للمعترضين على المحكمة: هل تذكرون الضحايا؟

تكثر في هذه الايام الاصوات المعترضة على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، فيما يلجأ آخرون الى الامتناع عن نشر اي خبر يختص بأعمالها، من باب الطرفة بالتأكيد لانهم يدركون جيداً ان التغاضي عنها لا يلغيها ولا يلغي مفاعيلها. لكن هؤلاء جميعاً، الذين يفتشون عن ثغرة في قانون انشائها، او في اجراءاتها، او في تعييناتها، والمعترضين على تكلفتها، يتغاضون فعلياً عن اسباب قيامها، ويتجاهلون مسار العدالة الذي يمكن ان توفره هذه المحكمة في ظل عجز فادح وفاضح لدى المحاكم اللبنانية عن المضي في تلك القضايا الشائكة والتي تمسّ الامن الوطني. فالمجلس العدلي، لمن يتذكره، عجز عن الوصول الى حقائق في كل الملفات التي تسلمها بعدما احيلت عليه من سلطة سياسية وجدت فيه المخرج اللائق لوضع تلك الملفات الشائكة على الرف. السلطة السياسية تعلم جيدا ان الجرائم السياسية التي ارتكبت واودت بحياة كثيرين، انما كانت تحظى بغطاء استخبارات اقليمية تعددت وجوهها، وما محاولات الكشف عنها الا دخول في مواجهات مع تلك الاجهزة، معروفة النتائج مسبقاً. واما عجز المجلس العدلي فمردّه الى اسباب عدة تخفف عنه الاحكام. اول الاسباب ان الاجهزة الامنية والقضائية التي تتولى التحقيق كان يتملكها الخوف من الامساك بالادلة حتى لا تتحول ضحيتها كما حصل مع اللواء وسام الحسن وغيره. وثانيها ان القضاة انفسهم كانوا يشعرون بالتهديد الشخصي المباشر وغير المباشر ما يدفعهم الى التهليل لبقاء الملفات فارغة من كل محتوى، ما يعفيهم من اصدار اي قرارات تهددهم وعيالهم.

وللمجلس العدلي الذي تحال عليه لبنانياً كل الملفات والجرائم الكبيرة، سجل طويل في عدم البت بتلك القضايا التي يتجاوز عمرها عشرات السنين، من دون ان يتضح مصيرها. وهي احالات تكاد تجعل من المجلس العدلي “مقبرة القضايا”.

وتظهر تقارير جداول مفصلة بالقضايا المحالة على المجلس العدلي ولا تزال قيد التدقيق، لمعرفة ما اذا كانت قد سقطت بمرور الزمن او بالعفو العام عن بعض الجرائم ام لا. ويعود بعض هذه الاحالات الى ثمانينات القرن الماضي، كمحاولة اغتيال النائب وليد جنبلاط ومقتل السفير الفرنسي لوي دولامار، ومروراً بقتل النائب طوني فرنجيه، والرئيس رينه معوض والمفتي الشيخ حسن خالد ومحاولة اغتيال الرئيس سليم الحص، والعماد ميشال عون في قبرص، وصولاً الى اغتيال القضاة الاربعة في صيدا، وقضية تفجير مطرانية زحلة للروم الكاثوليك ومقتل الشيخ حليم تقي الدين.

وثمة اكثر من 20 قضية تم تعيين محققين عدليين فيها ولا تزال طور التحقيق، اقدمها محاولة اغتيال رئيس الجمهورية الاسبق كميل شمعون عام 1980 واحدثها اغتيالات ومحاولات الاغتيال التي طاولت شهداء “ثورة الارز” جبران تويني وسمير قصير وبيار الجميل ووليد عيدو وجورج حاوي وانطوان غانم ومروان حمادة ومي شدياق والياس المر وآخرين، الى احداث الضنيه واحداث نهر البارد وتفجير عين علق وتفجيرات الضاحية وغيرها من الحوادث الارهابية والدموية التي ظل مرتكبوها في عالم الغيب.

بعد كل هذا، يسأل البعض عن الهدف من المحكمة الخاصة بلبنان، من دون ان يطرحوا بدائل واقعية لتحريك الملفات والدفع نحو عدالة ما.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*