لماذا تلوّح إسرائيل للعرب بملف تعويضات “اللاجئين اليهود”؟


موناليزا فريحة
النهار
07012018

يهود يمنيون في عدن ينتظرون نقلهم الى اسرائيل في الأول من تشرين الثاني 1949.

لم تعد اسرائيل تكتفي بالمساعي لنسف حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وإنما أحيت معادلة قديمة تقوم على مبدأ “لاجئين مقابل لاجئين وتعويضات مقابل تعويضات” محاولة انتزاع تعويضات من دول عربية وإيران عن الممتلكات التي هجرها يهود غادروا المنطقة بعد حرب 1948.

وبثت القناة الثانية في التلفزيون الاسرائيلي تقريراً رسمياً يقول إن الحكومة الاسرائيلية تنوي مطالبة دول عربية بتعويضات مالية بقيمة 250 مليار دولار عن ممتلكات ليهود تزعم أنهم كانوا يقيمون فيها قبل هجرتهم إلى اسرائيل، بينها 50 ملياراً في تونس وليبيا.

ويفيد التقرير الرسمي الذي يجرد الممتلكات اليهودية المفقودة في الدول العربية، إنه بعد بحث استمر 18 شهراً، تنجز الدعاوى الأولى لتعويضات قيمتها 35 مليار دولار من تونس و15 مليار دولار من ليبيا، وذلك عن أملاك تركها اليهود بعد انشاء دولة اسرائيل عام 1948. ويتوقع أن تصل المطالبات بتعويضات عن الأصول المتبقية في كلّ من المغرب والعراق وسوريا ومصر وإيران واليمن إلى 200 مليار دولار.

واستأجرت إسرائيل شركة محاسبة دولية لم تعرف هويتها، لتقدير التعويضات المفترض المطالبة بها بموجب “صفقة القرن” المُتوقَّعة. وتشرف على مشروع حصر”ممتلكات اليهود العرب” وزيرة المساواة الاجتماعية الإسرائيلية غيلا غملائيل، التي قالت السبت: “حان الوقت لتصحيح الظلم التاريخي الذي وقع على اليهود الذين فقدوا ممتلكاتهم في الدول العربية.. لا يمكنك التحدث عن الشرق الأوسط دون النظر إلى حقوق اليهود الذين أجبروا على ترك مجتمعاتهم المزدهرة تحت العنف”.

وكانت الكنيست أقرت في 2010 قانوناً يلزم السلطات الإسرائيليّة بتضمين ملف “تعويض أملاك اليهود” في كل مفاوضات سلام تجريها مع الدول العربية. وعام 2012، أوعزت اللجنة البرلمانية لشؤون الرقابة في الكنيست الإسرائيلية الى فريق من المتطوعين بالسفر إلى دول عربية لتوثيق عقارات اليهود هناك وجردها، تحضيرا لدعاوى التعويضات التي ستحرك بموجب ذلك القانون. وقد اكتسبت هذه المبادرة زخماً منذ 18 شهراً مع بدء الحديث عن “صفقة القرن”.

عدد اليهود

وتقدر منظمة “العدالة لليهود من الدول العربية”، وهي منظمة دولية مؤلفة من منظمات يهودية، أن “نحو 856 ألف يهودي من 10 دول عربية فروا أو طردوا عام 1948 وبعدها”.

مهاجرون من العراق بعد هبوطهم في مطار اللد، صيف 1951.

وترجح مراجع تاريخية أن اليهود الذين هاجروا من الدول العربية إلى اسرائيل بين عامي 1948 و1950، شكلوا في حينه 42 في المئة من مجموع سكانها، وأن موجات الهجرة تلك شكلت لاسرائيل المادة البشرية الخام اللازمة لإحلالها محل الفلسطينيين الذين هجروا من قراهم ومدنهم، بعد أن نضبت ينابيع الهجرة الأوروبية.

وشكلت الهجرة من الدول العربية في تلك الفترة 47 في المئة من مجموع الهجرة اليهوديّة، وساهمت في مضاعفة عدد السكان اليهود لاسرائيل، بعد أن زوّدتها بما يصل الى نصف مليون مهاجر جديد.

مهاجر جديد من بغداد يحلقفي خيمة يشكن فيها مع زوجته وطفليه في مخيم مهاجرين بمركز اسرائيل، صيف 1951.

وفي أي حال، ليس الكلام عن التعويضات لليهود جديداً، فقد أثاره الإسرائيليون على مدار عقود كثيرة. ولكن الكاتب السياسي الفلسطيني حسن خضر يقول إن سياق الكلام ومبرراته تختلف هذه المرة. ففي الماضي جاء الكلام عن التعويضات في معرض محاولة إفراغ قضية اللاجئين الفلسطينيين في مضمونها السياسي والأخلاقي، في إشارة إلى الرواية الإسرائيلية التي تقول إن ظروف الحرب العربية ـ الإسرائيلية الأولى 1948، أدت إلى “خروج” مئات الآلاف من الفلسطينيين، وحوّلتهم إلى لاجئين، ومقابل هؤلاء تحوّل مئات الآلاف من اليهود الذين “طردتهم” البلدان العربية إلى لاجئين في إسرائيل.

ولكن السياق الذي تُطرح فيه مسألة التعويضات حالياً وثيق الصلة بما يدور من كلام عن “صفقة العصر”، التي يتكاثر بشأنها اللغط. وقد أقر تقرير القناة الاسرائيلية بأن التعويضات تأتي في سياق الاستعداد للتعامل مع هذه الصفقة التي لا تزال تفاصيلها غامضة.

وفي ترجمة سياسية لهذا الكلام، يقول حسن إن الورقة التي يضعها الإسرائيليون على الطاولة، الآن، تتمثل في السعي لحل مسألة اللاجئين الفلسطينيين على حساب العرب وبأموالهم.

الى ذلك، يرى الكاتب الفلسطيني في المطالبة بتعويضات عملية مزدوجة لتشويه الحقيقة، وتجاهل الواقع. وهو يلفت الى أن غالبية هؤلاء اليهود لم يغادروا بلدانهم بمحض إرادتهم، بعد تصفية أعمالهم وبيع ممتلكاتهم وحسب، بل وفعلوا ذلك بتحريض وتشجيع من منظمات صهيونية سريّة نشطت في تلك البلدان، أيضاً.

وفعلاً، توثق المصادر التاريخية أن الحركة الصهيونيّة نفذت مئات عمليّات نقل اليهود العرب إلى اسرائيل، مثل عملية “البساط السحري”، التي نقل خلالها 50 ألف يهودي في 425 رحلة جوية من اليمن، و”بساط الريح”، التي نقل فيها 50 ألفًا آخرين، بينما نقل قرابة 113 ألف يهودي عراقي بطائرات أميركية في عملية أطلق عليها اسم “علي بابا”.

إلى ذلك، كانت أعدد كبيرة من أغنياء اليهود خصوصاً في مصر وشمال أفريقيا تحمل جنسيات أجنبية فرنسية، وإيطالية في الغالب.

أما الشق الثاني لتشويه الحقيقة فيتمثل بحسب خضر، في أن ودائع المصارف والأراضي والبيوت والمعامل والمؤسسات التجارية والصناعية، العائدة للفلسطينيين، التي استولى عليها الإسرائيليون، ومئات القرى التي دمّروها، تتجاوز من حيث القيمة مئات المليارات.

الواضح أن إسرائيل تسعى من خلال هذا التحرك إلى ايجاد توازن بين اللاجئين الفلسطينيين الذين شردوا في النكبة وكفلت المواثيق والقوانين الدولية حقهم بالعودة إلى وطنهم وعقاراتهم، وبين اليهود الذين قامت الحركة الصهيونية باستقدامهم من الدول العربية. وليس تحريك قضية “اللاجئين اليهود” في هذه المرحلة الا محاولة إضافية من اسرائيل لاستباق أي بحث في مسألة اللاجئين الفلسطيين في سياق “صفقة القرن”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*