لتوثيق عهود وتحريض المقاتلين وكسب الولاء… كيف حضر العطر في تاريخ

قبل الإسلام، كان شائعاً بين العرب أن يغمسوا أيديهم في الدم إذا تحالفوا، باعتبار ذلك علامة من علامات توثيق العهود… لكن أطراف حلف المطيّبين الذي عُقد قبل الإسلام بفترة وجيزة استخدموا العطر بدل الدم.

الحلف المذكور هو تحالف أفخاذ من قريش كانت تطالب بإعادة توزيع أعمال الحجابة (خدمة الكعبة) واللواء (حمل اللواء في الحروب) والسقاية (سقي الماء للحجيج) والرفادة، بعد خلاف حولها.

وفي حين سُمّي الحلف الثاني بـ”الأحلاف”، أطلقت على الفريق الأول تسمية “حلف المطيّبين”. ويروي الدكتور محمد سهيل قطوش في كتاب “تاريخ العرب قبل الإسلام” سبب التسمية بأن بني عبد مناف أتوا بوعاء فيه طيب ووضعوه عند الكعبة وأعلنوا تحالفهم مع مؤيديهم بغمسهم أيديهم في الوعاء ومسحهم بها الكعبة.

في هذه الواقعة، حلّ الطيب محل الدم وصار علامة على التعاهد ودرء الخيانة.

ويذكر الدكتور يحيى الجبوري في دراسته “الزينة في الشعر الجاهلي/ زينة الطيب والعطور” (منشورة في العدد السادس من حولية كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية في جامعة الملك فيصل) أن العطر استقى مكانته من اعتقاد قديم بنزول الطيب من الجنة، أو من آخر يرى أنه يطرد الشياطين والأشباح.

ويؤكد هذا التفسير ما أورده محمد بن جرير الطبري في “تاريخ الرسل والملوك” من أن الطيب من شجرة في الجنة، وأن الله لما أهبط آدم إلى الأرض جعله لا يمرّ بشجرة من شجر الجنة إلا أخذ منها غصناً من أغصانها، فهبط إلى الأرض وتلك الأغصان في يده، فلما يبس ورقها تآكلت وتناثرت فكان ذلك أصل الطيب.

التحريض على القتال

حضر الطيب قبل الإسلام عبر دلالة أخرى تمثلت في التكريم السياسي والعسكري والتحريض على القتال. فكان الفرسان إذا ما ذهبوا إلى الحرب أكرمتهم النساء برش العطر عليهم، وحدث ذلك في أشهر حروبهم، في يوم حليمة.

قارورة عطر عُثر عليها في إسبانياتختلف تفاصيل تلك المعركة، وذكر ابن الأثير عدة روايات لما حصل في كتابه “الكامل في التاريخ”، إحداها أن المنذر بن المنذر بن ماء السماء، ملك الحيرة، والملقّب بالأسود، جمع عساكره وسار إلى الحارث الأعرج، ملك غساسنة الشام، طالباً بثأر أبيه.

ونزل المنذر بمرج حليمة، وهو مرج سُمّي على اسم ابنة الحارث الغساني. وفي المقابل، سار الحارث ونزل بالمرج أيضاً. ودارت الحرب بين الطرفين أياماً، ولما رأى الحارث ذلك “قعد في قصره ودعا ابنته هند وأمرها فاتخذت طيباً كثيراً في الجفان وطيبت به أصحابه ثم نادى يا فتيان غسان مَن قتل ملك الحيرة زوجته ابنتي هند”.

عندها، “قال لبيد بن عمرو الغساني لأبيه يا أبت أنا قاتل ملك الحيرة أو مقتول دونه لا محالة”. ولما زحف الناس واقتتلوا، “شد لبيد على الأسود” فضربه ضربة فألقاه عن فرسه ونزل فاحتزّ رأسه وأقبل به إلى الحارث، “فقال له الحارث شأنك بابنة عمك فقد زوجتكها”.

ولكن أخا الأسود عاد ليقاتل، وانهزم اللخميون (المناذرة) مجدداً ولكن لبيد قُتل.

وفي سياق علاقته بالحروب، يحضر العطر في مثل عربي قديم يقول “أشأم من عطر منشم”. ومنشم في ما يُروى امرأة من قبيلة جرهم التي لمّا خرجت لقتال خزاعة، خرجت منشم معهم، فطيبتهم بعطرها، وكان لا يتطيب به أحد إلا يُقتل أو يُجرح.

فصار تعبير “عطر منشم” يدلّ على الشؤم، وصار يُضرب به المثل فيقال “أشأم من عطر منشم” أو “دقوا بينهم عطر منشم”.

وقيل بشأن منشم أيضاً أنها امرأة عطّارة من همدان كانوا إذا تطيبوا من طيبها اشتدت الحرب، فصارت مثلاً في الشر.

أناقة السلطة

حمل العطر قبل الإسلام أيضاً دلالة على هيبة وأناقة السلطة. يروي الدكتور قيس كاظم الجنابي في كتاب “العطر عند العرب/ دراسة تاريخية فكرية”، أن وفداً من سادة قريش أتوا على الملك الحميري سيف بن ذي يزن (516 – 574) بعد أن ظفر بالحبشة، فدخلوا عليه، فإذا به معطّر بالعنبر والمسك من مفرقه إلى قدميه وسيفه بين يديه.

غزوة بدر

حضر العطر في أول معركة بين المسلمين وقريش، غزوة بدر، سنة 632، وقيل إن سببها كان قرار المسلمين مهاجمة قافلة لقريش محمّلة بالعطر.

ويذكر ابن هشام في “السيرة النبوية” أن الرسول لما سمع بأبي سفيان مقبلاً في قافلة من الشام، ندب المسلمين إليهم، وقال: “هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفّلكموها”.

وعندما علم أبو سفيان وهو في طريقه بما ينويه المسلمون، أرسل ضمضم بن عمرو الغفاريّ إلى قريش ليستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمداً عرّض لها هو وأصحابه، فخرج ضمضم إلى مكة ووقف على بطن بعيره وشقّ قميصه وهو يقول: “يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها. الغوث الغوث”.استقى العطر مكانته عند العرب قبل الإسلام من اعتقاد قديم بنزول الطيب من الجنة، أو من آخر يرى أنه يطرد الشياطين والأشباححضر العطر في تاريخ العرب عبر دلالته على التكريم السياسي والعسكري والتحريض على القتال، وكانت النساء أحياناً ترشّ العطر على الفرسان إذا ما ذهبوا إلى الحرب

وبحسب الدكتور عمر عبد السلام تدمري الذي علّق على سيرة ابن هشام وخرّج أحاديثها وصنع فهارسها، فإن اللطيمة هي “الإبل التي تحمل البزّ والطيب”.

اتفاق مسيلمة وسجاح

وحضر العطر في حدث الصفقة السياسية التي عُقدت عام 631 بين مسيلمة الحنفي الذي سماه المسلمون “مسيلمة الكذاب” وبين سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان، وكان الاثنان قد أعلنا نبوّتهما في فترة شهدت إعلان كثيرين من قبائل عدّة نبوّتهم لمنافسة النبي محمد الذي حُسب على قريش.

ذكر الجنابي أن بعض الروايات تشير إلى أن العطر كان بطل الاتفاق بينهما، إذ أشار مقرّبون من مسيلمة إليه بأن يضرب خارج بلده قبة من الديباج الملوّن، وأن يعطرها بألوان الطيب المختلفة، فإذا اشتمت سجاح الرائحة انحلت وتراخت، ما يمكّنه من مراودتها عن نفسها ومن أن تستجيب له، وإذا نكحها نجا من شرها وشر أهلها.

مكانة مكة السياسية

استخدم خلفاء العصر الأموي العطر للتعبير عن نفوذهم وسلطتهم، عبر استخدامه في إبراز مكانة الكعبة ومركزيتها الدينية مستحدثين نزعة حسية شمية لها.

ففي سنة 660، استطاع معاوية بن أبي سفيان توحيد الدول الإسلامية تحت سلطانه، وكان أول مَن طيّب الكعبة بالخلوق (طيب مركب من الزعفران ومواد أخرى) والمُجمر (البخور)، واستمرت عادة تلطيخ الكعبة بالطيب إلى عهد عبدالله بن الزبير (624 – 692).

بائع بخور

العطر في العصر العباسي

لم يجد نصارى نجران أفضل من الطيب والعطر لإعلان دعمهم لأبي العباس عبد الله بن محمد، بعد أن تولى حكم الدولة الإسلامية سنة 750، فنزلوا إلى طريق يمرّ بها في الكوفة، وكانوا قد رُحّلوا إليها سابقاً، وألقوا فيها الريحان ونثروه عليه، في دلالة على رضاهم عنه وتأييدهم له، بحسب ما يرويه ابن الأثير في “الكامل في التاريخ”.

ولما تولى الخليفة المهدي الخلافة سنة 774، كان شغوفاً بالطيب، فحج سنة 776 وجرّد الكعبة وطلى جدرانها من الخارج بالمسك والعنبر، فكان المكلفون يصعدون على ظهر الكعبة بقوارير يفرغونها على جدرانها من خارج جوانبها كلها، مكرراً ما فعله معاوية قبله.

وكان هذا الإجراء نوعاً من التقديس الذي يخفي وراءه أهدفاً سياسية، ولم يكن يُعمل به كل موسم، بل فقط في المواسم التي يحج فيها الخلفاء، لأن تكاليف هذه العطور كانت كبيرة، بحسب الجنابي.

وشكّل الطيب عنصراً أساسياً في محاولات استمالة الآخرين وكسب ودهم وولاءهم، فحضر في هدايا أرسلها خلفاء، كما حضر للتعبير عن الولاء كما في هدايا الولاة إلى الخلفاء.

وكان لقبول أو رفض هدايا العطر دلالة سياسية. يُروى أن العباس بن محمد بن علي أهدى “غالية” (قارورة عطر) إلى الخليفة هارون الرشيد سنة 808، فدخل عليه وحملها معه فاستهزأ به الرشيد، وقال له: “ادهن بها استك”.

وحمل رفض الرشيد للهدية هدفاً سياسياً تمثل في أن العباس من عقب أبي العباس عبد الله بن محمد، وكان من المقربين من أبي جعفر بن المنصور (714- 775)، مؤسس بغداد.

استقبال الموت بالعطر

شهدت الفتنة التي حصلت بين الأمين بن هارون الرشيد (787- 813) وأخيه المأمون (786- 833)، بسبب صراعهما على العرش، حضور العطر كدلالة عن التفاؤل بالنصر أو الموت المعفّر.

روى الطبري أنه أثناء شق جيش المأمون طريقه إلى بغداد، هرب بعض جنوده إلى الأمين، فأعطاهم أموالاً وأكرمهم وعطّر لحاهم فسُموا “جيش الغالية”.

وأثناء محاصرة جيش المأمون لبغداد، عقد الأمين مجلسه وأمر أن يُفرش ويُطيب بالروائح والطيب، حتى أنه كان يجمع التفاح والرمان والأترج كنوع من التعبير عن تفاؤله وبهجته ليرفع معنويات قادته وجنوده، وليبيّن لهم أنه ما زال في عنفوان قوته.

وثمة أكثر من حادثة تشير إلى أن التعطر قبل الموت كطقس خاص لاستقباله يلجأ إليه مَن يشعر بالخطر من الأبطال والفرسان أو الثوار أو الحكام لكي تُميَّز رؤوسهم عن رؤوس غيرهم، وحتى يبعدون عن جسدهم رائحة عفونة الموت.

وعبّر عن هذه الحالة بجرأة الحكم بن هشام الربضي الأندلسي (771- 822) عندما تسوّر الثائرون قصره، فطلب قارورة عطر فقالوا له باستهجان: هذا وقت غالية! فقال: بم يعرف رأسي إذا قُطع من رؤوسهم، حسبما ذكر عبد الواحد بن علي المراكشي في كتابه “المعجب في تلخيص اخبار المغرب”.

وروى ابن الأثير في “الكامل في التاريخ” أن عبد الله بن الزبير ظل قبل مقتله بأيام يستعمل الصبر والمسك كي لا تنتن رائحته، فلما قُتل وصُلب ظهرت منه رائحة المسك، فأمر الحجاج بن يوسف الثقفي بأن يُصلب معه كلب ميت، لتغلب رائحته رائحة المسك، وقيل: صُلب معه سنور.

22إقرأ المزيد في رصيف

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*