في الثالث من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، نشرت «الأخبار» معلومات وردت في تقارير داخلية في مصرف لبنان، تفيد بأن البنك المركزي أجرى 6 عمليات خاصة مع «سيدروس إنفست بنك» بين آذار/ مارس 2017 وكانون الثاني/ يناير 2018، ثلاث عمليات منها جرت قبل تجديد ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وثلاث عمليات بعده. وجرت جميع هذه العمليات بطريقة مثيرة للانتباه. فقد باع البنك المركزي في كل عملية سندات خزينة لـ «سيدروس»، وأعاد شراءها في اللحظة نفسها بسعر أعلى بلغ متوسطه 151% من سعر البيع، أي إن البنك المركزي قام بشطبة قلم، ومن دون أي مقابل، بتحويل أرباح فورية من المال العام إلى أصحاب البنك المذكور ومن يمكن أن يكون مستفيداً معهم. ووفق التقارير نفسها، بلغت قيمة الأرباح المحققة من هذه العمليات نحو 38 مليون دولار، من ضمنها 28 مليون دولار سجّلت في حساب أرباح سنة 2017، وهي السنة التي وُزِّعَت فيها أنصبة أرباح على المساهمين بقيمة 21 مليون دولار، بمعنى أن هذه العمليات أفضت إلى زيادة أرباح المساهمين، وبالتالي لم يكن هدفها معالجة مشكلة ما، لا في وضعية هذا البنك الخاص، ولا في وضعية بنك الدولة.

لم ينفِ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، هذه المعلومات، بل بالعكس، فهو بطريقة أو بأخرى أقرّ بأنها صحيحة مئة في المئة. ولكنه اضطر إلى تقديم مبررات لها في حلقة «صار الوقت» على شاشة  “إم تي في” التي استضافته في الأسبوع الماضي. فردّاً على سؤال عمّا إذا كانت العمليات التي أجراها مع «سيدروس» تنطوي على إثراء غير مشروع، أجاب بما معناه أنّ الطريقة التي تناولت فيها «الأخبار» هذه العمليات كان فيها تجنٍّ على بنك «سيدروس». لقد قدّم سلامة جوابه كما لو أنه مراقب يدلي برأيه وليس طرفاً في هذه العمليات، ينتمي إلى القانون العام، وتقضي واجباته بتقديم المعلومات الصحيحة.
قلّل سلامة من أهمية هذه العمليات، وصوّرها بأنها طبيعية أو اعتيادية، كما لو أنه يقوم بمثلها كل يوم، يأتي إلى مكتبه في الصباح ويوقّع على عمليات توزيع الأرباح هنا وهناك. قدّم روايته لهذه العمليات على الشكل الآتي: قبل إقفال الهندسة المالية الكبرى في عام 2016، تقدّم «سيدروس» بطلب للاستفادة منها، ولكنه تأخّر في جلب «الدولارات» التي تمنحه هذه الاستفادة، فهو بنك جديد ولا يزال فتياً وعلينا مساعدته، لذلك أجرى البنك المركزي عمليات خاصة به لاحقاً. وهذه العمليات كانت علنية، ووافق عليها المجلس المركزي لمصرف لبنان.
لم يكن سلامة غير مقنع فحسب، بل قدّم معلومات غير صحيحة ومتناقضة مع المعلومات الرسمية الموثّقة.

البنك المركزي لم يأخذ بمطالعة مديريته القانونية، وأصرّ على إجراء العمليات المخالفة

أولاً، ليس صحيحاً أنّ «سيدروس إنفست بنك» و«سيدروس بنك» لم يستفيدا من الهندسة المالية في عام 2016، فوفق الوثيقة التي نشرتها «الأخبار» (بالأسماء والأرقام – 13 كانون الثاني/يناير 2017)، الصادرة عن لجنة الرقابة على المصارف، يتبين أنهما كانا مستفيدين وحققا أرباحاً من هذه الهندسة بقيمة 16 مليار ليرة، وحلّا في المرتبة 22 بين 35 مصرفاً مستفيداً، وهذه المرتبة أعلى من مرتبة البنك لجهة حجمه وحصّته من القطاع المصرفي. وهذا يعني أن البنك لم يتأخر في جلب الدولارات التي كانت شرطاً للاستفادة من الهندسة المذكورة، مثله مثل 35 مصرفاً آخر.
ثانياً، ليس صحيحاً أن البنك تقدّم بطلب إجراء عمليات خاصة به قبل إقفال الهندسة المالية الكبرى في عام 2016. فوفق الوثيقة التي نشرتها «الأخبار» (سيدروس من جديد- 4 نيسان/أبريل 2017)، يتبين أن «سيدروس» تقدّم بطلبه في 13 شباط/فبراير من عام 2017، أي بعد إعلان سلامة إقفال الهندسة المالية. كذلك، ليس صحيحاً أنه طلب الاستفادة من الهندسة المالية بمفعول رجعي، كما روى سلامة، بل كان طلبه واضحاً، فهو يريد «الدعم من مصرف لبنان، عبر هندسة مالية خاصة، تمكّنه من تنميته وزيادة عدد فروعه وقيمة ودائعه خلال السنوات الثلاث المقبلة (…) وإطفاء خسائره المتراكمة المسجلة في حساباته للسنوات الماضية والخسائر المتوقعة حتى عام 2019».
ثالثاً، ليس صحيحاً أنّ هذه العمليات كانت علنية، ولا يعني شيئاً إذا كان المجلس المركزي لمصرف لبنان قد وافق عليها أو لم يوافق، فالعمليات التي قام بها البنك المركزي لزيادة أرباح «سيدروس»، عمليات غير قانونية، وفق مطالعة مديرية الشؤون القانونية في مصرف لبنان، التي رفعتها إلى سلامة بتاريخ 4 آذار الماضي، تعليقاً على طلب «سيدروس»، وأبلغته «أن المهمات المنوطة بمصرف لبنان، بموجب القوانين النافذة، هي تأمين السيولة للمصارف، عند الحاجة، وفقاً لشروط خاصة (ضمانات…)، وليس تعدّي ذلك إلى تعزيز الأموال الخاصة للمصارف وتأمين ملاءة هذه الأخيرة». تبيّن الوقائع والوثائق أن البنك المركزي لم يأخذ بهذه المطالعة، وأصرّ على مخالفة القانون، والبدء بإجراء العمليات المطلوبة في الشهر نفسه.
هذه الوثائق الثلاث تدحض الرواية التي قدّمها سلامة، وهذا يزيد من علامات الاستفهام حول طبيعة هذه العمليات. وأخيراً، ليس صحيحاً أن كشف هذه المعلومات فيه تجنٍّ على «سيدروس»، لأن السؤال ليس مَن يحاسب «سيدروس»، بل مَن يحاسب حاكم مصرف لبنان؟