لماذا نحتفل بمئوية غورو ونستنكر مئوية بلفور؟

 

سأدخل، بإرادتي، إلى الموضوع الشائك الذي أعتقد أنه يكمن في القاع العميق لبعض معضلات المنطقة الموروثة منذ الحرب العالمية الأولى:

كيف نجمع بين ترحيبنا بمئوية غورو عام 1920 التي أسست الكيان اللبناني الحالي وبين استنكارنا مئوية بلفور عام 1917 (السابقة لمئوية غورو) التي تعهّدت بإقامة ثم أسّست الكيان العبري؟

كيف نحتفل هنا ولماذا، وكيف نرفض هناك ولماذا، مع أن المئويّتين هما حصيلة عملية تاريخية واحدة هي الحرب العالمية الأولى؟

سأوفِّر بسرعة على المصدومين بالسؤال مدة الصدمة وأجيب:

ببساطة نرحّب بمئوية غورو لأنها حملت مشروعا تعدديَّ الأديان والمذاهب هو لبنان، ونستنكر بل نكره في الوقت نفسه مئوية بلفور التي حملت مشروعاً استئصاليّا آحاديّاً دينياً هو إسرائيل التي أصبحت أكبر بعد 1948 ولا تكفّ عن الاتساع الاستيطاني عام 2017؟

 هنا تبدأ الأسئلة بالصوت العالي عن أسباب هذا الاختلاف الجوهري:

هل هي الفارق بين اهداف راعِيَيْ ولادة الكيانين اللبناني والإسرائيلي وهما بريطانيا وفرنسا والتزاماتهما في المنطقة؟ وهذا عنصر أكيد مع العلم أن بريطانيا التي زرعت الكيان العبري هي نفسها التي ساهمت أو أسست كيانا تعدديا نقيضا هو العراق؟ ولكنها بعد عقدين (1947) سترعى ولادة كيان ديني آخر (مسلم) ولكن غير استيطاني هو باكستان! بينما فرنسا بدأت في سوريا عام 1920 بإنشاء كيانات صغيرة بينها كيانان طائفيان هما دولة العلويين ودولة الدروز سرعان ما سيندمجان في الحركة الوطنية السورية الناشئة التي نجحت بين الحربين في فرض توحيد سوريا وكياناتها الأربعة.

لكن أليس في أساس هذا الاختلاف الجوهري بين مئويْ غورو وبلفور كون قاعدتي المشروعين مختلفتَيْن أي القاعدة المارونية – المسيحية للبنان والقاعدة الصهيونية لإسرائيل؟

الجواب نعم وبسرعة. لبنان لا زال بلدا تعدديا وإسرائيل بلدٌ باتت تَسْمِيَتُهُ من رئيس أميركي سابق ( جيمي كارتر) ووزير خارجية كان وقتها في السلطة (جون كيري) بأنها أصبحت “نظام تمييز عنصريا” هو الوحيد في العالم منذ نهاية نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا وهو الوحيد العنصري المؤسساتي القانوني في العالم حسب التقرير الشهير العام المنصرم الذي صدر عن قانونيين أميركيين كبار بتكليف من منظمة “الإسكوا” ناهيك طبعا عن عشرات القوى والأفراد والهيئات الغربيين الذي يتبنّون هذا التوصيف.

لهذا فإن البعد الساخر المأساوي معاً في وعد بلفور أن وزير الخارجية آرثر بلفور بعد أن يعلن وعده بإقامة وطن قومي للشعب اليهودي “يوضح” أن ذلك “لا يعني التحيز ضد الحقوق المدنية والدينية لطوائف أخرى في فلسطين”.

وما حصل طبعا وما يستمر في الحصول هو عكس هذا “التوضيح” بالضبط.

القاعدة المارونية المسيحية بقيادة البطريركية المارونية في بكركي وبعض النخبة المحيطة بها اختارت بالنتيجة “لبنان الكبير” وليس “الوطن القومي المسيحي”. مع أن الموارنة والمسيحيين عنصرٌ أصيل ديموغرافياً في المنطقة، أما اليهود الأوروبيون الغربيون والشرقيون فكانوا عنصرا طارئا عليها.

لا أقرأ التاريخ حسب ميولي. أقرؤه حسب نتائجه. مع أن ميول الأفراد التي هي جزء من ديناميكية جَماعيّة تساهم في “حماية” التاريخ (التعددي) إذا جاز التعبير.

حتى التيار “الانفصالي” لدى بعض مسيحيي لبنان، بمعزل عن الخيبات التعايشية مع المسلمين التي أتى منها، هو الآن في هزاله شبه الكامل منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990 التي عزّز النظام الدولي نتائجها التوحيدية. وصار هذا التيار يعبِّر عن نفسه “فدراليا” لا انفصاليا بالسعي إلى ما يعتبره تصحيح توازن مختل في الصيغة اللبنانية. ولكن التيار المسيحي الكاسح وفي مقدمه العهد الرئاسي العوني “الجديد” يعوِّل على إعادة التوازن الطائفي الديموقراطي ضمن الخيار التوحيدي على كافة أراضي لبنان الكبير… لبنان مئوية غورو الذي تدعمه الآن النخب المسلمة بشبه إجماع.

لا بل تنشأ حاليا مفارقة لبنانية مذهلة وحقيقية:

ذروةُ الاقتناع بِ بل الامتنان لِ “لبنان الكبير” الكيان.. وذروةُ عدمِ الثقة بدولة هذا الكيان.

المفارقة جزؤها الأول مسلم. وجزؤها الثاني مسيحي مسلم. أي استخلاص الأجيال المسلمة لتميّز لبنان الحداثي الثقافي التربوي الاجتماعي وانعكاساته في الإعلام وبعض السياسة الحيوية ولكن العاجزة أو القاصرة خارج “الإستابلشمنت” وبين ركاكة الدولة اللبنانية المتزايدة بإدارة طبقة سياسية فضائحيّة لمعادلة “النظام الشرس والدولة التافهة”.

ولو ذهبنا أبعد:

نرى الآن كيف “نَعَفَ” تأسيسُ إسرائيل كلَّ المنطقة وأدّى إلى توليد أسوأ ما في هذه المنطقة (وفينا) بينما ظهر أن لبنان كان “هدية” التوازن الدولي الجديد ممثلاً بفرنسا لأحد جناحي النهضة العربية منذ منتصف القرن التاسع عشر، الجناح المسيحي (الجناح الثاني هو المصري المسلم الكبير). أما تأسيس إسرائيل فقد ضرب كل منجزات تيار الليبرالية السياسية والثقافية العربية في النصف الأول من القرن العشرين وأدّى إلى سقوطه في العالم العربي.

أقول ذلك وأنا من بين المؤيدين الكثيرين المتحمِّسين في العالم العربي لحل الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية. وأقول ذلك وإسرائيل، من سوء حظنا العربي، هي الدولة الأقوى والأكثر تقدما في المنطقة.

jihad.elzein@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*