لماذا أغفل الربيعي ذكر الصليبي في كتاباته؟

30 كانون الأول 2016

قرأت كتاباً لفاضل الربيعي بعنوان “بنو اسرائيل وموسى لم يخرجوا من مصر”، صادراً عن (دار الريس، كانون الأول 2016)، يقول إنه الكتاب الأول من مجلّد أول بعنوان “اسرائيل المتخيّلة”، ينفي فيه كل الروايات عن خروج موسى بقومه من مصر (أجيبت) ويضعها في إطارها الجغرافي بلاد اليمن، كما فعل من قبله كمال الصليبي في كتابه “التوراة جاءت من جزيرة العرب” الصادر عام 1985.
يقول الربيعي: “لم تكن هناك قط – في التاريخ القديم للمنطقة العربية – مملكة كبرى تدعى مملكة اسرائيل، لا في فلسطين، ولا في أي مكان آخر، ولم يكن هناك قط ملك أسطوري يدعى سليمان أو بطل يدعى داود، ولا وجود لملك مؤسس للمملكة يدعى شاول بن قيس. وبكل يقين، لم يعبر داود نهر الفرات العراقي – السوري، ولم تكن حدود هذه المملكة – بطبيعة الحال – تمتد من النيل إلى الفرات، كل هذه الصور لا أصل لها في التوراة. لقد اخترعت صورة هذه المملكة ولفّقت طوال عقود وعقود استناداً إلى صور خيالية أنشأها الكهنة اليهود. ومع ذلك، كانت هناك ذات يوم من التاريخ (مملكة دينية صغيرة) ظهرت في أرض اليمن القديم، أشبه بالفاتيكان (بضعة كيلومترات) عاشت في إطار مملكة كبيرة هي مملكة سبأ. وهذه المملكة الدينية الصغيرة (أو ما يدعى المخلاف بالتعبير اليمني) انقسمت الى مملكتين: شمالية وجنوبية، وذلك مع انقسام مملكة سبأ الموحَّدة إلى مملكتين: سبئية في الشمال، وحميرية في الجنوب. بكلام ثانٍ: انقسمت مملكة اسرائيل الدينية الصغيرة الى شمالية وجنوبية مع انهيار المملكة السبئية الموحّدة التي ولدت وعاشت في كنفها، ثم تحوّلت بفعل هذا العامل وعوامل أخرى كثيرة إلى مملكتين دينيّتين صغيرتين في الشمال والجنوب”.
يشير الربيعي الى أنه عرض في مؤلفه “فلسطين المتخيلة” نظرية تقول إن جغرافيا التوراة هي جغرافيا اليمن (دون أن يسمّي القائل أو القائلين بهذه النظرية) ويقول إنني أقدّم اليوم نظريّة مكمِّلة تنقل هذه الجغرافية إلى التاريخ اليمني القديم. “وبذلك لن يعود بوسع أي شخص الادعاء أنني افتّش عن تشابه بين أسماء الأماكن في التوراة وأرض اليمن. الأمر اليوم يتعلّق بالتاريخ اليمني وليس بالجغرافيا”.
يعيد هذا الكتاب ترجمة “سفر الخروج” من لغته الأصلية العبرية، “بعيداً عن الرواية الميثولوجية السائدة. وتقديم تأويل جديد لمنطق الرواية الديني، وفقط بوصف السفر سفراً دينياً لا تاريخياً”.
ويجيب عن “ثلاثة ألغاز كبرى”، هي: أين تقع مصر (مصريم) التوراتية؟ وما هي حدود “أرض كنعان” في بلاد اليمن؟ وهل هي جزء من أرض مصر، أم من أرض مصريم؟ وأين تقع أرض الميعاد، ضمن حدود اليمن؟

التوراة جاءت من جزيرة العرب
كنت قد قرأت كتاب “التوراة جاءت من جزيرة العرب” للصليبي الذي تتبع فيه أسماء الأماكن التي وردت في التوراة ليثبت أنها جزء من أرض الحجاز الجنوبي وعسير واليمن، أي الجزء الغربي من شبه الجزيرة العربية المطلّ على البحر الأحمر، وأن الأصوات التي ترويها التوراة في أسفارها الخمسة، سواء أكانت تاريخية أم أسطورية، جرت في تلك المنطقة وليس في فلسطين.
الأبحاث التي وضعها الصليبي بعد كتابه الأول تؤكّد أفكاره وتثبّتها وتوضّحها، بحيث لا يترك مجالاً للتشكيك في بحثه الأساسي، مع اعترافه بأن تأويل نصوص التوراة بناء على قراءات عبرية أخرى، وارد لفهم التفاصيل دون أن يؤثّر في ثبات الفكرة نفسها، نظراً الى التباس الكلمات وكتابة الحروف، خصوصاً أنها مكتوبة أصلاً من دون تنقيط أو حركات تشكيل، كما كانت العربية في مراحلها الأولى.
واتبع الصليبي كتابه الأول، بكتابين هما: “عودة إلى التوراة جاءت من جزيرة العرب”، و”خفايا التوراة وأسرار شعب اسرائيل”، الذي حلّل فيه نصوص أسفار التوراة بانطباقها على منطقة عسير واليمن وجنوب الحجاز، وتوصّل الى تحديد الكثير من الأماكن بأسمائها الحالية صحيحة أو محرّفة عن الأسماء المتداولة، ما جعل روايات التوراة تنطبق على تلك الأراضي وليس على فلسطين والأردن وسيناء، فيكون ثبوتها التاريخي صحيحاً إذا أعدنا تصحيح الأسماء بعد تحريفها لتنطبق على منطقة شواطئ البحر الأبيض المتوسّط، وإذا حذفنا منها الجوانب الأسطورية التي يتفنّن كل شعب في إضفائها على تاريخه. كذلك ينفي أن تكون لهذه المرويات التوراتية علاقة ببلاد ما بين النهرين، كما تصوَّرها مؤرِّخون كثيرون قديماً وحديثاً. ما يمكن أن نخلص إليه أن دراسات الصليبي تنسف المقولة اليهوديّة بأنّ مرويّات التوراة حدثت في فلسطين وتدحض الفكرة الصهيونية بأن اليهود أو الموسويّين أو الاسرائيليّين وعدوا بأرض في فلسطين هي “أرض الميعاد”، إنّما وعدوا أنفسهم بأرض في اليمن ولم يحصلوا عليها.

 هجرة دينيّة طقوسيّة…لا خروج
وبالعودة إلى الربيعي فإنه يبرهن أنّ فهم قصّة الخروج الاسرائيلي وأرض الميعاد تعرّض لتلاعب “فلا موسى وشعبه ضاعوا في الصحراء ولا كانوا عبيداً اشتغلوا في بناء الاهرامات المصرية، على ما يُشاع في الروايات الاستشراقية السقيمة”. ويضع الخروج في إطار الحج الديني لموسى الى أماكن محدّدة في اليمن، ويقول: ليست قصص وأساطير الهجرات في الكتب الدينية والمرويّات أحداثاً تاريخية يمكن البرهنة بالأدلة الأثرية على وقوعها. إنّ قراءة نزيهة وموضوعية خالية من أي مخيال استشراقي لقصة الخروج، ستؤكّد أن الحدث لم يقع في مصر، كما تؤكّد أنه كان رواية عن هجرة دينية طقوسيّة”.
ويضيف: إذا كان مسرح الحدث الديني هو مسرح يمني خالص، والوقائع التي رافقت الهجرة الدينية من طقوس وشعائر وتقاليد، ذات صلة تاريخية حميمة بالراسب الثقافي في اليمن، فإنّ المعطيات والأدلة الجغرافية تصبح – في هذه الحالة – موضوعاً يتخطّى ويتجاوز مسألة وجود تماثل أو تشابه في الأسماء”.
إذاً إنه حج ديني وليس هروباً من فرعون، وليس في مصر فراعنة إنّما في مصريم اليمن، آل فرعة، وكل روايات الخروج الموسوي متخيل شعبي مقصود.
إذا كان الربيعي يعمل على الدراسات نفسها التي سبقه إليها الصليبي وإذا كانت أدواتهما هي نفسها، جغرافيا اليمن وتاريخه، وأسماء قراه ومناطقه، حسبما وردت في التوراة، وإذا كان الصليبي وضع دراساته منذ ثمانينيات القرن الماضي واستمر يصقلها ويشذّبها ويطوّرها حتى وفاته، فلماذا أغفل الربيعي ذكره أو الإشارة إلى أي من كتبه، وهو لا شكّ اطّلع عليها، فهل من تفسير لهذا التغافل والتنكّر؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*