لماذا توقعات النمو عالميًا أفضل


مروان اسكندر
النهار
19012019

توقعات معدل النمو عالميًا لسنة 2018 سواء لدى صندوق النقد الدولي، أو المصرف المركزي الاوروبي، او منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، توحي بان هذا المعدل سوف يتجاوز الـ3.1 في المئة.

على رغم تردد مسيرة النمو في فرنسا، مع تحسن متوقع يقرب من نسبة 1 في المئة، اعتبرت مجلة “الايكونوميست” ان التغيير الذي يعمل على تنفيذه الرئيس الفرنسي من أهم عناصر التحسن المرتقب.

ومجلة “الايكونوميست” الشهيرة بتحليلاتها المالية والاقتصادية تختار كل سنة دولة تميزت في العام المنصرم بتوجهاتها الاصلاحية. وكما مجلة “تايم” الاميركية تختار رجل العام كل سنة، وغالبًا ما يكون سياسيًا، تختار “الايكونوميست” بناء على تحليلات فريقها من الاختصاصيين، الدولة التي تقر افضل اصلاحات وتحقق توقعات مستقبلية ايجابية. وخيار المجلة لعام 2017 كان لفرنسا، البلد الغني بمعطياته الطبيعية والعلمية والذي تأخر عن معدلات نمو المانيا مثلاً لسنوات بسبب القوانين المتعلقة
بشروط تعويضات العمال واشتراكات الضمان الاجتماعي والمنافع التعليمية المجانية في جامعاتها المعروفة.

ولعل أهم ما حمله ماكرون الى سدة الرئاسة الفرنسية احتلاله موقعًا قياديًا في التوجه نحو تعزيز الوحدة الاوروبية، وهو حظي بمؤازرة انغيلا ميركل لتوجهه، وها هي ميركل، وهي من دون شك الزعيمة السياسية الاهم في أوروبا، تتبنى في مفاوضاتها لتأليف الحكومة الجديدة في المانيا، توجهات ماكرون، وتعلن انها ستتعاون معه لتوثيق علاقات دول الاتحاد الاوروبي وانجاز اصلاحات تمكن هذه الدول من مواجهة تحديات الولايات المتحدة الاقتصادية والامنية.

ماكرون وميركل يسعيان الى اعطاء الاتحاد الاوروبي الموقع الموازي للصين والولايات المتحدة، وتوجه ماكرون وميركل يستند الى ان انتاج دول الاتحاد الاوروبي يوازي في النوعية والقيمة انتاج الولايات المتحدة. ومعلوم ان سكان الاتحاد الاوروبي يزيد عددهم عن سكان الولايات المتحدة البالغ 320 مليونًا، علمًا بان متوسط معدل الدخل الاميركي للفرد لا يزال يزيد عن معدل دخل الاوروبي. فمعدل دخل الالمان يوازي ويزيد على معدل دخل الاميركيين، وكذلك هو الوضع بالنسبة الى هولندا، ونروج. وفرنسا ليست بعيدة من مستوى الاميركيين لكن معدل الدخل الفردي العام أقل منه في الولايات المتحدة لان عدداً من دول الاتحاد الاوروبي تواجه أوضاع اقتصادية متردية.

ان هدف ماكرون وميركل هو تكريس الاتحاد الاوروبي القوة الاقتصادية والتقنية الموازية والمكملة بالمقارنة مع الصين والولايات المتحدة، وماكرون أظهر شجاعة في تحدي الولايات المتحدة سواء على صعيد العلاقات الدولية، واخصها مع روسيا والعالم العربي. وميركل الزعيمة الهادئة والمستقرئة لعناصر النجاح في المستقبل، ابلغت ترامب ان أوروبا الغربية ليست في حاجة الى المساعدة العسكرية الاميركية وان مواردها وطاقاتها التقنية تسمح لها بمقارعة الاميركيين في أي وقت.

اتفاق ميركل مع كتلة الاشتراكيين الذي سيمكن من تشكيل حكومة تسير شؤون المانيا للسنوات الاربع المقبلة، وتكريس الاتفاق متوقع في 21 كانون ا لثاني الجاري، كان التطور الاهم في أوروبا الغربية. فانغيلا ميركل كانت قاعدة الاستقرار والقوة في الاتحاد الاوروبي، وكثير من الصحف توقعت قبل نهاية الصيف انقضاء عهد ميركل وخصوصاً مع ارتفاع تمثيل حزب اليمين المتطرف في المانيا، وانحسار تأييد الاشتراكيين بقوة، وانحسار تأييد حزب ميركل بنسبة ضئيلة. والاتفاق الذي توصلت اليه مع زعيم الاشتراكيين اسهم في طمأنة الاوروبيين الى ان الاتحاد مستمر وأن أسسه غير مزعزعة على رغم انسحاب بريطانيا، المقرر والمنتظر في نهاية 2019 اذا انجزت الاتفاقات على شروط الانسحاب، وشروط التبادل التجاري والخدماتي مع بريطانيا.

ان قوة ميركل تتجلى في أرقام لا يمكن مقارنتها مع اي دولة أوروبية. فمعدل البطالة في المانيا دون 4 في المئة وفائض حساب ميزان مدفوعاتها يقرب من 200 مليار أورور (أو 240 مليار دولار) وهذا فائض يتجاوز فائض مدفوعات الصين.

ان ضعف حكومة ماي في بريطانيا يؤثر على التوقعات الاوروبية التي كانت بالفعل تكون أفضل لو استمرت بريطانيا في عضويتها. ولا شك في ان انتخابات كاتالونيا اسهمت في القلق الاوروبي على استمرارية الاتحاد الاوروبي ونموه، وبالتالي كان نجاح ميركل في الانتخابات والتوصل الى اتفاق مع الاشتراكيين بمثابة مدماك رئيسي في انبلاج موجة التفاؤل. فعلى سبيل المثال، على رغم عدم وضوح سير الانتخابات في ايطاليا حظي اصدار سندات دين من أقدم مصرف في العالم الذي مقره ايطاليا، والذي واجه صعوبات في سيولته، بإقبال كبير بين ثقة الايطاليين بمستقبل الاتحاد والمصارف الايطالية.

الاروربيون متفائلون، وماكرون وميركل أعادا الى أوروبا القناعة بالقدرة على المنافسة والنمو والقيادة على صعيد دولي. وها هو ماكرون يزور الصين ويبدي بعض الملاحظات على نسق قيادتها ويعود بعقد بـ15 مليار دولار لشركة ايرباص، التي مركزها في فرنسا لكنها شركة فرنسية – المانية، يتناوب على قيادتها رؤساء تنتخبهم حكومة كل من البلدين.

الاهتمام الدولي اصبح منصبًا على القضايا البيئية ومن حسن الحظ ان التوجهات الالمانية التي كرست انهاء دور المفاعلات النووية واستبدالها بمصادر الطاقة المتجددة، تتكامل مع توجهات الصين التي هي بسبب ضخامة صناعاتها وسرعة استبدال المصانع ومعامل انتاج الكهرباء من الفحم الحجري بمصادر الطاقة لمتجددة البلد الاكثر اسهامًا في مقاربة نجاح استهدافات مؤتمر باريس لضبط ازدياد حرارة الارض وما ينتج منها من فيضانات وارتفاع مستويات البحار.

الاهتمام الثاني يدور حول المهجرين قسرًا من مناطق سكنهم وعملهم والمبعدين عن بلدانهم الذين يطلبون اللجوء الى المجتمعات المستقرة. وكانت المانيا البلد الاكثر استقبالاً للمهجرين، واتفاق ميركل مع الاشتراكيين نص على ضبط اعداد المهجرين الى المانيا على مستوى 200 الف مهجر سنويًا كحد اقصى. وبالتالي قضية المهجرين مرشحة للتأزم الى حد اكبر ما لم يتم التوصل الى حل يضمن العودة الطوعية والآمنة والمسهلة لغالبية المهجرين السوريين الذين بلغ عددهم الى خارج سوريا نحو 8 ملايين سوري وسورية، وعدد المبعدين عن مناطق سكنهم في سوريا يوازي العدد نفسه، وهذه عملية التهجير الكبرى في النصف الثاني والعقد الاول من القرن الحادي والعشرين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*