لقاء السحاب

 

محمود الزيباوي|السبت22/07/2017

Almodon.com

  • أغدا ألقاك 1971
  • أمير الطرب ومعبودة الجماهي1929.
مساء الأربعاء الماضي، أحيا “متحف أم كلثوم” التابع لقطاع صندوق التنمية الثقافية ” لقاء السحاب” في أمسية استعادت فيها الفنانة هدير يوسف مجموعة من الأغاني التي جمعت بين أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب. جاءت هذه الأمسية بعد ندوة  نظمها “مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي” في شباط-فبراير 2016 بالاشتراك مع “شركة القاهرة للصوتيات والمرئيات”، وكان موضوعها أغنية “أنت عمري” التي جمعت لأول مرة بين قطبي الغناء العربي في سنة 1964.

تمّ “لقاء السحاب” بعد أكثر من أربعة قرون تكرّر فيها السؤال بحدة: لماذا لا يلحن عبد الوهاب لأم كلثوم، ولم هذا التباعد بينهما؟. في مطلع الثلاثينات، شقت أم كلثوم طريقها بثبات، وانتصرت على منافستيها متيرة المهدية وفتحية أحمد، وباتت “كوكب الشرق”. في هذه الفترة، تابع عبد الوهاب صعوده، وشهدت الصحافة لتفوقه على منافسيه الأول صالح عبد الحي وحامد مرسي، وأضحى “المنافس” الوحيد لأم كلثوم في عالم الغناء والطرب، لكن هذه المنافسة انعدمت سريعا في الأربعينات مع ابتعاد عبد الوهاب التدريجي عن الحفلات الغنائية الحي، إلا ان التباعد بينه وبين أم كلثوم ظل ثابتا، وكأنه فراق أبدي.

كان عبد الوهاب يثني على صوت أم كلثوم بلباقته المعهودة، وكانت أم كلثوم تتفادى الحديث عنه، وقد حاول الكثيرون الجمع بينهما في عمل مشترك، إلا ان هذه المحاولات باءت بالفشل، ويمكن القول أنّ شركة “نابلسي فاروق ملك الصابون” كانت أول من نجح في جمعها في إعلان دعائي خاص بها في ربيع 1944. ضمّ هذا الإعلان صورة منفردة لأم كلثوم وأخرى لعبد الوهاب تحت عنوان عريض: “قد يختلفان في الفن، ولكنهما متفقان في نابلسي فاروق. لكل من أم كلثوم وعبد الوهاب ألحانهما الخاصة في الغناء، أما في الحمام فإن لهما لحنا مشتركا هو استعمال نابلسي فاروق”. رافقت صورة أم كلثوم كلمة من توقيعها تقول: “نابلسي فاروق صابون ظريف استعملته فوجدت فيه ما يشرف الصناعة المصرية”، ورافقت صورة عبد الوهاب كلمة منه تقول: “اذكر مع السرور والارتياح انني استعملت صابون نابلسي فاروق فوجدته بحق يستحق كل تشجيع وتقدير”.

لم ينجح “نابلسي فاروق صابون” في إذابة الجليد الذي يفصل بين الطرفين. في تموز-يوليو، نشرت مجلة “الإثنين” مقالة لأم كلثوم بعنوان “أنا وأنتم”، وفيها  تطرّقت كوكب الشرق للسؤال المكرّر، وقالت: “يختار البعض أسئلة محرجة، فسألتي عن رأيي في عبد الوهاب. بما أجيب؟ هل أمدحه فأصبح متملّقة أو أقذف في حقّه بلا مناسبة فيدافع عن نفسه ويتفرّج علينا الناس؟”. كان لعبد الوهاب أنصاره المتعصبين، وكان لأم كلثوم أنصارها الذين لا يقلّون تعصّبا، وقد احتدم الصراع بين الطرفين في بعض الأحيان، وتحوّل إلى مشادة دموية كما حصل في تشرين الأول-أكتوبر 1947، حيث تحدّثت جريدة “الاهرام” عن مشادة بين شابين، احدهما يتحمس لأم كلثوم والثاني لعبد الوهاب، وتطوّرت حتى بلغت الضرب بالسكاكين، فدخل نصير عبد الوهاب إلى المستشفى، واقتيد نصير أم كلثوم إلى قسم الشرطة. أوفدت مجلة “دنيا الفن” مندوبها للتحقيق في هذا الحدث، فسأله الضابط المسؤول في القسم بعد أن عرف بمهمّته: “وأنت لمن تتحمس،أم كلثوم أو عبد الوهاب؟”، فقال: “أتحمس للمجني عليه، أي عبد الوهاب”، فردّ الضابط: “إذن سنعيد تمثيل المأساة، أنا وأنت من جديد، لأني أحب أم كلثوم”.

قال نصير أم كلثوم المدعو عبد المنعم حسان، وصناعته سروجي: “كنا نجلس في المقهى حيث تعودنا كل مساء، انا وصديقي عزت منصور الطالب في مدرسة الفرير، وهو يعلم انني احب ام كلثوم، وإنني اترك عملي حينما تغني في الإذاعة، وأجلس بجوار الراديو وأستمع إليها بكل جوارحي، وكان يعاندني ويقول ان اي مطربة أحسن منها، بل كان يقسم ان إبرة الفونوغراف تتحرّك على جبهته عندما يسمع اسطوانة لها، فتسبّب له الصداع. وكنت اسمع هذا الكلام على مضض، ولولا أنه صديقي ما تركته يقول كلمة واحدة.  كنا تستمع الى اغنية “يا طير يا عايش اسير”، وأنا أحب هذه الأغنية، فاندمجت معها، ولكن عزت قاطعني أكثر من مرة، فلم أردّ عليه، ولما تكررت هذه العملية، رجوته أن يتركني، فما كان منه إلا ان اعتدى عليّ بالضرب، ورأيتني مضطرا للدفاع عن نفسي وعن كرامتي أمام الناس، وتكاثر علينا الجالسون في المقهى، وفي النهاية وجدوه مصابا بطعنة سكين في بطنه، وأنا لم يكن معي سكاكين أو خلافه”. في الختام، قال الراوي انه لا يكره عبد الوهاب، فهو “مطرب لا بأس به، ولكن حينما يقول أحد إنه أفضل من أم كلثوم يكون هذا تخريفا”، وان صديقه الطالب “كان يقول ان عبد الوهاب يلحن لنفسه، بينما أم كلثوم تشحذ ألحانها”.

من جهته، قدّم المجني عليه رواية مغايرة تماما، فقال: “تعوّد عبد المنعم أن يكثر الكلام عن أم كلثوم بمناسبة أو غير مناسبة، وفي تلك الليلة أخذ هذا الإنسان يتحدّث عن موسيقى عبد الوهاب بألفاظ بذيئة، فطلبت منه السكوت، وقلت له إن فنانا كبيرا مثل عبد الوهاب لن يزيد أو ينقص بكلامه، فما كان منه إلا ان أخرج سكينا وطعنني بها محاولا قتلي، ولكن الله نجاني”. وأكّد الطالب الشاب بأنه يكره ام كلثوم بالتأكيد، وأن صوتها لا يعحبه.

رغم كل شيء، ظلت فكرة العمل المشترك بين أم كلثوم وعبد الوهاب حية في النفوس، وعلت بعض الأصوات المطالبة بتحقيق هذا المشروع. في حزيران-يونيو 1948، سألت مجلة “الصباح” أحد كبار المساهمين في استديو مصر الدكتور عبد الله الكاتب: “لماذا لا يفكر ستديو مصر في ان ينتج فيلما يجمع بين عبد الوهاب وأم كلثوم؟”. فردّ أحد الحاضرين: “لكل منهما شروط لا تتفق مع الآخر، وقد لا يقبل ستديو مصر بهذه الشروط، خصوصا انه ينظر الى ايرادات الفيلم لكي تكون مصروفاته في حدود ايراداته”. وعلّق عبد الله الكاتب مستطردا: ” اعتقد ان فيلما كهذا يجب ان يضحّي ستديو مصر من جانبه في انتاجه، كما يجب على ام كلثوم وعبد الوهاب أن يضحّيا من جانبهما أيضا، بل يجب أن يساهم الجميع في التضحية لإنتاج هذا الفيلم الكبير ولو للتاريخ، انني اعلم ان لهذين البطلين العظيمين أصدقاء لهما السلطة والنفوذ إن لم يكن بكلامهم فبأقلامهم، فمن واجب الصحفيين المعروفين مداومة السعي للتوفيق بينهما في سبيل تحقيق هذه الخطوة إذ لا شك أنه سيكون لها أثرها في حياتهما الفنية بصفة خاصة وفي الفن السينمائي المصري بصفة عامة”.

في مطلع عام 1953، عادت مجلة “الإثتين” إلى هذا المشروع، وسألت عبد الوهاب: “لماذا لا تريد التعاون مع الآنسة أم كلثوم في فيلم تتقاسمان بطولته؟”. فردّ مستنكرا: “من قال انني لا أريد التعاون؟ هذا غير صحيح. والصحيح انه منذ سبع سنوات، على وجه التقريب، فكّر استديو مصر في انتاج فيلم مشترك فيه أنا وأم كلثوم، وقد حالت دون تنفيذ الفكرة ظروف ليست فنية، وليس في مقدوري أن أصرّح بها. وتوقّفت بعد ذلك فكرة انتاج هذا الفيلم، ولم تجد من يبعثها من جديد أو يدفعها لترى النور. ولكن، خذ عليّ عهدا وسجّله بأنني على استعداد لأن أتعاون مع زميلتي الآنسة أم كلثوم في اي عمل فني، طالما وجدنا الظروف المؤاتية والجو الصالح. ولا تفترض جزافا انني لا أريد التعاون مع الآنسة أم كلثوم لمجرّد أن الفيلم الذي تحدّثت عنه قد توقّف، فالعبرة بالنية”. في حزيران-يونيو 1955، عاد عبد الوهاب، وقال من جديد: ” لو لحّنت لأم كلثوم لخلقت منها شيئا جديدا. ان ام كلثوم لها صوت قدير سليم النبرات. هذا صوت كلما غنى سطع”.

بعد خمس سنوات، منح الرئيس جمال عبد الناصر أم كلثوم وعبد الوهاب وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى، ودعت الفرقة الماسية إلى تكريم النجمين في حفل كبير أقيم في فندق هيلتون. في هذا الحفل، قال صلاح جاهين: “كلمتين في قلب أمه/ نجمتين حلوين أهمه/ كلمتين في قلب امه منغنمين/ نجمتين حلوين أهمّه منوّرين/ كوكب الشرق العظيمة والشهاب عبد الوهاب متجمعين/ جمعت بينهم ايدين قائد أمين/ يا جمالكم واحنا بيكم فرحانين/ يا ما نفسي في يوم اهنّي القلب تاني/ لما يجمعكم نغم حلو الرنين”. في حزيران-يونيو 1960، قيل إن هذا الحلم سيتحقق أخيرا، وأن أم كلثوم ستغني من تلحين عبد نشيدا وطنيا جديدا تشرف على اعداده مديرية الاستعلامات، وعنوانه “الزحف المقدس”، لكن المشروع لم ينفّذ. بعد ثلاث سنوات، كتبت مجلة الموعد: “الوسط الفني كله مأخوذ بالأعجوبة الجديدة التي كانت حلما بعيد المنال صعب التحقيق، وهي أن يلتقي عبد الوهاب وأم كلثوم، في عمل فني مشترك يجمع بين روعة الصوت الذهبي وعبقرية اللحن. وما كان يظنّه الكثيرون من رابع المستحيلات تمّ وتحقّق ووقعت الأعجوبة، وحمل الموسيقار الكبير في رحلته الأخيرة إلى أوروبا كلمات أغنية جيدة ظلت سرا من الأسرار حتى انتهى من تلحينها، وعاد إلى القاهرة، ليتسلل في الظلام إلى بيت معجزة الصوت والغناء فيجلس إليها تداعب أصابعه أوتار العود ويتساب صوته كأنه الهمس: طشوّقوني عينيك لأيامي اللي راحت، علموني اندم على الماضي وجراحه”.

في 6 شباط-فبراير 1964، غنّت أم كلثوم “انت عمري”، وهلّل العالم العربي للقاء السحاب الذي طال انتظاره. تكرر اللقاء في السنوات التالية، وأثمر عن سلسلة من الأغنيات لاقت نجاحا عظيما، الا ان هذه الشراكة لم تنجح في إزالة حالة “البعاد” بين القطبين بشكل كامل. في صيف 1972، أجرت مجلة “الشبكة” حديثا طويلا مع أم كلثوم، وفيه اكتفت سيدة الغناء العربي بالقول بأن عبد الوهاب “ملحن كبير”، فاستهجن الياس بارودي هذا الوصف، وكتب معلّقا: “كنت أتوقّع أن تقولي: عبد الوهاب هو سيد الملحنين والموسيقيين والمطربين، وهناك تفاوت كبير بينه وبين الذين يأتون بعده. ولكنك لم تفعلي، ربما حفاظا منك على شعور بقية الملحنين الذين تعاونوا معك. ولكن عبد الوهاب ردّ على تصريحك هذا عندما قابلته في شتوره بقوله: كتّر خيرها. وبالفعل، كتّر خيرك يا أم كلثوم لأنّك اعترفت بأن عبد الوهاب ملحن كبير”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*