لماذا المخاطرة بوعود مؤتمر “سيدر”؟


مروان اسكندر
النهار
25052018

لقد جهدت الحكومة التي انتهى عهدها يوم الاثنين المنصرم لتحمل معها برامج ودراسات لاقناع الهيئات والدول الممثلة في مؤتمر “سيدر” بانها تسعى جدياً الى ضبط النفقات وخفض العجز، وكل ذلك من أجل الحصول على موافقة المانحين والمقرضين على توفير ما يعادل 11.8 مليار دولار.

المبلغ الاكبر الممكن توافره من المؤسسات الدولية المقرضة بشروط ميسرة هو من البنك الدولي الذي يلتزم انجاز اتفاقات لتمويل مشاريع مدى 5-7 سنوات بقيمة 4 مليارات دولار، لكن ممثلي البنك الدولي الذين حاول الوفد اللبناني اقناعهم بان العجز في الموازنة خفّض بنسبة 5 في المئة وجدوا صعوبة في تقبل الارقام التي وازت بالفعل الفوائد التي تحصلت من المصارف عن عام 2017 والتي توافر منها للخزينة 850 مليون دولار تعادل الرسوم الضريبية التي فرضت على ارباح المصارف والتي تعود أصلاً الى عملية الهندسة المالية التي اجريت صيف 2016 وخريف 2017. لذا يتساءل ممثلو البنك الدولي أين هي مساعي التوفير، وكيف ستكون مستقبلاً، وبات لدى هؤلاء الممثلين الوافدين من واشنطن شك في جدية الطرف اللبناني. وزاد الشك تقويم اقتصاديي البنك الدولي العاملين في لبنان الذين اعتبروا ان الشك في النتائج امر جائز كما هو ضروري اذا كان للبنان ان يتجاوز المصاعب التي يعانيها.

والضربة القاضية لآمال اسراع المجتمع الدولي لمساعدة لبنان وجهت في الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء بتاريخ 21/5/2018. فقد وافق المجلس على تكليف وزير الطاقة التفاوض على اعادة اعمار محطة دير عمار التي يدور حول عملية تنفيذها وتأخيره مسيرة قضائية في لندن قد تفرض على لبنان تعويضات لا تقل عن 200 مليون دولار.

الوزير السابق، المكلف مبدئيًا تسيير الشؤون الادارية لا غير، كلفته حكومة انتهى عهدها مفاوضة الشركة القبرصية على تعديل الاتفاق السابق الذي كان يطاول انتاج 500 ميغاوات، كي تتقبل تحويل العقد والتنازل عن الدعوى التي اقامتها بموجب مقتضيات العقد الموقع عام 2013 بحيث توافق على انجاز معمل بطاقة 600 ميغاوات على أساس الـ”بي أو تي”، أي الانشاء والتشغيل على حساب الشركة وبيع المنتج لمصلحة كهرباء لبنان، وبعد 20 سنة تعود المنشآت الى ملكية الدولة. هكذا بكل بساطة يكلف وزير الطاقة الذي قد لا يكون وزيرًا في الحكومة الجديدة، انجاز اتفاق من نوع جديد، يفترض القانون اللبناني اخضاعه لشروط عدة منها شرط مشاركة المجلس الاعلى للخصخصة والشراكة في صياغة أي مشاركة من النوع المشار اليه، وبموجب تعديلات أدخلها مجلس النواب على قانون انشاء الشراكة بين القطاعين العام والخاص في لبنان ولا سيما منها الفقرة رقم 3 من التعديلات “عند ابداء المجلس موافقته على السير بالمشروع المشترك، تمارس الهيئة المنظمة للقطاع مهامها …الخ”.

يبدو ان تسرع الحكومة في تكليف الوزير الذي اصبح وزير تصريف اعمال، تجاوز الاعتبارات القانونية السارية للاسباب التالية.

إن افتراض استعداد أي طرف لانجاز عملية تجهيز في قطاع الكهرباء، مع تولي مصلحة الكهرباء القائمة التسويق (والامر الافضل التسويق مباشرة) يقتضي ممارسة الهيئة المنظمة للقطاع – أي الكهرباء – مهماتها، وليست ثمة هيئة منظمة للقطاع. فالوزير الحالي في تصريح قبل شهرين، قال إن تشريع تنظيم وتطوير قطاع الطاقة متوافر منذ عام 2012، وهو على حق لكنه تناسى أربعة شروط الزامية لتنفيذ القانون ساعد على صياغتها في حينه البنك الدولي، الذي في المناسبة قدم دراسة مطولة عن قطاع الكهرباء عام 1999 اشتملت على التوصيات التمهيدية الالزامية.

– انشاء هيئة ناظمة لقطاع الكهرباء تتفحص الحاجات وتبرمج للمستقبل.

– تعيين مجلس ادارة لمصلحة كهرباء لبنان بحيث لا تنحصر قضايا الكهرباء ومشاكلها وحلولها، بالوزير والمدير العام.

– التحضير لتخصيص القطاع تدريجاً وذلك بمباشرة تعديل التعرفات، ونشر ميزانيات مدققة تسمح مستقبلاً في حال التخصيص الجزئي أو الكامل للمستثمرين بالاطلاع على أوضاع القطاع ومؤسساته.

– حصر الاقتراض لتنفيذ المشاريع بالصناديق الانمائية في المنطقة وخارجها والبنك الدولي.

لقد أهمل الوزراء القيمون على الوزارة جميع الشروط واستهلكوا الـ1.2 مليار دولار التي توافرت لهم على استئجار الباخرتين اللتين تنتجان 270 ميغاوات ولم تتحقق أي انجازات على أيدي الوزراء المتعاقبين منذ عام 2012 على الوزارة.

ان تكليف اي وزير المفاوضة لتعديل اتفاق قائم واستبداله باتفاق للبناء والتشغيل وبعد الاستثمار المربح 20 سنة اعادة المنشآت الى الدولة، أمر مناقض للقوانين السارية ويتعارض مع نظرة خبراء البنك الدولي.

الوزير الذي فشل في تحقيق أي انجاز مكلف ابتداع أفضل وسائل تأمين 850 ميغاوات لتغطية الطلب المتوقع وقد كررنا حتى الضجر ان الكهرباء متوافرة 24 ساعة في 90 في المئة من الاراضي اللبنانية انما مقابل شروط اشتراك في مولدات خاصة تثقل كاهل المواطنين.

فشل الانطلاقة الجديدة مؤكد لان الشركة القبرصية كانت ملتزمة انجاز معمل دير عمار وتجهيزه بمولدات من تصنيع شركة “جنرال الكتريك”. ولا شك في ان هذه الشركة ستكون مدعوة للمشاركة في ابحاث لا يمكن ان تنتهي قانونًا من دون المشاركة الفعالة والاشرافية للمجلس الاعلى للخصخصة الذي أبعد في السابق عن المشاركة في المحادثات المتعلقة بالمناقصات والالتزامات. واليوم اصبح الوضع مختلفًا والوزير وحده ليس قادرًا على انجاز أي اتفاق من دون مناقصات شفافة واذا لامست مشاركة القطاع الخاص لا بد من مشاركة المجلس الاعلى للخصخصة. وشركة “جنرال الكتريك” لن توافق بسهولة على موضوع انشاء محطة خاصة لان خبرتها مع الوزير كانت سيئة.

توجهت الاسبوع المنصرم الى معرض الحرير في بسوس وقبل بضعة أمتار من مفرق الطريق العام في اتجاه الطريق الخاص بالمعرض لاحظت صورًا للوزير المكلف المهمة المستحيلة وتحت صورته وبالخط العريض كتب “القيصر”! معالي الوزير، الرومان غادروا لبنان وكان لبيروت مياه كافية متدفقة، والقيصرية انهتها نتائج الانتخابات اللبنانية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*