لجنة عدوان تطويها حصانة الحاكم؟


سابين عويس
النهار
19102017

على قلة النقاشات التي تناولت مشروع الموازنة، وبعدما تحولت الجلسات إلى عراضات امام شاشات التلفزة، برز لدى رئيس المجلس نبيه بري توجه مع بداية الجلسة المسائية، امس، الى اختصار الثلاثية التشريعية، والاكتفاء بيومين من الجلسات أفاض فيها النواب في كلام لم يقارب في غالبيته مشروع الموازنة، لا أرقاما أو تقديرات، ولا ضرائب مقترحة أساسا في صلب المشروع. وقد يكون السبب واضحا، ويتجلى في أن المشروع المعروض أمام النواب قد استنفد وظيفته، ولم تعد التقديرات تنفع إذ باتت في حكم المحقق، بعد مضي عشرة أشهر من السنة.

والواقع أنه يتعذر على أي مراقب أن يجري مقارنة بين التقديرات المقترحة في المشروع وما تحقق، بعدما توقفت وزارة المال، لأسباب غير معروفة، عن إصدار بيانها الشهري حول تطور المالية العامة منذ شباط الماضي، وفق ما أوضحت مصادر فيها. ورغم ان وزير المال علي حسن خليل إستدرك هذا الامر، وحرص على تضمين رده المسائي كل الارقام، الا انه تناول ما تحقق في 2016 مع مقارنات بالاعوام السابقة وصولا الى 2006، اضافة الى تقديرات المشروع، ولم يتطرق الى ما تحقق في الاشهر العشرة من 2017! فلم يساعد كثيرا في فهم حقيقة الوضع المالي، خصوصا أن اقتصار المعطيات عن حجم الانفاق والايرادات ونسبة العجز وتطور المديونية على العام الماضي، لا يمكن ان يسعف في تحديد حجم المخاطر المالية التي حذر منها رئيس الحكومة عندما قال إن الضرائب المستحدثة ضرورية للمساعدة على تعويم الخزينة ومنع خفض التصنيف الائتماني للبنان. وهذا يعني أن الحريري قد يملك معطيات غير متوافرة علنا عن الوضع المالي، دفعت إلى إقرار سلة كبيرة من الضرائب كان يمكن الاستغناء عنها لأن مواردها تغطي ثلاثة واربعة أضعاف الاعتمادات المطلوبة لتمويل سلسلة الرواتب الجديدة.

ما بات اكيدا ان مشروع الموازنة سيقر، وستضاف اليه المادة المحالة من الحكومة بقانون لإضافتها الى المشروع، والمتعلقة بقطع الحساب. وما بدا أكيدا ان الحكومة في ردها ليلا صنفت إقرار الموازنة إنجازا في رصيدها، لتطوي بذلك صفحة الملف المالي، وتنصرف إلى التحديات والاستحقاقات الكبيرة التي تنتظرها بدءا من ملف النزوح والعودة والتطبيع مع سوريا، وصولا إلى الاستحقاق الانتخابي.

ولكن هل بإقرار الموازنة يُطوى الملف المالي، او ان القنبلة التي فجرها النائب جورج عدون اول من أمس في البرلمان ستفتح جرحا نازفا جديدا في جسم المالية العامة وحساباتها؟

من المواقف وحركة الاتصالات التي جرت وشارك فيها كل من رئيسي المجلس والحكومة ووزير المال والنائب عدوان، يبرز التوجه واضحا إلى لملمة هذا الموضوع، ولا سيما أن إثارته من على منبر المجلس النيابي تعطيه بعدا اخطر من ان يتم تلقفه برزمة اتصالات ومواقف، إنطلاقا من ان ما اثاره عدوان يشكل اتهاما واضحا للمصرف المركزي بالتهرب من دفع متوجباته للخزينة.

وفي حين جاء الرد فوريا من حاكم المصرف المركزي، مفندا ما اورده عدوان، توقفت مصادر سياسية عند حيثيات نائب “القوات”، وما إذا كان يعبر عن موقف تياره او لا، كما توقفت عند تداعيات هذا الموضوع خصوصا بعد إعلان عدوان تعهده طلب تشكيل لجنة تحقيق برلمانية في حسابات مصرف لبنان خلال 48 ساعة، وتلقف رئيس المجلس الطلب. لا تشك المصادر في أن موقف عدوان لا يأتي على خلفية شخصية، حتى لو توافرت الدوافع لذلك، لأن مثل هذا الموقف يلزم “القوات”، وخصوصا أنه صدر من داخل قاعة البرلمان، وليس عبر الاعلام. وتساءلت عما إذا كان يستهدف الحاكم حصرا أو أنه يأتي على خلفية الانزعاج الكبير الذي لم يعد يخفيه “القواتيون” من تهميشهم في كل الامور والملفات، فضلا عن التناغم الذي بدأ يتبلور بين حاكمية المركزي و”التيار الوطني الحر” بعد رفض غير مسبوق للتيار ومعارضته الشديدة للتجديد للحاكم.

لكن ما استغربته المصادر هو تلقف بري طلب تشكيل لجنة برلمانية، وسألت هل يأتي في إطار التناغم بينه وبين عدوان أو أنه يرمي إلى إخراج الموضوع من السجال، مقرونا بنية رئيس المجلس عدم المضي في الطلب، خصوصا أن بري، كما عدوان، يدركان أن المصرف المركزي يتمتع بحصانة كاملة واستقلالية تامة يوفرهما ويرعاهما قانون النقد والتسليف الذي يشكل الهيئة الناظمة لعمل المصرف. وبالتالي، لا سلطة لأي لجنة برلمانية في هذا السياق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*