لكنهم نازيون وصليبيون!

راجح خوري
النهار
16022018

كانت ساحة القديس بطرس التي شهدت في 13 أيار عام 1981، التركي محمد علي أقجه يطلق النار على البابا يوحنا بولس الثاني، خالية تماماً من الحشود، عندما عبر رجب طيب أردوغان الإثنين لمقابلة البابا فرنسيس، بينما سارت تظاهرات كردية ضده في ساحة قريبة!

بدت “المصادفات” مصنوعة بدقة، عندما تحوّلت عملية تبادل الهدايا بين البابا وأردوغان، رسائل ساخنة كي لا أقول ملاكمة مبتسمة. قدم البابا ميدالية برونزية وهو يقول “هذا ملاك السلام الذي يخنق شيطان الحرب” وليس خافياً ما يجري في عفرين. ورد أردوغان بتقديم لوحة خزفية كبيرة عن إسطنبول، تُظهر في وضوح قبة كاتدرائية القديسة صوفيا التي حوّلها العثمانيون مسجداً في القرن الخامس عشر، وليس خافياً في المقابل سعي أردوغان الى بناء عثمانية جديدة، في زمن لم يعد يتسع لمثل هذا!

عندما زار البابا تركيا في تشرين الثاني من عام 2014، داعياً الى الحوار بين الأديان، تميّز اللقاء بالفتور، بعدما حمّل أردوغان الغرب مسؤولية تصاعد الأصولية الإسلامية، في وقت كان هو يقدم التسهيلات لمقاتلي “داعش” الذين عبروا حدوده الى سوريا. وفي حزيران من عام 2016 قال البابا في أرمينيا ما لن يغفره له أردوغان، عندما إستخدم كلمة الإبادة، في إشارة الى المجازر التي إرتكبتها السلطنة العثمانية، فردت أنقرة منددة بما سمته “العقلية الصليبية”.

قبل أشهر قال أردوغان إن تركيا ليست في حاجة للإنضمام الى الإتحاد الأوروبي “لأننا نحن أوروبا وأسيادها”. وعندما إجتمع الزعماء الأوروبيون في روما والفاتيكان في الذكرى الستين لتوقيع “إتفاق روما” الذي أسس الإتحاد، إتّهمهم أردوغان بالصليبية، قائلاً “إن إجتماعهم في الفاتيكان أظهر تحالفهم الصليبي”!

وعشية الإستفتاء التركي على تعديل الدستور لم يتوانَ في إتهام إنغيلا ميركل والزعماء الأوروبيين بأنهم نازيون وأحفاد النازية، لمجرد أنهم منعوا تظاهرات مؤيديه وخصومه عندهم منعاً لحصول صدامات، وخصوصاً بعد حملة الإعتقالات والتنكيل التي شنّها على معارضيه بعد المحاولة الإنقلابية الفاشلة!

الخلاف على عضوية تركيا الأوروبية له علاقة بحقوق الإنسان وبنمط الحكم الكلي الذي يمارسه اردوغان، لكنه في أطار مكشوف يسعى دائماً الى إعطاء الأمر أبعاداً مذهبية مركزاً على كلمة “الصليبية” لأسباب تتعلق بالمراهنة على توسيع شعبويته من منطلقات مذهبية، مراهناً دائماً على ان تكون تركيا مرجعية للإسلام السياسي الذي يتبنى نظريات “الأخوان المسلمين”.

عشية سفره الى روما إعتقل عشرة من الأطباء وقال إنهم خونة لمجرد انتقادهم عملية عفرين، والمعارضة تتهمه بما سمّته “داء البذاءة”، وفي سجونه ما يقرب من مئة الف معتقل، وعلى رغم ان كل هذا يناقض قواعد الديموقراطية الأوروبية، عرض ايمانويل ماكرون عليه شركة مع أوروبا، لكنه يصرّ على عضوية من يتّهمهم تارة بالنازية وتارة بالصليبية!

rajeh.khoury@annahar.com.lb

Twitter: @khouryrajeh

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*