لبنان “مديون” للعربية السعودية وإيران الاسلامية

سركيس نعوم
29122017

قد يعتقد المغرضون والجاهلون، أن اقتناعي بأن لبنان دخل العصر الشيعي ناجم عن تحزّب للسنّة أو عن رفض للمسلمين عموماً بعد وضوح غالبيتهم العددية. أما العارفون عند “الشعوب” اللبنانية، من الزعماء والقادة ومن الرأي العام، فيعرفون أن هدفي الوطني هو المساواة والديموقراطية لا المحاصصة والسلطة والفساد وتغذية الطائفية، كما يفعل “أشاوسنا” المتشاركون في معظمهم ضد الناس وفي سوقهم الى الاقتتال. ويعرف هؤلاء أيضاً أنني واقعي لا أتمسك بنظريات وإن آمنت بها، اذا كان الشعب المنقسم شعوباً وهو واحد في نظري، يعتبرها غير عملية أو مؤذية لقيمه أو لدينه أو لمذهبه. انطلاقاً من هذه الواقعية أشير الى أنني لا أعترض على العصر الشيعي البادئ بقوة اذا كان لا مفرّ منه، ولا على عصر سنّي يبقى بعيد المنال حالياً اذا استحال إبداله بدولة مدنية ديموقراطية سيدة وحرّة، ولن أتحدث هنا عن عودة العصر المسيحي، الذي يحلم به كثيرون ويعملون له، لأنها لن تتحقّق. لكنني ألفت الى أن الدولة في العصر المسيحي كانت موجودة رغم غياب المشاركة الطوائفية – المذهبية عنها، والى أن المشاركة الاسلامية فيها كانت قوية بزعمائها وبشعبياتهم المشبّعة بأفكار طامحة الى المساواة الكاملة، أو الى الانتقال الى عصر عربي – مسلم في حال تعذّرها. كما كانت قوية لأن قادة العصر المسيحي في ذلك الزمن بل المسيحيين كلهم ما كانوا يعتبرون أنفسهم أقلية. ولهذا السبب لم يؤسسوا نظاماً أقلوياً كما فعل “الشقيق التوأم” للبنان. وخيراً فعلوا لأن نهايته الكارثية كانت ستكون محتومة. وللسبب نفسه قبلوا مع مرور الوقت وتصاعد الاعتراض المسلم أعرافاً “عدّلت” عملياً بعض مواد دستورية. علماً أنه كان عليهم أن يقودوا موجة التعديل قبل بدء التدخل الفلسطيني – السوري في شؤون البلاد. لكن مع الأسف لا يمكن اليوم إلا ملاحظة أنهم بدأوا يفكّرون كأقلية. ويبدو ذلك واضحاً من أطروحاتهم الطائفية المغلّفة طوراً بالعروبة وتارة بالمساواة في دولة حديثة. علماً أنه بدا واضحاً من قسوتهم في حروب 1975 – 1990. وهي صفة تلازم الأقليات عندما تشعر بالخطر، كما تلازم الأكثريات عندما تحكمها الأكثريات بقسوة غير مقبولة. والهدف من هذا القول الإشارة الى أن اليأس من لبنان دولة مدنية ومساواة يعني الآن قبول العصر الشيعي أو التكيّف معه. وذلك ممكن اذا كرروا العصر المسيحي ولكن “بطبعة منقّحة” اذا جاز التعبير. أما إذا مارسوا سلطة مطلقة وان بقفازات حرير مع بعض المسيحيين و”بقمصان سود” مع السنّة ومسيحيين آخرين، فإن حكمهم لن يستمر الى “الأبد وما بعد الأبد” أو لن يستقر، كما ظنّ من سبقهم في المنطقة. ذلك أن لبنان النهائي أو الدائم لا يمكن أن يقوم قبل قيامة سوريا والعراق واليمن، وخصوصاً قبل تفاهم المملكة العربية السعودية والجمهورية الاسلامية الايرانية المتحاربتين مباشرة وبالواسطة. واللبنانيون العقّال يجب أن يعترفوا بأن المواطنين من كل الطوائف مدينون للسعودية منذ عقود كثيرة ولدول الخليج إجمالاً. فهي استقبلتهم وأفادتهم كثيراً، واستفادت منهم كثيراً. وبأن دولتهم مدينة لها أيضاً منذ عقود كثيرة. واذا كانت تخلّت عنهم أحياناً لسوريا الأسد رغم معرفتها الأثار السلبية جداً لسياستها عليهم، واذا عاب عليها الكثيرون ذلك، فإنها لم تقصّر في المساعدات المالية وخصوصاً أيام المحن، وأبرزها إعادة الإعمار بعد حروب الداخل وبعد عدوان إسرائيل عام 2006. علماً أنها مثل أخصامها الاقليميين وفي مقدمهم إيران استعملت المال في غير موضعه. واللبنانيون العقّال يجب أن يعترفوا أيضاً بأن لبنان مدين أيضاً لإيران. فتحرير الجنوب وبعض البقاع الغربي من احتلال اسرائيلي مزمن ما كان ممكناً من دونها. وهذا أمر ينفيه بعض السعوديين بالقول ان سوريا وإن “عدوّة” اليوم هي التي ساعدت في التحرير بفتحها الحدود. وهذا صحيح جزئياً، لكن إيران فرضت نفسها في لبنان على هذه السوريا التي أصبحت لاحقاً وفي عهد الأسد الإبن مدينة بدورها لها بعد عجزه عن مواجهة شعبه ثم التكفيريين… وعلى لبنان الدولة والشعب إذا توحّد أن يفيا الدينيْن بعد الاعتراف بهما. وعلى كل من الرياض وطهران أن لا تتمسك بـ”الشعب” اللبناني الذي يماثلها في المذهب بل الدين، وأن لا تتحاربا بواسطتهما وعلى أرضهما كما بواسطة غيرهما. وربما يكون تفاهمهما هو الأفضل، لكنّه قد يكون بعيداً. فهل يرضيان أن يتسبّبا بدمار “شعبيهما” أي السنّة والشيعة فيه بل بدماره كله؟ وهل يكون ردّ الدَين بتحوّلهما جيشين إقليميين لهما؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*