لقاء البيت الأبيض: ما قيل ولم يقل


روزانا بومنصف
النهار
27072017

يعد استقبال الرئيس الاميركي دونالد ترامب لرئيس الحكومة سعد الحريري امرا ايجابيا جدا بكل المقاييس في توقيت اقليمي صعب تحدد فيها قواعد النفوذ والمناطق في المنطقة على وقع تقاسم النفوذ على الارض السورية. ويعد كذلك ايضا باعتباره يسجل انفتاحا في الاشهر الاولى لحكمه على معرفة لبنان والحيثية الجيوسياسية التي يقع من ضمنها وتاليا امكان تحفيزه على مساعدته خلال مدة رئاسته. وقد برزت حفاوة بالغة احيط بها هذا الاستقبال والذي يخصص عادة لرؤساء الدول ان من خلال الاستقبال على مدخل البيت الابيض او في المكتب البيضاوي ولاحقا في مؤتمر صحافي مشترك بين الجانبين بما يعكس مدى الاحاطة التي وضع بها الرئيس الاميركي من جانب فريقه في شأن لبنان وموقع الحريري في المعادلة السياسية الراهنة. هذه الاحاطة برزت واضحة وفقا لمطلعين ديبلوماسيين في المواقف التي اعلنها ترامب والتي عبرت عن جملة امور لعل ابرزها: اعلان التزام ادارته وجوب المحافظة على استقرار لبنان وابرازه جهدا في اظهار الدعم للجيش اللبناني القوي والذي يمارس سلطته على الاراضي اللبنانية وذلك من خلال عبارات محددة يرجح هؤلاء المطلعون ان ترامب التزمها بحرفيتها. ويعود ذلك وفق هؤلاء الى فريق عمل يعرف لبنان ليس فقط عبر لبنانيين متحدرين من اصل لبناني بل ايضا عبر جنرالات وعسكريين سبق لهم ان تعرفوا الى واقع الامور في لبنان اضافة الى السفيرة الاميركية في لبنان اليزابيت ريتشارد التي تدرك جيدا اهمية المحافظة على التزامات الولايات المتحدة استقرار لبنان وعدم تحميله تبعة خفض المساعدات الاميركية لجيشه كما لليونيفيل في الجنوب اضافة الى ادراكها اهمية تفهم موقع لبنان وحساسية الواقع فيه.

وعلى رغم ان العنوان الاساسي في المؤتمر الصحافي للرئيس الاميركي شمل الهجوم على “حزب الله” فان هؤلاء لا يعتبرون انه كان هجوما متطرفا على رغم انه ساوى بين الحزب وتنظيم الدولة الاسلامية والقاعدة في مواجهة لبنان التنظيمات الارهابية والذي يرجح انه كان نتيجة التباس قياسا على ما تابع ترامب: فهو اذ ارجأ اعطاء رأيه في قوانين العقوبات المتجددة الموجودة امام الكونغرس الاميركي والمرجح التصويت عليها في ايلول المقبل بعد عودة الكونغرس من العطلة الصيفية، تقول المصادر المطلعة ان ترامب لم يرغب على الارجح في احراج الرئيس الحريري الذي كان الى جانبه مشاركا في المؤتمر الصحافي. فهذه هي القراءة الديبلوماسية لارجاء الرئيس الاميركي الادلاء بموقفه علما ان موقفه لا يتعدى في هذه المرحلة من وجود القوانين امام الكونغرس الرأي السياسي ليس الا، ولا كلمة له في القانونين المطروحين راهنا. وهذا الموقف قد يكون بمثابة تقديم هدية للحريري من باب عدم احراجه في موقف قد لا يستطيع رئيس الحكومة تحمله في زمن التسوية السياسية القائمة. اذ انه قياسا الى الموقف التي عبرت عنه مندوبة الولايات المتحدة الاميركية نيكي هايلي في نيويورك في شأن ” حزب الله” يعتبر متطرفا قياسا الى ما قاله ترامب. انما ذلك قد لا يعني انه قد يوفر قيام حملة على الحريري لعدم مدافعته عن الحزب في حال افترض الاخير ذلك علما انه لا ينبغي توقع هذا الامر للاعتبارات المعروفة على اي مستوى باستثناء حماية لبنان وفق مسعى الحريري في اي حال لدرء الانعكاسات السلبية على لبنان من قانوني العقوبات المنتظرين بحيث يصب في نهاية الامر في عدم التشدد على الحزب وفق ما يرجو المشرعون الاميركيون او على حلفائه. وهو ما ينطوي ضمنا على عدم اصابة الحزب كثيرا بفعل توفير الحماية للاقتصاد اللبناني.

في الحصيلة التي تم استخلاصها فان الموقف الاميركي لم يتغير وبدت ادارة ترامب متفهمة واقع لبنان وواقع السياسة الداخلية ايضا. فاذا كان اخذ في الاعتبار كلام ترامب ازاء الحزب فانه ينبغي في المقابل ان يؤخذ في الاعتبار ما لم يقله الرئيس الاميركي. ففي عز معركة يستفرد بها الحزب في جرود عرسال في تجاوز لمفهوم الدولة وسيادتها، فان اي كلام من اي نوع كان لم يصدر عن ترامب او عن الجانب الاميركي علنا. اذ ينبغي الاشارة في هذا المجال الى ان واشنطن وباستثناء بيان يتيم دان تدخل الحزب في الحرب السورية الى جانب بشار الاسد، فان غياب اي موقف اخر في هذا الصدد يوحي كأنما هناك غض نظر عن اضطلاع الحزب بالحرب السورية او بمعركة جرود عرسال. وما لم يقل اميركيا في معركة ” حزب الله” في جرود عرسال يعد اهم من الذي قيل عن الحزب والذي لا يخرج عن الادبيات الاميركية في هذا الصدد. ويلاحظ في السياق نفسه عدم اعلان ترامب اي موقف حاد من بشار الاسد اذ لم يتطرق الى وجوب اطاحته او رحيله بموجب اي تسوية او اي شيء من هذا القبيل ولو انه قال انه ليس معجبا به نتيجة اعماله. وهو ما يفسر بانه ليس ضد بقاء الاسد في الوقت الحاضر على الاقل.

في الشق الداخلي من المهم للحريري ان يكون من يستطيع تأمين استمرار المساعدات الاميركية للبنان ازاء الرغبة الاميركية في خفض المساعدات علما ان استقرار لبنان يتعدى اشخاصا في حد ذاتهم. فهذا ما يمكن للحريري ان يقطفه كرئيس للحكومة له حيثية معينة تؤخذ في الاعتبار انطلاقا من ان خلط الاوراق الداخلي الذي حصل على ضوء التسوية السياسية ساهم في تخفيض السقوف خصوصا في ما يتعلق بموقع الرئاسة الثالثة الى حد كبير.

rosana.boumounsef@annahar.ciom.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*