لبنان: حين «تفيض» الطوائف على بعضها البعض

 

 


وسام سعادة
القدس العربي
12112018

تأجّل الاستحقاق النيابي أربعة أعوام بغية الاهتداء إلى قانون انتخابي «يؤمّن صحّة التمثيل»، وعاماً إضافياً بغية استيعاب الناس لهذا القانون الانتخابي الذي يعدل في التمثيل، حتى إذا حصلت الانتخابات في آخر الأمر، أخذ كل رهط يتأوّل في الأرقام وعدد المقاعد، وسارع كل فريق للبس جبّة المنتصر.
يفترض الانتصار بالتتابع حصّة أكبر في الحكومة والحقائب، ليتبيّن أنه يستحيل عملياً ترجمة انتصار الجميع على الجميع. هناك من تقدّم ومن تراجع، من أقفل باب تسّرب الاعتراض الداخلي على هيمنته ضمن طائفته، ومن لم يفلح في إقفال طائفته على ذاته، من ضاعف عديده دون أن يقلب الأكثرية ضمن طائفته لصالحه، ومن احتفظ بالأكثرية ضمن طائفته ولو تراجع. في آخر الأمر، حتى في انتخابات تعمّر القانون النسبي على الصوت التفضيلي على القيد المذهبي، لا يمكن أن يخرج الجميع منها فائزاً بنفس الدرجة والوتيرة.
يبقى أنّه، إذا كان يستحيل عملياً أن «ينتصر الجميع» في انتخابات نيابية، فإنّ عدم وجود أرضية للمواجهة الانتخابية الشاملة بين المتباينين السياسيين الرئيسيين، أعطى مساحة للاسترسال في الأوهام. بخلاف انتخابات 2009، لم يخض الاستحقاق الأخير بين ائتلافيين متقابلين على طول الخط. بل كانت تحالفات محكومة بتوسيع الحاصل الانتخابي في الدائرة المعنية، وتنافس يركّز على تحصيل العدد الأكبر من الأصوات التفضيلية.
لم يمنع اختلاط الحابل بالنابل في صناديق الاقتراع من فرز واقع برلماني جديد، يكون فيه تمثيل الطائفة الشيعية حكراً على الثنائي أمل ـ حزب الله، ويكون فيه تمثيل الطائفة السنية متراوحاً بين أكثرية «مستقبلية» متراجعة، و«خط وسط» يجري ترطيب علاقته بـ«المستقبل» نوعاً ما، أو لفترة، وأقلية من ستة نواب سنة حلفاء لـ«حزب الله».
أما عند المسيحيين، فقد ضاعفت «القوات» من كتلتها البرلمانية، لكن «التكتل» العوني بقي الأكبر بعدد مقاعده النيابية، وحافظ الجنبلاطيون على صدارتهم بين الدروز وفي الشطر الجنوبي من جبل لبنان، دون أن يكون مقدّراً لهم «إقفال الطائفة» برلمانياً، كما في حال «حزب الله» و«أمل».
إذاً، تحوّل التفاوت في «إقفال الطوائف» إلى معيار أوّل لوزن النتائج الانتخابية وترجمتها حكومياً. على هذا الأساس، كانت «العقدة الدرزية»: رفض قصر بعبدا اعطاء وليد جنبلاط الحصة الوزارية الدرزية كاملة، كونه لم يحرز 100 بالمئة من المقاعد النيابية الدرزية في الانتخابات. وكانت «العقدة المسيحية»: «القوات» ترى إلى وزنها البرلماني المضاعف، والعونيون يرون إلى احتفاظهم بالصدارة البرلمانية المسيحية، ناهيك عن أنه «العهد الرئاسي القوي».

عدم وجود أرضية للمواجهة الانتخابية الشاملة بين المتباينين السياسيين الرئيسيين، أعطى مساحة للاسترسال في الأوهام

أما «اللا ـ عقدة الشيعية» فبدت كنظرية الفيض الأفلوطينية: بما أنّ الثنائي الشيعي حقق المقاعد النيابية كاملة، بخلاف اكتفاء «تيار المستقبل» بالأكثرية السنية، مع تراجع تمثيله البرلماني غير السني أيضاً، تجلّى فيضه من خلال «عقدة السنة الموالين لحزب الله ـ النظام السوري». «العقدة السنية» هي فيض من «اللا ـ عقدة الشيعية»، نتيجة للتفاوت القائم بين ثنائي إجماعي ضمن طائفته، وأكثرية متراجعة ضمن طائفتها.
هل ثمّة دور مباشر لمنظومة السلاح في كل هذا؟ نعم ولا. «حزب الله» جماهيري لأنّه مسلّح، ومسلّح لأنه جماهيري، وهذا ما يكابر عليه خصومه. لم يحرز الثنائي «حزب الله ـ أمل» الإجماع الانتخابي التام في الطائفة الشيعية بتصويب البنادق إلى المقترعين، أبداً. لكن المقترعين كانوا يقترعون لهذا السلاح، بكل مفارقة الاقتراع لسلاح في لعبة ديمقراطية. المقترعون الشيعة، بغالبيتهم، فهموا أنّه، وتحديداً مع هذا القانون، الأقوى هو قبل كل شيء من يحصّل الإجماع بالكامل، ولا يترك المجال لأي خرق. المقترعون الدروز، فهموا ذلك أيضاً، لكن تركيبة دوائرهم لا تترك المجال لتفادي الخرق تماماً. نفس هذا المنطق عُرِضَ، وربما أكثر من اللزوم، على المقترعين السنّة، مادة انتخابية كالخبز الحافي، لكن النتيجة جاءت مختلفة.
الاقتراع ضمانة لسلاح يختلف من حيث آلية تطلّبه عن الاقتراع تحفّظاً على سلاح. لكن أيضاً نحن أمام حالة سنية أو درزية لفريق واحد له أكثرية مقاعد هاتين الطائفتين الساحقة، في مقابل حالة مسيحية فيها أرجحية عونية مع أقلية برلمانية قواتية صاعدة، وحالة شيعية تقوم على تركيب غير سهل أبداً، بين غلبة معقودة اللواء لـ«حزب الله»، كونه صاحب السلاح الأساسي، وكونه التيار الأكثر شعبية ضمن الطائفة، وكون رابطته عضوية بايران في لحظة الاستقطاب الاقليمي الشامل والعالي التوتر، وبين استمرار تصدّر حركة أمل لحضور الشيعة «الدولتي» بدءاً من استمرار نبيه بري في رئاسة المجلس.
هي لحظة فيض لـ«اللا ـ عقدة» الشيعية، على الطوائف المأزومة المناظرة لها. من خلال عقدة سنة 8 آذار، لكن أيضاً من خلال إعادة تنظيم شكل «التفاهم» مع الرئيس عون. «حزب الله» وقف معه للرئاسة، مستنداً الى كون عون الأكثر شعبية ضمن طائفته، لكنه الآن يطالب بوزير للمعارضة السنية، كونهم يشكون أقلية ضمن طائفتهم، لكن لها عددا برلمانيا.
مع هذه اللحظة، يكون المنطق الطائفي اللبناني قد دخل أكثر فأكثر في منطقة جديدة: فلم يعد هذا المنطق محصورا بالتنازع بين طائفتين على حصة، أو بالتنازع ضمن الطائفة الواحدة على من ينطق بإسمها أو يتولى مقاليد الأمور فيها، أو بالتداخل بين انشطار طائفة بين فريقين كبيرين وتشبيك كل فريق مع طوائف أخرى. صار هناك «إجماع في طائفة» يتولى الدفاع عن حصة الأقلية في الطائفة المجاورة. الأكثرية ضمن هذه الطائفة المجاورة تقول هذا ليس من شأنك، وهو يقول لها أن هذا من شأني ما دام الإجماع لم يحصّل فيك أيتها الطائفة الجارة العزيزة. عليك بالتنوّع والتعدّدية في داخلك، وعليّ بالإجماع في داخلي وحماية التعددية عندك!
كثيراً ما يحكى عن «الغيض من فيض». نحن هنا أمام «فيض من غيض»: فيض الإجماع الشيعي على أزمة الطائفة السنية. لكن هذا الفيض هو فرع على مشكلة اهتراء النظام السياسي والثقافي والاجتماعي بشكل عام، كما أنه فرع على تغلّب «حزب الله» على سائر القوى.
في لبنان، مشكلتان. مشكلة إقفال النظام الباب على نفسه، ومشكلة إقفال «الحزب» الباب على النظام، بخاصة مع الفيض الآخر.
مشكلة القوى التي يصعب أن تكون على «قدر كلمتها»، ومشكلة الحزب الذي لم يعد بإمكانه أن يتخيل واقعاً إلا ذلك الذي يعود ويطابق كلمته، وينطق بما قاله أو وعد به.
مشكلة السيارة التي حين تريد تحريكها إلى الأمام تندفع إلى الوراء، ومشكلة السيارة التي حذفت من نفسها خاصية التراجع إلى الوراء.
مشكلتان، مشكلة النظام السياسي وسائر القوى «التقليدية» من ضمنه، أي كل ما عدا «حزب الله»، ومشكلة تغلّبية «حزب الله»: أكثر من سيطرة، وأقل من هيمنة. تغلّب مركّب: يمرّ من خلال ثنائية «تناصفية» مع حركة أمل، على أساسها يتحقق الإجماع الشيعي السياسي التام، ومن خلال ثنائية شيعية ـ مسيحية عمرها اثنا عشر عاماً الآن، ويجري بصريح العبارة التذكير بأنّ فيها «قطبا» و«مقطوبا». «حزب الله» ليس البعث على رأس «الجبهة الوطنية التقدمية»، لا في علاقته مع «أمل» ولا في علاقته مع «التيار العوني». حلفاؤه قوى أساسية، في هاتين الحالتين، وهو لا يمارس «تغلّبه» على حليفيه اللدودين فيما بينهما، بري وعون، بشكل مباشر. يمارس ذلك بواسطة مساعدة حلفائه على التغلّب على الآخرين.
المشكلة هي أيضاً أن الناس منقسمة بين من يركّز على المشكلة الأولى «الموت السريري للسستام»، وبين من يركّز على المشكلة الثانية «أمرة دولة حزب الله الخاصة على الدولة العامة». هذا في وقت يحتاج فيه الحزب أكثر فأكثر، لزيادة تترسه بالنظام اللبناني وأزمته، ولدفع أزمة هذا النظام المتصدّع والمتردّي، قدماً إلى الأمام.

كاتب لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*