لسانُ الدستور فصيح

14 شباط 2017
النهار

لا يُنْسَبُ لساكت قول

الإمام الشافعي

الدستور ناظم العلاقات، وليس علَّاقة النظم، وله لسانٌ فصيح قويم، لا تقتحمه عجمة ولا تُفسِّرُ نصوصه مصالح، لأنه القانون الأساس الذي تدور في فلكه الحياة السياسية كما علَّمنا إدمون رباط.
إنَّهُ إذاً قانون الدولة برمتها الذي يتميز بنصوص جمعت فَأَوْعَتْ. وكلُّ كلام عن تطبيقِها أو تفسيرها، إن كانت ثمة غوامض، ينصرف إلى الوارد فيه لا إلى ما هو خارجه؛ وعليه فإن القول بجواز الاستفتاء لأنَّ الدستور لم يمنعْه، كلامٌ فيه من السياسة أكثر بكثير مما فيه من الفقه الدستوري والقواعد القانونية.
عندما حاول جورج بومبيدو إجراء استفتاء (رفرندوم) في فرنسا، نزع البرلمان الثقة عن حكومته. فأصر الجنرال ديغول، رئيس الجمهورية، على إجرائه، سنداً الى المادة الحادية عشْرةَ من الدستور التي تقر لرئيس الجمهورية، بناء على اقتراح صادر عن الحكومة، أو مجلسي البرلمان سوية، بصلاحية طرح كل مشروع قانون يتعلق بتنظيم السلطات العامة “organisation des pouvoirs publics” على “الرفرندوم”. علمًا أن نقاشًا دستوريًّا حادًّا دار حول ضرورة تآلف إجراءات المادة الحادية عشرة مع المادة التاسعة والثمانين التي اشتملت على أحكام خاصة بتعديل الدستور.
هذا يعني أن الاستفتاء كوسيلة ديموقراطية تلجأ إليها السلطات، يجب أن يكون من صُلبِ نصوص الدستور، لأن الأحكام الدستوريةَ الكلية جامعةٌ مانعة، لا يُقتطع منها ولا يضاف إليها. ولو جاز العمل بما لم يرد فيه (أي في الدستور)، لما كان لوجوده من حاجة، على ما استقر في الفقه والاجتهاد.
لست أسعى في هذه السطور إلى شرح امتلأت به رفوف المكتبات، ولكنني قصدت الحث على حصر النزاع السياسي في إطاره، لأن محاولة رفعه إلى مستوى النقاش الفقهي، ستنزل به وبالفقه إلى ما دون السياسة، وهذا بحد ذاته يعتبر من قبيل زعزعة الأسس التي تقف عليها الدولة.
يقال إن ملكاً زار مختبر السموم في قصره، وسأل كبير الكيميائيين: “ما أنقع السموم لَدَيْك”، فأجابه الكيميائي: “ما زال البخور يا مولاي أنقع السموم”. وعليه فإن حبراً يفوح برائحة التوضيح، لهو الترياق الأفضل، وإنَّ سطوراً تُلْجَمُ حروفُها عن الهوى لَفرضُ عين على كل قلم.
يعيش اللبنانيون في جوٍّ آمن أملته الاتفاقات السياسية التي أفضت إلى انتخابات رئاسية وحكومة جديدة. فلا ينبغي لأي أحد أن يعكر هذا الجو، إِذا ما دار الخلاف حول فروع الحل، فيما كان الحل المستعصي عالقاً في عقدةِ الرئاسة. فقانون الستين المنبوذ من أهله، أنتج مجلساً استمر كثيراً، وأدام حكومة تخطت عمرها الافتراضي، ومهما قيل فيهما، فلهما فضل الوقاية من الفراغ الذي لو ذرَّ بقرنه لالتحق لبنان بأفواج الدول الفاشلة التي تشرد أبناؤها وتهدم عمرانها وأصبحت خرائطها قيد الدرس…
وفي هذا الصدد أشير إلى قرار المجلس الدستوري تاريخ 28/11/2014 رقم 7/2014 يؤكد أن دورية الانتخابات مبدأ دستوري لا يجوز المس به، وأن ربط إجراء الانتخابات بالاتفاق على قانون جديد، أو بأي اجتهاد آخر، عمل مخالف للدستور، وذلك في معرض رد الطعن في قانون التمديد لمجلس النواب، للحيلولة دون حدوث فراغ في المؤسسات الدستورية.
أخلص من هذا إلى أن ما كان بالأمس مستحيلاً، أصبح اليوم أمرًا واقعًا تكيّف معه الأطراف، وصار محط عناية عربية ودولية؛ الأمر الذي يوجب علاج مفاصل الهيكل السياسي من الصدأ والصرير، والاستثمارَ في الأمنين الداخلي والخارجي، وتنفيذَ ما كان عالقًا بغير وجه حق. ولعلَّ الحميَّة التي لمسها اللبنانيون، في موضوع الموازنة، أوَّلُ القطر الذي يتحدث عنه الرئيس بري (سلمه الله من المرارة) فكم عانت الدولة مع المواطنين من مرارة مراوحة هذه الموازنة عند العام 2004.
ولا بد من لفت النظر، الى أن المهمة التي تتقدم على غيرِها، هي تفعيل خطط نشطة، دولية وعربية ومحلية حيال الإخوة السوريين اللاجئين في لبنان، إذ إن الحكومة السابقة التي رسمت سياسة واضحة في هذا الصدد، كانت تصطدم دائماً بشح المعونات، وغياب الحلول. بل إنني لا أبالغ إذا قلت إن المجتمع الدولي قد أنفق على الشعب السوري مئات مليارات الدولارات، معظمها لقتله، ونزرها لإغاثته. ولهذا فإننا عندما كنا نرفع الصوت مطالبين بمناطق آمنة، كان يتبارى مندوبو الدول في رفض الفكرة. وحين ذهب دولة الرئيس تمام سلام في مؤتمر القمة في نواكشوط إلى المطالبة بتأهيل المناطق التي انحسرت عنها المعارك لتحفيز اللاجئين على العودة، أعاروه آذاناً غير واعية، (ورب مستمعٍ… والقلب في صممِ…) كما يقول أمير الشعراء.
قد تتوصَّلُ الحضرة السياسية إلى”قانون انتخابي حديث يؤمن الحقوق ويرفع الحيف المزمن ويزيل الهواجس إلخ..” وقد تحول دون هذا عقبات، فيجب احتواؤها بالمرونة والحصافة اللازمتين، وإلا فإن عددًا لا يستهان به من غير اللبنانيين، يساوي عديده نصف الشعب اللبناني، ويعيش على أرضنا، سيسبقنا إلى إصدار قوانينه الخاصة.
الرئيس الاميركي يتحدث مجدداً عن مناطق آمنة، وهذا ما كانت ترفضه الحكومة الاميركية السابقة بصورة قاطعة… فلتستنفر إذًا الديبلوماسية اللبنانية كفاءاتها في ظل الاتصالات التي يقوم بها فخامة الرئيس ودولة الرئيس، للإمساك بطرف هذا الخيط، صوناً للبنان، وللشقيقة العزيزة سوريا على السواء.

* الوزير السابق للشؤون الاجتماعية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*