لماذا لا تركيز على المناطق والمشاريع الحيوية؟  

يطالب المشرفون على عمليات مرفأ بيروت، الذين يعتبرون ان طاقته لاستقبال الحاويات قاربت التشبع، بانجاز اعمال توسيع. فمستوى القدرة الكاملة يسمح باستقبال 1.45 مليون حاوية ويقدر ان يبلغ عدد الحاويات هذه السنة (2017) 1.3 مليون حاوية.

قد يبدو مطلب المشرفين مشروعاً ومبرراً وقد يجد طريقه الى التنفيذ علمًا بان المرفأ يشغل بربحية كبيرة وعائد مقبول للدولة، لكن على المسؤولين، الوزراء والنواب/ ان يدركوا ان هنالك خيارات افضل لأكثر من سبب، وهي خيارات تساهم في تحقيق استهداف النمو المتوازن بين المناطق.

مرفأ طرابلس الذي انجز بمواصفات جديدة ومفيدة منذ وقت قريب والذي يتمتع بإدارة تحظى بأفضل الخصائص التقنية والتطلعات المستقبلية، يستطيع استقبال 500-600 الف حاوية سنويًا حاليًا، ولدى مرفأ طرابلس مساحة للتخزين تساوي 650 الف متر مربع كافية للتعجيل في التفريغ والتحميل في فترات لا تستوجب رسوماً على التأخير بالغة الارتفاع، كما تسمح باستقبال عدد أكبر من الحاويات.

اضافة الى المعطيات المتوافرة حاليًا في مرفأ طرابلس، هنالك مزايا أخرى يجب النظر اليها. فإدارة مرفأ طرابلس وضعت مشروعًا لزيادة طاقة استيعاب السفن الكبيرة التي تنقل الحاويات ويشمل مخططها مد الرصيف لاستقبال الناقلات الى طول 1200 متر وتأمين عمق على مستوى 18 متراً، اضافة الى وسائل انزال الحاويات وحفظها أو رفعها الى السفن لأغراض التصدير. وحينئذٍ يمكن استقبال اربع ناقلات ضخمة في آن واحد.

الامر الذي يسترعي الانتباه ان القيمين على مرفأ طرابلس استطاعوا التوصل الى تحصيل تمويل تسهيلي من البنك الاسلامي السعودي بقيمة 85 مليون دولار، ربعها هبة من الطرف السعودي، ويمكن انجاز الاعمال بسرعة ودون تحميل الدولة اية نفقات. وتطوير مرفأ طرابلس على الشكل المتحقق دفع شركة”سي أم أي -سي جي  إم ” الفرنسية التي تعتبر ثالثة كبرى الشركات لنقل الحاويات والتي يحمل غالبية اسهمها لبنانيون وسوريون، الى تسيير رحلة اسبوعية من أوروبا الى مرفأ طرابلس.

يضاف الى التوجيه نحو مرفأ طرابلس توقع تحقيق مقدار أوسع من الاستقرار في سوريا، وموقع مرفأ طرابلس مناسب للاستيراد والتصدير الى سوريا، وتوقعات اعادة الاعمار في سوريا تفيد عن حاجة البلد الى استيراد مواد غذائية ومشتقات نفطية وكميات كبيرة من الحديد والاسمنت، والالبسة والألومينيوم والمعدات الطبية، فقد دمّرت نسبة 70 في المئة من المستشفيات ونسبة مماثلة من المدارس الخ.

لن يكون في الامكان تغطية حجم استيراد سوريا من بانياس واللاذقية فقط وستكون الحاجة ملحة الى مرفأي طرابلس وبيروت. لكن مرفأ بيروت لن يتوسع بسرعة لاستيعاب حاجات سوريا كما ان اختناقات السير في محيط مرفأ بيروت ومداخل بيروت الشمالية والشرقية التي تعج بالشاحنات تسهم في تأخير حركة السير وتزيد تكاليف انتقال المواطنين العاديين وتحرق اعصابهم.

ان البيروتيين والوافدين للعمل يوميًا في بيروت يشكون من ازمات السير الخانقة، والتي تسهم فيها الشاحنات المحملة في المرفأ، وكان ثمة تفكير منذ زمن في الاستعاضة عن مرفأ بيروت بمرفأ ينجز بمواصفات حديثة وارصفة كافية في منطقة مناسبة، لكن هذا التفكير طوي. وكانت لنا منحة من السوق الاوروبية سمحت بتوسيع طاقة مرفأ طرابلس وتجهيزه، في حين ان ادارته الجديدة أوجدت فرصة تطويره، وحيث ان طاقته الكلية غير مستعملة حاليًا يمكن توقع زيادة هذه الطاقة على الاستقبال الى مستوى 1.3 مليون طن سنويًا اي ما يوازي طاقة مرفأ بيروت حاليًا، وحينئذٍ يسهم مرفأ طرابلس في ترفيع طاقة لبنان على الاستيراد والتصدير بحرًا كما يسهم في تخفيف ضغط سير الشاحنات وخصوصاً في مداخل بيروت الشمالية والشرقية. وقد زاد حدة اختناقات السير في بيروت ازدياد عدد صهاريج المياه التي لا نعرف مصدرها ومدى نظافة مياهها، ووجودها في بيروت بكثرة مخيفة وشاحنات ضخمة يعود الى عجز مصلحة مياه بيروت عن تأمين المياه في قنوات لا تفقد اكثر من نصف كميات المياه نتيجة اهترائها.

ان تنشيط مرفأ طرابلس اذا تحققت توأمته مع تحريك مطار الرئيس رينه معوض والذي لا يحتاج الى نسبة 10 في المئة من تكاليف توسيع مطار بيروت، يؤدي الى ازدياد عدد ركاب الشركة الوطنية وخصوصاً بعد استقرار الاوضاع في سوريا. وكما بالنسبة الى المرفأ، يمكن القول إن تحريك مطار رينه معوض وتجهيزه الممكنين في فترة قصيرة تطوران يسهمان في تحسين نوعية الحياة والنشاطات الاقتصادية في مناطق اهملت الى حد بعيد منذ سنوات واصبح من الضرورة بمكان الالتفات الى تحريك هذه الفرص التي لن تنعكس فقط على طرابلس ومحيطها، وهما في حاجة الى التنشيط والتحفيز، بل على لبنان ككل. والاشارة ضرورية الى ان تخفيف الضغط عن مطار بيروت يسهم أيضًا في الحد من اختناقات السير واحتجاجات المواطنين.

لقد حان وقت الانتباه الى مسارات الانماء المتوازن وحاجات المناطق. وطرابلس وجوارها باتا مستعدين تجهيزيًا وبشريًا للاضطلاع بدور حيوي في الاقتصاد اللبناني. ولا بد من التذكير بان طرابلس كانت مركزاً صناعياً رئيسياً سابقًا، فهنالك مصانع مهملة عند مداخلها، ومصفاة طرابلس مناسبة للتوسيع، وامكانات الاستثمار في المصفاة متوافرة، واستقرار أوضاع سوريا يؤدي الى تدفق نفط العراق الى طرابلس من جديد وقد يسهم بحد ذاته مع الاستثمار في المصفاة في زيادة الدخل القومي بنسبة 2 في المئة سنويًا. فهل من يسمع وهل من يفعل؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*