوحدة، فبدأ بمصر وانتهى “ملك ملوك أفريقيا”. وفي لحظات القوة سار العرب مع ياسر عرفات، ثم اصبحوا يترددون في استقباله عندما اصبح بعيداً في تونس، وبعدها أسيراً في “المقاطعة”. ولم تسمح له القمة العربية في بيروت حتى بالحضور التلفزيوني. مع انها مثل كل قمة أخرى، كان شعارها فلسطين. اعطوه القفل وغيّروا المفتاح.

بعد غياب عبد الناصر، غابت مصر نفسها هذه المرة. من أجل اخراج اسرائيل من سيناء، أخرج انور السادات مصر من العرب. وانتقلنا من الخبل إلى الجنون. بدل أن نعزل السادات ونستبقي مصر، سارعنا الى عزل المصريين. عزلناهم وشتمناهم ودفعنا السادات الى المزيد من أميركا واسرائيل. وطردنا مصر من الجامعة العربية، والجامعة العربية من مصر. وتراكضت الدول تريد كل منها ان تكون مصر، مستخدمة السلاح نفسه: الخطابة!

مزقت هزيمة حزيران المنطق العربي والوجدان العربي معاً. حارب الفلسطينيون في عمان وبيروت، واحتل صدام حسين الكويت، ودخل لبنان في حرب عربية دولية بلا نهاية، وارتفع الصراع الأخوي بين سوريا والعراق إلى درجة دخول دمشق في حرب تحرير الكويت. لم يكن أحد يتخيل أن هذا الاختلال القيمي الشامل سوف يؤدي ذات يوم إلى أن يصبح العراق وسوريا بؤرة لصراع الأمم وأحزان الشعوب.

أهم ظاهرة تكدست منذ حزيران 67 الى اليوم، أن فلسطين تراجعت في صف القضايا. لاجئو العروبة، اضعاف اعداد لاجئي الصهيونية. والكلام عن وحدة، الآن، أشبه بالسخرية، وحتى باللؤم. والجبهات تشتعل على نحو غير مسبوق في الموصل والرقة، بعدما أُشعِلَت مدن سوريا كلها جبهات وركاماً. ولا ضوء في الأفق، ولا حتى أفق. لماذا؟ لأن لا شيء قد تغير. تغيرت أوروبا عندما تغير الاوروبيون. تغيرت الصين عندما تغير الصينيون. تقدم أهل أميركا الجنوبية عندما تحرر معظمهم من الحكم الفاسد والمعدوم الفكر، ومن ارتضاء التخلف كحالة إنسانية، وأحياناً وطنية.

هناك خياران في الدنيا عبر التاريخ: التقدم ونقيضه. ومهما زينت التخلف وزينته للناس، فسوف يبدو، في أحسن الحالات، مثل “عنزة الاستقلال”: عنزة موشاة بالذهب وترقص لايقاع واحد.

ماذا حدث بعد نصف قرن؟ عندما تتابع صحف مصر وكبار المعلقين، ترى أن الشكوى الكبرى هي من نظام التعليم والمطالبة بالعودة الى نهج طه حسين. أيها هي الجامعة الكبرى الجديدة في مصر أو سوريا أو العراق أو حتى لبنان؟ في المقابل شركات “وول ستريت” العلمية تدفع المليارات للدمج مع شركات اسرائيلية. وتشتري الصين طائرات “الفانتوم” الاميركية، ثم ترسلها الى اسرائيل “لتطويرها”. استخدمت “داعش” آخر درجات التكنولوجيا لتصوير قطع الرؤوس وإحراق الأحياء. يجب أن نبدأ البحث عن جينة المَصاب العربي في مكان ما. و 5 حزيران كان مجرد عرض من اعراضها، وليس سبباً مجرداً. لقد ولد “داعش” في ظلمات الليل العربي. وفي رطوبة الهزائم وعتمة الظلمات، ينمو الفطر والطحلب. بعد مراهقات الفكر العربي وأبو الزلف، كانت الكوارث العسكرية والسياسية والاجتماعية التي استولدت هذه الفظائع. الهزيمة الكبرى ليست عسكرية. الهزيمة الكبرى عندما يبلغنا وليد عبود في برنامجه أنه منذ نهاية الحرب فقدنا 200 الف قتيل، العدد الذي فقدناه في الحرب نفسها، ولا نعتبر أن هذا امر كارثي يستدعي مقاضاة هذا الشعب المتوحش. هؤلاء الداعشيون الفالتون على طرقات لبنان، ألا يستحقون منا المطالبة بتسليم السير الى الجيش، من الآن والى حين العثور على دي.إن .آي هذا النوع من الجريمة التي لا عقاب لها؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*