اخبار عاجلة

“لماذا تنفِّخ على اللبن؟ لأن الحليب كاويني”!


سركيس نعوم
النهار
29082018

تقول الروايات أن جمعاً من الناس شاهدوا شخصاً “ينفِّخ على اللبن” فسألوه عن دافعه الى ذلك. فأجاب: “لأن الحليب كاويني”. واذا سُيِّست هذه الرواية لبنانياً فإنها تصبح: لماذا الهلع الذي يبديه قسم من اللبنانيين من استعادة العلاقة مع سوريا الأسد؟ ولماذا رفضها ؟ فإن الجواب سيكون لأنها كوَت لبنان، ولأن “شعوبه” والمقيمين فيه عانوا ممارساتها السياسية والعسكرية والأمنية وهيمنتها وإقامتها نظاماً سورياً أسدياً في لبنان. علماً أن المجتمعين العربي والدولي أوكلا إليها بعد اجتماعات الطائف إنهاء الحرب التي نشبت بينها، وبناء دولة لبنانية مستقلة يسودها العدل والمساواة والأمن والحرية والديموقراطية، وتفتح الباب أمام توحيد “شعوبها” بتطبيق أهم بنوده ومنها جعل مجلس النواب مدنياً وإنشاء مجلس شيوخ غير شرفي.

وكي لا يُقال في هذا المجال أن التعميم لا يجوز وأن أسباب التصرّف السوري في لبنان قومية عربية والصراع مع إسرائيل وعلاقة دمشق بجهات لبنانية وخلافات الطوائف والمذاهب على الحصص، يستطيع كل متابع لمرحلة التدخل السوري في لبنان أن يجزم أن “حليب” سوريا الأسد “كوى” الجميع واستخدم الجميع وطوّع الجميع وسخّر الجميع لخدمة أهدافه، وساهم في تأجيج الخلاف والاقتتال عند الجميع وبينهم. فالحرب المسيحية – الاسلامية كان لها دور فيها. والحرب المسيحية – الفلسطينية كان لها دور فيها. والحرب الشيعية – الفلسطينية كان لها دور فيها. والحرب الشيعية – الشيعية كان لها دور فيها. والحرب المسيحية – المسيحية كان لها دور فيها. أما في مرحلة ما بعد الحرب أي مرحلة تطبيق اتفاق الطائف فإن كلمة سوريا الأسد نفسها ما كانت لتُرفض أو لتُصبح كلمتين عند اللبنانيين. فرؤساء الجمهورية عيّنتهم هي ومدّدت ولاية بعضهم. ورؤساء الحكومة اختارتهم هي كما أبدلت رئيس مجلس النواب بعد ثلاثة أعوام من بدء تطبيق “الطائف” رغم تحالفه معها لأنه عاند قرارها المتعلّق بالتمثيل النيابي للبقاع، وأصرّ على تقليص حصة “حزب الله” فيه الذي كان أصبح حليفها مع “حركة أمل”، بعد توصلها وايران الاسلامية الى اتفاق في لبنان مكمّل لاتفاقهما الشامل في المنطقة. وكان لها دور واسع جداً في الادارات العامة والمؤسسات المستقلة والمؤسسات الأمنية والعسكرية والجامعات القادرة على التدخل فيها، وفي النقابات والمؤسسات الدينية المسيحية والمسلمة، هذا فضلاً عن الممارسات الأمنية الشاذة ورعاية الفساد اللبناني المتأصّل والتحوّل لاحقاً شريكاً أولاً لممارسيه وهم من كل المشارب والانتماءات.

طبعاً ليس الهدف من هذا الكلام تبرير رفض “شعوب” لبنانية لعلاقة مع سوريا، أو لتطبيع العلاقة معها. ولا هو دعم لرفض الرئيس المكلف سعد الحريري أموراً عدّة تتعلق بهذه العلاقة لأسباب متنوّعة. فالجميع يعرفون أن حكومته المستقيلة عيّنت سفيراً جديداً للبنان في دمشق، وأن الاقنية الأمنية والعسكرية مع سوريا “شغّالة” لمصلحة البلدين، وأن حرب سوريا قطعت تواصل لبنان براً مع أشقائه في الخليج وعقّدت تصدير انتاجه الزراعي والصناعي إليه، وأن فتح “معبر نصيب” بين سوريا والأردن تنتظره قطاعات اقتصادية وانتاجية لبنانية بفارغ صبر. لكن المستمر تضررها من سوريا الأسد من “شعوب لبنان” بعد تحوّل بعضها ومن زمان الى التحالف معها بل الى التماهي في أثناء سنوات تعرضها لانتفاضة فثورة تحولت إرهاباً لأسباب تُسأل عنها جهات عدة، تخاف أن تكون الحاجة اللبنانية الاقتصادية وسيلة أولاً للمساهمة وإن بنصيب معتدل في تكريس “الانتصار العسكري” الأسدي الذي يعرف أصحابه أنهم اقتربوا منه بآخر سياسي داخل سوريا وفي لبنان.

وهذا أمر يخشاه لبنانيون وحلفاء لهم في المنطقة تماماً بالقدر الذي يرحب به أخصامهم في بلادهم. وتخاف أيضاً أن تكرّس عودة العلاقة تطويراً لنظام لبناني يحفظ المشاركة فيه التي يفرضها تنوّع “شعوبه” شكلاً ويحصر السلطة الفعلية فيه وعليه لواحد منها. وطبعاً أيضاً ليس الهدف من الكلام نفسه اتهام “حزب الله” بالسعي الى استعادة هيمنة سوريا على البلاد. فهو لا يرغب في ذلك ولا يحتاج اليه، ولبنان يبقى “لشعبه” و”لشعوبه” وطناً نهائياً. اذ أن أحداً لا يعرف كيف تتطوّر أمور سوريا في المستقبل وأي ارتباط لا انفكاك منه قد يؤذيه على المدى البعيد. لكن هنا يطرح لبنانيون كثيرون سؤالاً واحداً أو أكثر هي الآتية: اذا هوجمت سوريا من بلاد عربية عسكرياً نتيجة طمع أو خلاف هل يمكن لها أن ترد؟ وهل تسمح العقيدة القتالية للجيش اللبناني بالرد عليها اذا اعتدت هي على لبنان؟ طبعاً إسرائيل عدوّ دائم ولا بد من قتالها بكل الوسائل والاستعداد الدائم لذلك وإن تم “السلام المستحيل”. لكن هل يمكن استخدام ذلك لتبرير تدخل أشقاء له فيه أو سعيهم للسيطرة عليه؟ طبعاً لا يساوي “الموقف” هنا بين اسرائيل العدو وسوريا الشقيقة. “لكن يا جاري انت بدارك وأنا بداري”، كما قالها دائماً البطريرك الماروني نصرالله صفير. ولا يرمي أيضاً الى التشكيك في لبنانية “حزب الله”. فأمينه العام السيد حسن نصرالله قال “للمرة الألف” ربما أنه سيحمي الحدود الشرقية التي حرّرها ضد كل طامع وكذلك الجنوبية.

في النهاية لا بد من الإشارة الى ضرورة انتظار لبنان ما بعد الحرب السورية. طبعاً لا يعني ذلك أن مصيره سيكون التقسيم لأن سوريا لن تتعرض الى تقسيم رسمي بل مقنّع، ربما لأن فيديرالية العالم الثالثة تقسيم واقعي. وهذا التقسيم في لبنان حظوظه غير وافرة بسبب استحالة تحوّل اللامركزية الموسّعة فيه فيديرالية أولاً لاستحالة فرز “شعوبه” رغم حروبها الطويلة، وثانياً لعدم رغبة الأقوياء داخل كل منها في ذلك. الا أن ما يمكن الاشارة اليه هنا هو أن لبنان عاش عصراً مسيحياً منذ الاستقلال حتى 1975، وعصراً سنياً بدأ مع الحرب وانتهى بانتهائها، ثم عصراً سورياً نقله الى العصر الشيعي. واستمرار الأخير يحتاج الى أن يتصرف قادته مثلما تصرف قادة العصر المسيحي أي استعمال السياسة والابتعاد عن العنف وقبول التنوّع والحد الأدنى من الحرية والديموقراطية، وأن لا يفعلوا مثلهم بالوقوف في وجه دعاة التغيير من الداخل أو الاصلاح ولكن بالسياسة وفي اتجاه لبنان المدني. أما اذا تمسكوا بأنموذج أشقائنا فإن مصير البلاد والأنموذج لن يكون أفضل من المصير الذي يراه العالم في سوريا منذ سنوات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*