لبنان بحاجة إلى ثورة رقمية للوثب إلى الأمام

 


ناصر السعيدي – نائب أوّل سابق لحاكم مصرف لبنان ووزير سابق
النهار
27092018

، بما في ذلك الرأسمال البشري وإعادة بناء الرأسمال السياسي الذي استُنفِد بسبب سوء الحوكمة، وتفشّي سرطان الفساد، والمحسوبيات، والاستيلاء على مقدّرات الدولة، والإمساك بأدواتها التنظيمية. يحتل لبنان مراتب مُحزنة جداً في مؤشرات الفساد فهو يأتي في المرتبة 87 من أصل 113 بلداً في مؤشر الفساد. ويشغل المرتبة 105 من أصل 137 بلداً في مؤشر القدرة التنافسية، والمرتبة 133 من أصل 190 بلداً على صعيد تكلفة القيام بالأعمال.

ومع ذلك، يُمكن تغيير المشهد. وبالإضافة إلى الإصلاحات البنيوية والمالية والنقدية التي كثر الحديث عنها نحتاج إلى استراتيجية رئيسية لرفع النمو وزيادة الإنتاجية. علينا أن نطلق استراتيجية “لبنان يثب إلى الأمام”، ثورة رقمية تحقّق لبنان الالكتروني. إن التكنولوجيات الجديدة تتسبّب باضطرابات في الأسواق والمُنتجات والخدمات. إن الرقمنة تنتشر، محدثِةً تحوّلاً في تجارة التجزئة، والتصنيع، والصناعة، والمواصلات، واللوجستيات، والقطاع المصرفي والمالي، والخدمات الصحية، وغيرها من القطاعات. إن التكنولوجيا تغيّر الزراعة سريعاً إلى زراعة تكنولوجية نحو العصر الرقمي من خلال استخدام التقنيات المتطورة في القطاع الزراعي أو ما يُعرَف بالتكنولوجيا الزراعية . لقد بتنا نعيش أكثر فأكثر في أسواق رقمية.

يتعيّن على لبنان توظيف استثمارات طائلة في البنى التحتية الرقمية لخفض الأكلاف وزيادة سرعة خدمات الاتصالات السلكية واللاسلكية (الانتقال إلى عصر الـ4G)، والشبكات والمنصّات من أجل المشاركة بفاعلية في أربعة تحوّلات أساسية سوف تتبلور خلال العقود المقبلة:

– الخدمات الرقمية من مثل التجارة الإلكترونية؛

– الطاقة والتكنولوجيات النظيفة للحد من أخطار التغيّر المناخي وتداعياته

– علوم الصحة والحياة؛

– الذكاء الاصطناعي، وقواعد البيانات المتسلسلة (blockchain)، والتكنولوجيا المالية (FinTech)، وعلوم الإنسان الآلي أو الروبوتيكس، وتكنولوجيات النانو (التكنولوجيا المتناهية الصغر).

إن الرقمنة تقدر أن تُحدث تغييراً جذرياً وثورة في القطاع المصرفي والمالي في لبنان. فاعتماد التكنولوجيا المالية في القطاع المصرفي والعمليات المالية للشركات، وفي أسواق الرساميل، وتحليل البيانات المالية، والمدفوعات، والتأمين، وإدارة الأصول والثروات، يفتح آفاقاً جديدة وأسواقاً عابرة للحدود أمام قطاعنا المصرفي والمالي. إن بلداناً مختلفة مثل إستونيا والصين وكينيا ومالطا وتايلاند وسنغافورة، توفّر أمثلة عن فوائد خدمات المدفوعات والمصارف المُرقمنة. والخدمات المُرقمنة هي الأدوات الأكثر فاعلية لتلبية احتياجات الجالية الاغترابية اللبنانية الثريّة. ويمكن أن يمثّل التمويل الجماعي مفتاح التنمية الاقتصادية والتنويع الاقتصادي عبر دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة والاشتمال المالي.

ومن شأن الرقمنة أن تقوّي إلى حد كبير المالية العامة وتخفض عجز الموازنة من خلال تحسين الإبلاغ عن المعاملات وجباية الضريبة على القيمة المضافة، والرسوم الجمركية وسائر الضرائب، وزيادة فاعلية الإنفاق والحد من الهدر والرشاوى والفساد في المشتريات والنفقات العامة. إن اعتماد منظومة رقمية وطنية لبطاقات الهوية (كما في إستونيا) يمكن أن يوفّر الوصول إلى جميع الخدمات الإلكترونية، بما فيها تلك التي تؤمّنها الدَوْلة. ومن شأن إصدار بطاقات رقمية لجميع موظفي القطاع العام، أن يُخفّض إلى حد كبير أعداد موظفي وعمّال “الظل” والذين يتغيّبون عن الوظيفة. وتشكّل الحكومة الرقمية أداةً فاعلة وناجعة في مواجهة الرشوة والفساد.

ومن أجل تحقيق الثورة الرقمية في لبنان، يجب إنشاء مؤسسات رقمية، ووزارة للخدمات المالية والاقتصاد الرقمي والابتكار، وإقرار قوانين وتنظيمات لدعم التكنولوجيات الجديدة والتكنولوجيا المالية وإيلاء الاهتمام اللازم للأصول الرقمية بغية تمكين لبنان من تطوير بيئة حاضنة شبيهة بـ”سيليكون فالي”، واجتذاب الاستثمارات والشركات الناشئة. وعلى جامعاتنا ومعاهدنا التكنولوجية توظيف استثمارات كبرى في المختبرات والحاضنات والمسرِّعات؛ أي باختصار يجب مضاعفة المبادرات الراهنة. إن لبنان “الرقمي” سيحقّق الاستثمار الأكبر في طاقات لبنان الشابّة ورواده في الأعمال والرأسمال البشري اللبناني، ويستقطب الاستثمارات الخارجية المباشرة لتعزيز الابتكار التكنولوجي والقطاعات الشديدة الاعتماد على المعرفة. إن لبنان يحتل المرتبة الرابعة عالمياً في تعليم الرياضيات والعلوم (وفق ترتيب المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2018)! وتُشير الأدلة من الصين وبلدان أخرى، إلى أن زيادة بنسبة واحد بالمئة في التحول نحو الرقمنة تساهم في زيادة النمو بنسبة 0.3 بالمئة.

إن القطاع الخاص قادر على دفع لبنان نحو القيام بوثبة إلى الأمام. بإمكان الثورة الرقمية أن تُحدِث تحوّلاً في المشهد الاقتصادي اللبناني. فهل السياسيون وصنّاع السياسات، قادرون على النهوض بدورهم في هذا المجال؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*