لماذا نجحت إيران لبنانيّاً وفشلت المملكة؟


سركيس نعوم
14 112017
النهار

الأمثلة على أن تحالف الكبار مع الصغار هو لاستخدامهم كثيرة في لبنان. لكنّنا سنكتفي باثنين مُهمّين ومستمريّن في تأثيرهما السلبي على البلاد. الأول اختيار سوريا حافظ الأسد الرهان على شيعة لبنان بعد يأسها من مسيحيّيه ومُسلميه الآخرين، وكانت “أمل” الحركة السياسيّة الأكثر استقطاباً لهم جرّاء تصدّيها للاقطاع الشيعي المُتجذّر وانطلاقها في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان. والأوّل أيضاً اختيار الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، حليفة سوريا حافظ الأسد ضد عراق صدام حسين، شيعة لبنان لتأسيس قاعدة شيعيّة مقاومة لاسرائيل واحتلالها يمكن استعمال وهج نجاحها لاحقاً لنشر نفوذها في المنطقة (تصدير الثورة). لكنّها لم تستشر الأسد الأب في ذلك وانطلقت منذ عام 1982 في مساعدة “لبنانيّيها” لتأسيس “حزب الله”. فشعر بالقلق لرفضه مشاركة أحد له في لبنان. وأشعل ذلك حرباً بينهما خاضتها “أمل” نيابة عن دمشق و”حزب الله” نيابة عن طهران، واستمرّت سنوات سقط فيها نحو 3000 قتيل وآلاف الجرحى. وعندما كانت تُعقد اجتماعات في سفارة إيران في بيروت بين “أمل” و”الحزب” لوقف الحرب أو النار كان ممثّل “أمل” يصرخ: “لست أنا المشكلة روحوا احكوا مع حافظ الأسد”. لم تتوقّف إراقة الدماء إلّا بعد اتفاق الدولتين على شمول تحالفهما لبنان. فهل كان الشيعة سعداء بالتقاتل كرمى للحليفين الكبيرين أم كانا مضطرّين إلى ذلك؟

طبعاً يقول البعض هنا إن وضع المثلَيْن على قدم المساواة غير عادل لأن إيران ساعدت حليفها بل ابنها لإنهاء الاحتلال الاسرائيلي للبنان، ولّأنها نجحت في إقناع “شعبه” بإيديولوجيّتها السياسيّة – الدينيّة، ولأنّه هبّ بايحاء منها للدفاع عن نظام الأسد بالحرب وحقّق نجاحات حوّلته قوّة إقليميّة مهمّة. ومن خلال ذلك كلّه استحقّ أن يكون شريكاً لإيران أو بالأحرى صاحب رأي لبناني وإقليمي يُستمع إليه فيها. وتحالفهما ربّما يكون الاستثناء الوحيد لقاعدة “تحالف الكبار والصغار هو لمصلحة الكبار”. والاستثناء لا يلغي القاعدة بل يثبّتها. علماً أن الانصاف يقتضي التريّث ريثما تنتهي الحروب بين إيران وأعدائها في المنطقة والعالم لمعرفة إذا كانت ستتخلّى عن “الحزب” أو ستهديه لبنان وربّما غيره.

في أي حال على المملكة المتألّمة لعدم تشابه إداء حلفائها اللبنانيّين مع إداء حلفاء إيران أن تعترف بأن لذلك أسباباً موضوعيّة. منها أنها ليست على حدود لبنان مثلما إيران على حدوده عبر سوريا، ولا تستطيع أن تقوم بالدور المطلوب لدعمهم كي ينفّذوا ما يحمي مصالحها. ومنها أن حلفاءها لا تمتلك غالبيّتهم المقدرة على التنظيم والتعبئة السياسيّة أو العسكريّة ولا العقل والفكر الاستراتيجي. ومنها أن المال هو الأهم باعتباره عصب كل المعارك. وذلك صحيح لكن للمعارك “أعصاب” أخرى غيره. علماً أن المملكة والدول التي مثلها اعتبرت دائماً أن المال هو الدعم الأفعل الذي يجب أن تقدّمه. ومنها أخيراً تنبُّهها متأخّرة إلى ضرورة التنظيم على كل المستويات وفي كل المجالات، ولكن بعدما سبقتها إيران وبأشواط.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*